العالمالمجتمع

الإنترنت والتعلم الذاتي: تأملات بقلم الدكتور أمين رمضان

التخلف عن العصر جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه أولاً ومجتمعه ثانياً. العصر الذي نعيشه هو عصر المعرفة الذي تلعب فيه تكنولوجيا المعلومات دوراً أساسياً، كانت الشبكة العنكبوتية أو الإنترنت هي المحيط الذي جرت فيه مياه هذه المعرفة العالمية وأمواجها. من الطبيعي أن تتباين مواقف الناس أمام الإنترنت، كما هم عادة أمام كل جديد، بين مؤيد ومعارض ومتردد، كلٌ حسب زاوية إدراكه للقضية، أو مستوى الوعي الذي يعيشه.

الزاوية التي سأنظر منها للإنترنت بحكم عملي وعشقي الأول، هي التعلم. في السنوات الأخيرة استطاع الإنترنت من خلال التطور الكبير في الواقع الافتراضي ونظم إدارة المعلومات وتكنولوجيا التعلم المتقدمة، أن يتخطى عقبات ضخمة كانت تقف أمام رحلة الإنسان نحو التعلم، من هذه العقبات: العمر والتكاليف المادية واللغة وتكاليف بناء الجامعات وميزانيات التعاقد مع الأساتذة وصعوبة التعاقد مع من يعملون في جامعات مرموقة ومواعيد الدراسة ومحدودية الأعداد التي يمكن أن تستوعبها مؤسسات التعليم المختلفة وغير ذلك من التكاليف الضخمة للبنية التحتية وغيرها.

جاء الإنترنت ليتغلب على معظم هذه المشاكل فأضحى التعلم متاحاً للجميع، في كل الأوقات، من أي مكان، وبأي عدد. حدثت ثورة حقيقية في التعلم بفضل الإنترنت، ما كان لها أن تحدث بالطرق التقليدية القديمة، وتعددت المؤسسات التي تقدم مناهج متعددة بلغات مختلفة، بل تعدى الأمر ذلك إلى تقديم مسارات مختلفة للتعلم في تخصص معين يشمل مناهج أساسية لبناء هذا التخصص وينتهي بشهادة معترف بها، لكل من يجتاز الاختبارات، وفق معايير عالية، وتوثيق كامل لهوية المتعلم.

من أشهر المواقع المتوفرة الآن، موقع كورسيرا Coursera وهي شركة تقنية تربوية ربحية توفر مسارات هائلة مفتوحة أنشأها مدرسين من جامعة ستانفورد. تعمل كورسيرا مع جامعات عالمية على طرح مساراتها التعليمية عبر واجهة كورسيرا لإدارة النظم التعليمية. والإنسان يصاب بالدهشة عندما يعرف أنه حتى شهر مايو عام ٢٠١٥ قدمت كورسيرا أكثر من ١٠٠٠ منهج، مقدمة من ١١٩ معهد وجامعة، لأكثر من ١٣ مليون متعلم في ١٩٠ دولة. مع بداية شهر يناير ٢٠١٦ كان عدد المناهج المعروضة ١٥٦٣، مقدمة من ١٤٠ معهد وجامعة عبر ٢٨ دولة. ببساطة، لا تستطيع دولة بناء جامعات تستوعب هذه الأعداد ولا هذا التنوع من المتعلمين والمناهج. وهناك عدد كبير من المواقع الأخرى المشهورة مثل أكاديمية خان Khan Academy، وإدكس edX، وغيرها من المواقع.

 

فتح الإنترنت آفاق لا محدودة للتعلم، وما زالت أحلام جديدة تتحقق كل يوم، هذا التطور الكبير نقل التعلم من صفحات كتب صامته وجامدة كأنها جثث موتى، إلى حياة كاملة تأخذك إلى أي مكان في الكون لتتعلم، فتحرر الطلاب من جدران الفصول إلى العالم الفسيح يشاهدون ظواهره حية، وقوانينه وهي تنبض، ومعلوماته وهي تتدفق في سيمفونية كونية ليس فيها نشاز.

قُدِرَ لي في السنوات الأخيرة أن ألتحق بالعديد من هذه الدورات، منها دورة لمدة ثلاثة أشهر، قدمتها دكتورة ناتاشا من أمريكا، تعلمت فيها بعمق موضوع متخصص جداً، كان التعلم من التفاعل مع متعلمين من أنحاء مختلفة من العالم، ومن مهن وأعمار متباينة، لا يقل أهمية عما قدمته لنا الدكتورة ناتاشا.

بحكم عملي في الجامعة، صدمني أن نسبة الطلاب الذين سمعوا عن هذه المواقع التعليمية لا تتعدى ٢٪، أما نسبة من يستخدمها فلا تتعدى ١٪، ولكنهم في نفس الوقت يعرفون مواقع اللهو والرياضة وغيرها ويضيعون معظم أوقاتهم علي مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الجماعية والرياضة العالمية، بل إن كثيراً منهم لا يفارقه الموبايل أثناء الحصص، وكنت أمام خيارين، فإما أن أقود حرب على الموبايلات، أو أستخدمها في تعلم الطلاب، فكان الخيار الثاني، لأنه وسيلة موجودة ويعشقها الطلاب، ولا يعرفون كثيراً عن وجهها المفيد الآخر، عموما جعلنا وسائل التكنولوجيا التي يمتلكها الطلاب جزءاً من عملية تعلمهم رغم كل التحديات التي واجهتنا والتي ما زلنا نواجهها، صحيح أن النجاح جزئي، لكنه يمكن أن يزداد مع الوقت عندما نتغلب على بعض العقبات.

يظل الإنترنت وسيلة، لا تختلف عن الوسائل الأخرى، الإنسان هو الذي يحدد كيف يستخدمها.

الدكتور أمين رمضان

aminghaleb@gmail.com

http://dr-amin-ramdan.blogspot.com/

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.