العالمالمجتمع

الأمل والألم في مشهد الحج: تأملات بقلم د. أمين رمضان

تجمع الحجاج في البقاع المقدسة ( الارشيف)
تجمع الحجاج في البقاع المقدسة ( الارشيف)

 أيام قلائل ويعيش المسلمون والعالم مشهد مهيب، يهز القلب ويحير العقل، هو مشهد الحج، حيث يتدفق أكثر من ٢ مليون حاج، يمثلون أكثر من مليار مسلم، يعيشون في حوالي ٥٩ دولة إسلامية، غير الأقليات المتفرقة في دول أخرى، إلى مكة ومِنى لأداء مناسك شعيرة من أعظم شعائر الإسلام وهي الحج والوقوف بعرفات.

نعم مشهد كما قلت يهز القلب ويحير العقل، يهز القلب عندما ترى الحجيج في ملابسهم ناصعة البياض يغطون جبل عرفة وما حوله، في صورة مبهره، رغم أن لونها واحد، لكنها متعددة الألوان والأجناس واللغات والأعمار والألقاب والمناصب، لكنها تبدوا كأنها سيمفونية من الطهارة والتجرد والإخلاص، فكيف لا يبهر ذلك القلب ويهزه، ويلمس النفس فتهتز عندما تعيشه كأنه يوم الحشر، هذا هو الجزء الظاهر الناصع من جبل الجليد الأبيض.

لكن عندما يتأمل العقل الجزء الغاطس الضخم من هذا الجبل تصيبه الحيرة والألم والأمل في نفس الوقت.

الألم لأنهم لا يمثلون أمة واحدة، فالأمة تمزقت، وكل حزبٍ بما لديهم فرحون.

الألم لأن المسلمين في العالم لا وزن لهم، بل تحولوا إلى قصعة تتكالب عليها الأمم لتلتهمها، والأدهى والأمَّر أن أبناء جلدتها شاركوا أعدائها في افتراسهم، بل كانوا هم الشوكة التي يأكلنا بها الأعداء.

الألم لأن غالبية بلاد المسلمين تعيش في فقر وجهل ومرض، فلا تنتج غذائها ولا دوائها ولا سلاحها، فتَحَكم فيها أعدائها، فباعوا لها السلاح بأسعار باهظة، ليستخدموه في قتل بعضهم البعض، أو قتل شعوبهم.

الألم لأن معظم بلاد المسلمين تسود فيها الديكتاتورية البغيضة بكل صورها، ويتصرف فيها حكامها كما يشاءون، بلا رقيب ولا حسيب، فهم يملكون الشعوب والأرض، فغابت الحرية، وقتل الأبرياء، وسالت دماء المسلمين أنهاراً، وتم الاعتداء على الأعراض المسلمة الشريفة، وزُجَّ بالشرفاء إلى السجون، وتشتتت الشعوب في أنحاء الدنيا، حتى أن بلداً واحدة هي سوريا بلغ عدد المهجرين منها ٥ ملايين، معظمهم إن لم يكونوا كلهم من المسلمين السُنَّة، بل كان غير المسلمين أحيانا أرحم بهم من المسلمين، كما فعل رئيس وزراء كندا وغير.

الألم لأن المستقبل القريب والبعيد ضبابي ومفزع أمام الأجيال القادمة، الأبواب مسدودة أو مغلفة أمام أي إصلاح ديمقراطي يجنب الشعوب مزيد من الأرواح والدماء والخراب، والشباب يصيبه اليأس، إلا من رحم الله.

الألم لأن الإسلام الذي يمثل صورته مشهد الحجيج، غائب عن حركة الحياة في عالم الناس والحكم والمال والسياسة، بل حتى في عالم الدين نفسه، فتم صناعة دين بشري جديد، برعاية عالمية، كما نشر في تقرير راند عام ٢٠٠٦ عن “بناء شبكة الدول الإسلامية المعتدلة”، التي يتم تركيبها الآن بعد عملية التفكيك والتفتيت القائمة على قدم وساق، آخرها كانت محاولة الانقلاب التركي الفاشل الأخير، لكنه لن يكون الآخر.

الألم لأن مِن هؤلاء الحجاج من تلوثت أيديهم بدماء آلاف المسلمين، مخالفين حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لهدمُ الكعبةِ حَجرًا حَجرًا أهونُ على اللهِ من قتلِ المسلمِ).

 

أما الأمل فهو أن الله تعالى حفظ هذا الدين، كما في قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} – سورة الحجر (٩)، ووعد بأن من سيتولى عن هذا الدين فسيتم استبداله {… وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} – سورة محمد (٣٨).

الأمل في أن الباطل لا يدوم أبداً، والوعد بأن من ينفق الأموال ليصد عن سبيل الله، فستكون عليه حسرة ثم يهزم.

الأمل في أن تعود البشرية إلى رشدها، وتكف عن غيها، لأنها في حاجة إلى الإسلام كنظام حياة إنساني شامل، يعيش فيه العالم في سعادة وأخوة إنسانية.

الأمل في وعي الشعوب المسلمة، واستعادتها أوطانها، والعيش في حرية للجميع.

الأمل في عودة الأمة، لتكون جسداً واحداً، لتستعيد مجدها، وتنقذ العالم من الهاوية التي يسير إليها.

الأمل في أن تعيش الأمة عصرها، فتقدم العلماء في مجالات الحياة المختلفة، وتجعل العلم قائداً لها.

الآن ألستم معي حين يكون شعوري مزيج من الأمل والألم، عندما أتأمل المشهد، وأغوص في أعماقه.

الدكتور أمين رمضان aminghaleb@gmail.com http://dr-amin-ramdan.blogspot.com/
الدكتور أمين رمضان
aminghaleb@gmail.com
http://dr-amin-ramdan.blogspot.com/

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.