أراء وقراءاتالمجتمعمصر

الاحتفال الحقيقي بالدكتور زويل: تأملات بقلم الدكتور أمين رمضان

مدينة زويل العلمية
مدينة زويل العلمية

ستظل ظاهرة الدكتور أحمد زويل تلقي بظلالها علينا، شئنا أم أبينا، لأنه أول مصري يفوز بأعلى جائزة علمية عام ١٩٩٩، وهي جائزة نوبل في الكيمياء، هذه حقائق لا شك فيها.

لكن التغني بأمجاد لم نصنعها نحن، والبكاء على أحزان الماضي، لن تصنع لمصر مستقبل، بل واجب علينا تأمل الظاهرة نفسها، أقول ظاهرة لأنها متكررة، فعلماء مصر في الخارج يقدمون خبراتهم للدول التي احتضنتهم في مجالات متعددة مثل الطب والفضاء والهندسة والطاقة والعلوم والسياسة والاقتصاد والزراعة وغيرها، أمثال الدكتور فاروق الباز عالم الفضاء والدكتور مجدي يعقوب جراح القلب المشهور وغيرهما الكثير والكثير، ومنهم شباب يحركون آلة العلم والتقدم، في تلك الدول، مع غيرهم من العلماء متعددي الجنسيات، لكن متحدي الهدف.

ظاهرة الدكتور أحمد زويل ظاهرة مجتمعية بامتياز، تظهر في مؤسسات المجتمع بكل أطيافه، وبالتالي يكون الاحتفال الحقيقي بالدكتور زويل هو علاج المرض المجتمعي الكبير والخطير المستمر حتى الآن، ولن يفعل ذلك إلا مصريون يحبون الوطن ويرون في عافيته تحقيق عافيتهم ومصالحهم، هم والأجيال القادمة، لا مصريون يدعون حب مصر وهم يحبون مصالحهم حتى ولو كانت على حساب الوطن، ويرون مصر لهم وحدهم دون غيرهم من المصريين، ولا أستثني مؤسسة أو طائفة من ذلك.

عندما فاز الدكتور زويل بالجائزة، استغرب مدير معهد كالتك الذي يعمل فيه الدكتور زويل، وقال إن المعهد به العشرات الذين فازوا بجائزة نوبل، مما يعني أن النظام أهم وأقوى من الفرد. الكاتب والمفكر المصري طارق حجي، نشر تأملاته حول قيم التقدم والعقل العربي في حوالي ٢٩٩ مقالة، هي خلاصة مقارنة بين القيم التي تقدمت بها المجتمعات، والدول التي تخلفت بسبب غياب هذه القيم عن حياتها، تحدث في إحداها عن “سياسة النظم لا سياسة الأفراد”. يمثل الدكتور زويل في مصر سياسة الأفراد، وفي أمريكا سياسة النظم، الأفراد في مصر طردوه، اقرأوا إن شئتم كتابه “عصر العلم” لتعلموا ما كان يحدث في كلية العلوم بجامعة الإسكندرية، عندما كان أحمد زويل معيداً بها، وقد رأيت ذلك بعيني، لأنني عملت بها معيداً، ثم استقلت منها عام ١٩٨١، والمؤسسة في أمريكا صنعت منه ومن غيره العلماء في كل المجالات.

سياسة الأفراد بدءاً من الأسرة حتى الحاكم وغياب سياسة النظم، هي المرض العضال الذي يفتك بالمجتمع، ويحوله إلى مجموعات من القطعان يسوقها أفراد مستبدين ليحققوا مصالحهم، المؤسسات موجودة شكلاً، لكنها تمارس سياسة الأفراد، التي يقترب فيها رأي الفرد من القداسة، فهو غير قابل للنقد ولا الحوار ولا المحاسبة، فتتقهقر الحياة للخلف، والعلاج هو عكس ذلك، أي تكون قوة المجتمع في قوة مؤسساته، فتفرض المؤسسات كلمتها، ولا يتحكم فيها فرد مهما كان، بدءاً من مؤسسة الأسرة حتى مؤسسة الدولة، وأن تكون جميعها ملكاً للشعب وليس العكس.

ولكي يتم الاحتفال الحقيقي بالدكتور زويل، يجب أن يبتعد التعليم عن البيزنس والسياسة ويصب فقط في الأهداف الاستراتيجية للدولة، وأن تكون ميزانية التعليم ضخمة، وتبدأ من سنوات الحضانة الأولي، بمؤسسات تناسب العصر من حيث البناء والمناهج والمعلمين، ونصبر سنوات حتى تعطي هذه المؤسسات ثمارها الطيبة فتتحقق أحلام زويل وغيره من العلماء، بعقول وأموال وخبرات مصرية، ويتوقف الضحك على الشعوب، فشراء التكنولوجيا واستهلاكها يجعلنا باستمرار عبيداً لمن يبيعونها، ولن ينقلنا أبداً لمصاف الدول المتقدمة.

باختصار الاحتفال الحقيقي بالدكتور زويل لن يكون إلا بعد أن نبدأ في التخلص من الأمراض المجتمعية المعيقة، والبدء في التعافي منها، عندها فقط سيحتفل آلاف العلماء الشباب بأحمد زويل، الذي كانت ظاهرته سبباً في عودة الوعي للمجتمع، ليصبح إنجاز المؤسسات هو العنوان الكبير لإنجاز الأفراد، في كل مجالات الحياة، في دولة حرة تقدر التعليم والعلماء.

 الدكتور أمين رمضان aminghaleb@gmail.com http://dr-amin-ramdan.blogspot.com/
الدكتور أمين رمضان
aminghaleb@gmail.com
http://dr-amin ramdan.blogspot.com/

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.