أراء وقراءات

التعليم أولاً.

بقلم / ياسر راجح

 

هل يمكن لعاقل أن يتصور فريقًا رياضيًا متميزًا في لعبةٍ ما مهما بلغت قوته و المهارات الفردية للاعبيه يستطيع الفوز دائمًا و تحقيق البطولات و إحراز الميدليات و الجوائز عن طريق اللعب بخطةٍ واحدةٍ فقط لا يغيرها أبدًا في جميع مبارياته ؟ !

ما ينطبق على هذا الفريق من منطق بديهي لا يحتاج عبقرية لفهمه و إستيعابه ينطبق بالضرورة على المنظومة التعليمية بمؤسساتها المختلفة, و مع كامل إحترامي لما يبذله المسؤولون عن التعليم من فكر و جهد لتطويره ؛ أرى أن كل ما حدث من تغيرات غير جوهري؛ و لن يكون له تأثير أو فاعلية كبيرة مستقبلاً ؛ و أناشدهم من خلال هذا المقال أن يعيدوا النظر في فلسفة التعليم نفسها مع تحديد الأهداف المتوخاة منها بمنتهى الدقة و الوضوح ؛ يجب أن تتغير إستراتيجية التعليم بشكل دائم و مستمر من جيلٍ إلى أخر وفقاً لمستجدات الواقع العملي المعاش؛ لإنتاج أجيال قوية قادرة على مواجهة الواقع بمشكلاته و تحدياته المستمرة و المتغيرة بمرور الزمن كفيروس متحور لا يثبت على حال, و إلا ظل الوضع على ما هو عليه, لتتحول المنظومة التعليمية برمتها إلى مصنع لإنتاج العجزة و المعوقين بالشهادة, في مأساة مستمرة؛ لا تنتهي, يمضي فيها الإنسان نصف عمره يدرس و نصفه الأخر عاطلاً يبحث فيه عن عمل, صداع في رأس الوطن, مرض إجتماعي مزمن يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل !

أتصور أن يتحول التعليم لا سيما في مراحله الأولى المبكرة… المرحلة الإبتدائية تحديداً كأهم و أخطر مرحلة تعليمية في حياة الإنسان إلى محطة لفرز و إستكشاف المواهب العلمية و الفنية و الأدبية و الرياضية الخ, لتمييز الميول و الإستعدادات و السمات الشخصية المتفردة للتلاميذ؛ تمهيدًا للعمل عليها و صقلها في مراحل تعليمية لاحقة, ثم توجيهها في نهاية الأمر و ضخها بذكاء لدعم التطبيق الأمثل لخطط و مشاريع التنمية المستدامة الهادفة لبناء وطن قوي و لترسيخ مفهوم الولاء و الإنتماء في عقل و وجدان مواطنيه, فمن غير المجدي الاعتماد على مواطن ناقم ضعيف الولاء أو موالي بالإكراه رغمًا عنه تحت ضغط الخوف والاضطرار في الاضطلاع بمهمة وجودية خطيرة مثل بناء الوطن و تحرير إرادته و تطويره المستمر.

الولاء من وجهة نظري حالة من حالات الاتزان النفسي للإنسان المتسق مع مجتمعه الذي يعيش فيه, يشبه إلى حدٍ بعيد الاتزان الحادث بين طرفي المعادلة في تفاعل كيميائي منعكس لا يمكن بحالٍ من الأحوال السماح له بالخروج عن السيطرة و الجنوح نحو التخبط و العشوائية ليسير في الإتجاه الخاطئ فنحصل في نهاية الأمر على نواتج غير مرغوبٍ فيها, و ربما كانت سامة أو مدمرة .

التعليم و تطويره المستمر قدرٌ لا مفر منه, و قضية وجودية خطيرة تستلزم النظر إليها كمشروع قومي نهضوي عظيم, و نقطة تحول نوعي في مسيرة الوطن, و جزء هام لا يتجزأ من إعادة صياغة الشخصية المصرية و تشكيل الوعي الجمعي العام دون أي تعارض مع قيم المجتمع السائدة و مبادئه الأصيلة, و عمل لا يقل أهمية عن مد الطرق و القضاء على العشوائيات إلخ, و أي تقصير أو إهمال في هذا الملف يعد جريمة كبرى لا تغتفر, في حق الوطن و المواطن و الأجيال القادمة جميعًا .

03/10/2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.