الصراط المستقيم

الدرر البهية في إنجاب الذرية

دراسة مقارنة لتنظيم النسل بين أدلة المجيزين والمانعيين

كتب/هاني حسبو.

من المعلوم شرعا وعقلا أن العلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن تكون في إطار “الزواج”الذي جعله الله تعالى مودة ورحمة كما قال تعالى”وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21] .

ومن مقاصد هذا الارتباط الشرعي: غض البصر، وإحصان الفرج، كما بين ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطيع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء”.

ومن مقاصده: تكثير النسل المسلم، ولهذا حث النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته على الزواج بالمرأة الولود والودود، وبين الهدف من هذا وأنه تكثير الأمة؛ ففي سنن أبي داود والنسائي: أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أصبت امرأة ذات جمال وحسب، وأنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: “لا” ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فنهاه، وقال: “تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة”.

ولا شك أن كثرة النسل من أكبر النعم، ولهذا امتن الله -عز وجل- بكثرة النسل على بني إسرائيل، فقال جل وعلا: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) [الإسراء: 6].

ومن المعلوم أن الأولاد منذ القديم كانوا أمنية الناس حتى الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين، وسيظلون كذلك ما سلمت فطرة الإنسان ، فالأولاد نعمة تتعلق بها قلوب البشر وترجوها . دعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلا : { رب هب لي من الصالحين } [الصافات:100] . وقال تعالى عن زكريا عليه السلام : { إذ نادى ربه نداء خفيا ، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا ، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ، يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } [مريم:3-7] وأثنى الله تعالى على عباده الصالحين بمحامد كثيرة منها قوله : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } [الفرقان:74] وأخبر الله تعالى أن شعيبا عليه السلام أمر قومه أن يذكروا نعمة الله عليهم إذ جعلهم كثرة بعد قلة ، فقال : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } [الأعراف:86].

وبكل ما سبق استدل المانعون بما يسمى “تحديد النسل”.

أما المجيزون فاستدلوا بما يسمى “العزل” وجوازه في الشرع والعزل هو أن يقذف الرجل ماءه خارج فرج امرأته.

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كنا نعزل والقرآن ينزل، وقال في الرواية الأخرى: فبلغ النبي ذلك فلم ينهنا إذا دعت إليه الحاجة بسبب أن المرأة تعبت بعد الولادة ويخشي أن تحمل بسرعة فلا تتمكن  من تربية الأولاد فعزل عنها بعض الوقت فلا بأس.

فدل هذا على جواز تنظيم النسل في رأي من يدافع عن هذا الرأي.

إلا أن المانعيين ردوا على ذلك :

أن العزل تركه أولى مهما أمكن لأن الأولاد رزقهم على الله والشارع يطلب تكثير النسل ليعبدوا الله ويطيعوه، وفي عدم العزل كمال اللذة في الجماع وقضاء الوطر، وإذا أخرج ذكره عند نزول المني كان هذا فيه ضعف للجماع وضعف لتعاطي الحاجة وقضاء الوطر، وقد يكون صعبًا على الإنسان فينبغي في مثل هذا أن لا يعزل، وأن يتمتع بما أباح الله له ورزقه على الله جل وعلا إذا حملت، وينبغي لها أن تصبر هي أيضاً وتستعين بالله على تربية الأولاد ولو كثروا لكن إذا دعت الضرورة لا بأس بالعزل، ولا بأس بتعاطي الدواء المانع من الحمل وقتًا قصيرًا تستعين به المرأة على تربية أولادها.

قال تعالى:

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6].

وثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال:

“إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وشقي أم سعيد” الحديث.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى