الفن والثقافة

آخر الخط

اعلان

قصة قصيرة بقلم / المهندس أيمن سلامة

إستيقظ الاسطى فوزى على صوت آذان الفجر المنبعث من مئذنة أحد المساجد القريبة من مسكنه بأحدى حارات الحى الشعبى المجاور للمسجد ، و برغم آلام الظهر التى يعانى منها أسرع يتوضأ بصعوبة و يستحث الخطى الى المسجد القريب ليلحق بالصلاة .

وبعد ما إنتهت الصلاة جلس فى المسجد إلى جوار إمام المسجد الشيخ عربى صديقه وبلدياته ، وأخذا يتبادلان التحية والسؤال العابر عن الأحوال وأحداث الحارة والدنيا من حولهم ، ثم إنصرفا من المسجد معاً وهما مازالا فى حديثهما حتى إنتهى المسير أمام مسكن الاسطى فوزى وهنا تركه الشيخ عربى قائلاً إن شاء الله أشوفك فى صلاة العشاء ، لا تنسى هايركب معاك واحد من حبايبنا ضرورى تعمل معاه الواجب مع السلامه يا ابو شوقى.

وقف الاسطى فوزى للحظات يستمتع بسماعه لذلك اللقب الذى أطلقه عليه صديقه الشيخ عربى ، فقد كان الاسطى فوزى يحلم بأن يرزقه الله بالولد ليكون سنداً له فى كبره ، وأخا لاخواته البنات الثلاثة وتمنى أن يكون اسمه شوقى تيمناً باسم والده كعادة الكثير منا يطلقون أسماء الاجداد على الاحفاد ليكونوا إمتدادا لذكراهم العطرة فى حياتنا.

العجيب فى الامر أن الجميع أصبحوا يطلقون عليه ذلك اللقب حتى زوجته وزملائه بالعمل ، حتى أن بعضهم ممن لاتربطهم علاقة وثيقة به كانوا يدعون لنجاح ولده شوقى فى الدراسة ، و كان الاسطى فوزى دائما طيب الخلق وخدوم للقريب والغريب .

صعد الاسطى فوزى إلى مسكنه بعد ما إنتهت وقفته مع الشيخ عربى ، وتناول ما تيسر من طعام الافطار وكوب الشاى الساخن ثم بدل ملابسه وأسرع إلى مقر عمله كسائق باص فى هيئة النقل العام ليبدأ رحلته الطويلة اليومية التى يجوب خلالها شوارع المدينة المزدحمة.

سرعان ما بدأت ساعات الزحام والاختناق فى الشوارع المزدحمة حتى إنتصف نهار ذلك اليوم الذى يشبه كثيرا أياما أخرى مضت ضمن سنوات العمر المتشابهة المليئة بالتعب والكفاح من أجل لقمة العيش ، وبينما الأمر كذلك صعد أحد الركاب ثم صاح بصوت مرتفع قائلا الشيخ عربى بيسلم عليك ياابوشوقى ، فأدرك الاسطى فوزى أنه الرجل المقصود بتوصية الشيخ عربى فأشار اليه قائلا يامرحب بضيوف مولانا الشيخ عربى تعال هنا جنبى يابلدينا ..وبصعوبة انتقل الرجل من وسط الزحام بصعوبة ليجلس بجوار السائق ، وبعد تبادل عبارات التحية والترحاب المعتادة ، قال الضيف للاسطى فوزى الله يكرمك ياابو شوقى عايز أنزل قبل نهاية الخط بتاعك ، فسأله الاسطى فوزى يعنى فين بالضبط ؟؟..فقال الرجل مش عارف لكن لما أشوف المكان ها اعرف واقولك ، تعجب وصمت الاسطى وظن أن الرجل تائه كـأغلب الحالات المشابهة التى يصادفها فى عمله.

ساد بينهما الصمت الملىء بأصوات زحام الركاب بالعربة ، و انطلق الاسطى يكمل سيره خلال الشوارع الملتوية المزدحمة حتى قارب على الوصول الى اخر الخط ، وهنا قام الرجل الضيف وهو يشير الى أحد المساجد قائلا هنا يااسطى …نزلنى هنا …..فتوقف الاسطى فوزى وهو يتعجب من حال الضيف قائلا عايز تنزل عند الجامع ده ..يارجل..الجامع مقفول دلوقت والجو حر ومافيش حد هنا ..خليك انزل اخر الخط واسأل هناك.. فقال الرجل آخر الخط بتاعى هنا ..وانت راجع خدنى معاك ..اوعى تسيبنى..ياابو شوقى …دى وصية الشيخ عربى …فقال له حاضر بعد ساعة ها ارجع من هنا وها اقف عشان خاطرك ..وتركه وانصرف مسرعا بسيارته يقطع الطريق ليصل الى آخر الخط .

أسرع الرجل يروى ظمأه من ثلاجة السبيل للماء البارد أمام المسجد و جلس بناحية ظليلة مستندا بظهره المتعب الى طرف حائط المسجد ، وبعد ساعة تقريبا عاد الاسطى فوزى وتوقف مقابل المسجد وانتظر ليصعد الضيف الى الباص ولكن لم يصعد احد ، وتعجب الركاب والمحصل من السائق ، لم توقف هنا ولا توجد هنا محطة ركاب ، ولما طال الوقوف نزل الاسطى فوزى يعبر الطريق الى المسجد ليبحث عن الضيف فهو وصية الشيخ عربى ويجب الاهتمام به وتوجه إلى المسجد الذى فتحت أبوابه لأداء صلاة المغرب ونظر فى وجوه رواد المسجد فلم يجد الضيف فأيقن أنه ترك المسجد وانصرف وبينما كان ابوشوقى يهم بعبور الطريق عائدا الى الباص لمح الرجل يجلس على الرصيف فى نهاية مبنى المسجد بجوار ثلاجة السبيل فأسرع اليه صائحا يارجل انت فين ، و كمان نايم طيب قوم بسرعة اتأخرت ، والناس عندهم مواعيد ، لكن الرجل لم يجب فقد كان لديه موعد آخر مع رب الناس .

المهندس أيمن سلامة

 

اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى