احدث الاخبار

الإخـلاء .. رسالةٌ في تغيير الواقع …بقلم علاء الصفطاوى

 

بعيدًا عن كون صوت ” صفّارة الإنذار ” يسبّبُ لي فزعًا وإن شئت فقل رعبًا وهلعًا، لأنّه يذكّرني – مع الفارق الكبير والهائل – بالنفخ في الصور للوقوف بين يدي الله يوم القيامة .. إلا أنني قلتُ لنفسي: إننا بالفعل في حاجة إلى تدريب أبنائنا الطلاب على الإخلاء ليكونوا مؤهلين للنجاة في لحظات الخطر، لكننا في حاجة شديدة إلى نوع آخر من الإخلاء، وهو إخلاء القلوب – فقد تدرَّبنا كثيرًا على إخلاء الأجسام – وما أقصده وأهدف إليه هنا هو إخلاء القلوب من الأحقاد وإعمارها بالحب، بعد أن غاب عنها وانزوى في زوايا الصراع على الدنيا الفانية .. ومتعها البالية !!
وليس هذا فحسب بل إخلاؤها أيضًا – أقصد القلوب – من الكِبر، وأن نزرع في ربوعها التواضع، وأن نرويها بدموع التذلل بين يدي الله، وأن نتذكر دائمًا أننا كنَّا في البداية نطفة في ظهور آبائنا لا قيمة لها، وأننا في النهاية سنكون جيفةً قذرة، تأنف النفوس من رائحتها .. وتهرب من نتنِها، وأننا بين هذا وذاك نحمل العذرة لتكون رادعة لكل من تسول له نفسه أن يتكبر على العباد .. وأن ينازع الله في صفة من أعظم صفاته !!
وفي زمنٍ كثرت فيه المغريات.. وأصبح من السهل على النفس العيش في ظلال الشهوات، وتمكنت الدنيا من القلوب فصالت فيها وجالت، وعلَا كعبُها على الآخرة، فأصبحنا كالذي وعده الملك بأن يملك ما تطؤه قدمه فظل يجري ويجري حتى انقطعت أنفاسه، ومات ولم يأخذ شيئًا، وهذا حال الكثير منا، فهل آن الأوان أن ندرك حقيقة الدنيا ؟! وأنها ليست دار قرار فتزهد فيها نفوسنا .. وتخلو من حبها قلوبُنا ؟!
ثم أمَا آن لنا أن نُخلي قلوبنا من حب الكراسي والمناصب الزّائفة والصراع عليها، حتى أصبحت غايتنا .. ومنتهى آمالنا، نسعى إليها جاهدين، ولو رآيناها على حقيقتها كونها مغرمًا وليست منغمًا لفررنا منها، خشية السؤال عن أدائها والقيام بحقها يوم نُعرض على الله !!
إن ثقافة الإخلاء تعني إحياء فقه المراجعة لأقوالنا وأفعالنا، فندعم ما كان منها حسنًا، ونتوب مما كان منها سيئًا، والتوبة لا تعني الوقوف على أطلال الماضي حسرة وألمًا .. بقدر ما تعني الانطلاق نحو المستقبل تفاؤلاً وأملاً !
وأختم مقالي هذا بالحديث عمّن يطوفون – ليس حول الكعبة – وإنما حول أنفسهم، الذين امتلأت قلوبهم بحب الذات، حتى أصبح هذا الحب صنماً له يركعون .. وله – كذلك – يسجدون، دائماً ينسجون حول أنفسِهم هالةً ضخمة، إذا حّلوا في مكان .. أو نزلوا في ميدان، لا ينبغي للكاميرا إلا أن تُسلط عليهم .
وقد آن لهؤلاء أن يُدركوا أن الزمان قد تغير، والأجيال قد تخطتهم، لذا ينبغي أن يدركوا اللحظة الفارقة، ويتركوا وهم الصنمية الذي يُعشِّشُ في عقولهم، وأن يتواضعوا حتى يسكنوا العقول والقلوب معاً .
وصدق علماء التربية والسّلوك وأحوال القلوب عندما نادوا بالتخلية قبل التحلية، ليتم البناء على أسس صحيحة تُؤتي أُكلها جيلاً صالحاً ينهضُ بالدنيا .. ويجدد الدين .

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى