العالمالمجتمع

التحرش العقلي: تأملات بقلم الدكتور أمين رمضان

صورة تعبيرية ( الارشيف)
صورة تعبيرية ( الارشيف)

منذ سنوات ومصطلح “التحرش العقلي” يدور في ذهني، بعد أن سمعته من صديقي الدكتور باسل عبد الجليل، ووجد صدى عندي، خصوصاً عندما رأيت عبر ما يقرب من نصف قرن قضيتها أدرس للآلاف من طلاب الجامعة، ورأيت بوضوح كيف تم الاعتداء على عقولهم، وجدت أغلبهم يخافون من ممارسة التفكير، مع أن التعليم كان يجب أن يكون البيئة التي يتعلموا فيها التفكير، لذلك كانت الرغبة في الكتابة عنه تتأجج في عقلي، المرة بعد الأخرى، لكنني كنت أتردد، حتى قررت الكتابة عنه الآن.

شاع بين الناس مصطلح “التحرش الجنسي” للدلالة على الاعتداء على العرض، واعتبره المجتمع جريمة يعاقب عليها القانون، لكني لم أسمع إلا صديق لي واحد فقط تحدث معي عن “التحرش العقلي”، أي الاعتداء على العقل، فإذا كان التحرش الجنسي جريمة إنسانية، فإن التحرش العقلي جريمة أبشع، قال عنها الدكتور عمر عبد الكافي “أنها أبشع من قتل النفس”، لأن تشويه عقل الإنسان يقدم للمجتمع عالة عليه ضررها أكثر من نفعها.

“التحرش العقلي” قد تمارسه الأسرة فتعتدي على عقول أبنائها وفلذات أكبادها وترتكب هذه الجريمة في حقهم وهي لا تدري، أو تمارسه التنظيمات المختلفة، وخصوصاً التنظيمات الدينية، فتصادر كل من يفكر خارج أسوارها الفكرية، أو الدولة التي تحكمها الديكتاتورية، فتسير على دين فرعون، ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وكل من له رأي آخر أو يرى شيئاً آخر لا يحق له الحياة فيها.

لا شك أن العقل هو أثمن ما وهبه الله سبحانه وتعالى للإنسان، وهو الدابة التي يصل بها للإيمان بالله، فيه يتجلى مظهر من مظاهر إعجازه في الخلق، فهو أكثر المخلوقات تعقيداً من ناحية التركيب والوظيفة.

يتجلى إعجاز الخالق في خلقه، في ثلاثة مظاهر، التناهي في الصغر، مثل الذرة ومكوناتها، والضخامة في الكبر مثل الكون، والتعقيد في التركيب والوظائف مثل العقل.

هناك فرق بين المخ والعقل، فالمخ هو العضو المادي المحسوس، أما العقل فهو الجزء المعنوي، بمعني أن المخ يشبه الكمبيوتر بأجزائه المادية، أما العقل فيشبه البرامج والمعلومات الغير مادية، فأي خلل في الجهاز المادي، يعيقه عن أداء وظيفته، فلا تعمل بعض البرامج، وهكذا العلاقة بين المخ والعقل، لذلك أعجبني مصطلح التحرش العقلي، لأنه يظهر واضحاً عندما يحتاج الإنسان أن يستخدم عقله فيجد نفسه عاجزاً بسبب خلل به نتج من الاعتداء عليه أو التحرش به.

يولد الإنسان في أي مكان في العالم وهو يحمل نفس عدد خلايا المخ العصبية (خلايا التفكير) وعددها ١٠٠ مليار خلية (عصبونه)، ويمكن أن ترتبط الخلية العصبية بأكثر من ١٠٠ ألف خلية عصبية أخرى، فينتج أرقام فلكية من الشبكات العصبونية التي تشكل في النهاية شخصية الإنسان وطرق تفكيره.

وهنا يبرز سؤال: إذا كان كل إنسان يحمل نفس العدد من العصبونات فما هو الفرق بين مخ العالم ومخ الغبي؟، بعد تشريح مخ أينشتاين ودراسته، وجد العلماء أن أينشتاين لا يمتلك عدد أكبر من خلايا التفكير، بل وجدوا الفرق في عدد التشعبات في الخلية العصبية الواحدة، فزيادة التشعبات ترفع كفاءة المخ ويكون أقدر على التفكير، أما ضمورها فيؤدي إلى عجزها، هذا الضمور هو النتيجة المؤلمة للتحرش بالعقل، خصوصاً في السنوات الأولى للطفل، التي يتشكل فيها عقله.

والسبب أن الأسر لا تهتم بعقل أبنائها ولكن تهتم بأجسامهم، والتعليم لا يهتم بتنمية التفكير عندهم، بل يركز على الحفظ والتلقين، والتربية الدينية لا تهتم بتدبر القرآن بل بحفظه وتلاوته أكثر، والتنظيمات البشرية تصادر حق الإنسان في التعبير عن رأيه، والمجتمع يعتبر العقل من الممنوعات، كما قال الفيلسوف البريطاني أوسكار وايلد يوماً عندما سُأل في المطار: إن كان يحمل معه ممنوعات، فقال: نعم عقلي، ورغم أنها نكتة إلا أننا أصبحنا نعيش في زمن أصبح العقل فيه فعلاً من الممنوعات.

“التحرش العقلي” جريمة كبرى يرتكبها المجتمع المتخلف كله في حق الأجيال الحالية والقادمة، فيزداد تخلفاً على تخلفه. وإذا أردنا أن ننهض فيجب أن نغير بالكامل نظام التعليم في مجتمعاتنا، ومفاهيم التربية الأسرية البالية، وثقافة التجمعات الإنسانية المتخلفة.

 الدكتور أمين رمضان aminghaleb@gmail.com

الدكتور أمين رمضان
aminghaleb@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.