الصراط المستقيم

السيرة النبوية (26) عدالة الملك .. وبكاء النجاشي وأساقفته

اعلان

بقلم : الدكتور محمد النجار

 ذكرنا في الحلقة (25) عودة المهاجرين من الحبشة الى مكة بعد سماعهم نبأ كاذب باسلام قريش،فكانت الهجرة الثانية وبأعداد اكبر من الهجرة الاولى ، مع ملاحقة طغاة قريش لهم في الحبشة والمواجهة الكبرى أمام النجاشي ملك الحبشة، ونعرض لكم الحلقة( 26).. مستشارو الزور .. وبكاء النجاشي واساقفته.

وفد النجاشي الى مكة:   

يبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ارسل هؤلاء المهاجرين الأُول الى الحبشة ليعرف مدى رغبة النجاشي واستعداده لقبول المهاجرين المسلمين وحمايتهم وليمهد لهم في البلاط الأكسومي. وكان من بين افراد  تلك المجموعة  التاجر والمتكلم وصاحب النفوذ والخبير بالحبشة واهلها ، فمكثوا هذه المدة القصيرة يفاوضون الملك الحبشي في أمر اخوانهم . وارسل النجاشي بدوره وفدا حبشيا الى الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة قبل ان يأذن للمسلمين بالهجرة ، وبعد عودة  وفد النجاشي – الذي اعتنق افراده  جميعا الاسلام – رحب النجاشي بهجرة المسلمين اليه  .

يقول بن اسحاق عن قدوم وفد نصارى الحبشة الى مكة :

قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً من النصارى حين بلغهم خبرُه من الحبشة، مبعوثين من قِبل أساقفتها لتقصّي الحقائق بمكة، والتعرف على الإسلام. فوجدوا رسول اللّه في المسجد، فجلسوا إليه، وكلّموه وسألوه عن مسائل، ورجال من قريش فيهم “أبو جهل” في أنديتهم حول الكعبة.

فلما فرغوا من مسألة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم  عما أرادوا  ، دعاهم- صلّى اللّه عليه وسلم – إلى اللّه عزّ وجلّ وتلا عليهم آيات من القرآن الكريم، فكان لها من تأثيرا  بالغا في نفوسهم ، ففاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدّقوه، بعدما عرفوا منه ما كان يوصف في كتابهم (الانجيل) من أمره.

أبو جهل يسب وفد نصارى الحبشة في مكة :

أبو جهل لوفد النصارى : خيّبكُمُ اللّه وقبحكم مِن ركبٍ.. ما نعلمُ ركباً أحمق مِنكُم

فلما قامُوا عنه، ورأت قريش ما نتج عنه ذلك اللقاء استثقله “ابو جهل” فقال للنصارى الذين اسلموا معترضاً وموبّخاً: خيّبكُمُ اللّه مِن ركبٍ بعثكُم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئنّ مجالسُكم عنده حتى فارقتُم دينكُم وصدّقتموهُ بما قال، ما نعلمُ ركباً أحمق مِنكُم.

فأجابه اولئك بقولهم: سلام عليكم لا نُجاهِلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيراً   .

ويُقال : والله أعلم أن فيهم نزلت هؤلاء الآيات  من سورة القصص:

((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .  (56)

وبتلك الكلمات الرفيقة الهادئة كان ردهم على فرعون مكة الذي كان يريد – كسحابة داكنة- أن يحجب أشعة الايمان  المشرقة عن قلوب هؤلاء الذين شرح الله صدورهم بنور آياته وكلمات نبيه صلى الله عليه وسلم ، وحالوا دون وقوع صِدام مع فرعون الامة لعنه الله.

الهجرة الثانية إلى الحبشة

 قال الله تعالى  :

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41(﴾ سورة النحل .

﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10(﴾ سورة الزمر.

 

لم يكن خروج المسلمين في المرة الثانية إلى الحبشة دفعة واحدة مثلما حدث في الهجرة الثانية ، وانما كان على دفعات متلاحقة.. فرارا بدينهم من أن يُفتنوا فيه ، وحفاظا على أنفسهم من التعذيب أو القتل وحفاظا على كرامتهم من المهانة والاستهزاء والسخرية. وقد اشتدت وتيرة الهجرة إبان الحصار التي فرضته قريش للرسول وبني هاشم في شعب أبي طالب.

وكان في مقدمة هذه الهجرة الثانية جعفر بن ابي طالب ومعه امرأتُه أسماء بنت عُميس وعثمان بن عفان ومعه امرأته رقيةُ ابنةُ رسولِ صلى الله عليه وسلم ، ثم تتابع المسلمون حتى اجتمعوا  بأرض الحبشة ، منهم من خرج بأهله ، ومنهم من خرج بنفسه . 

واكتمل عدد المسلمين(82)اثنين وثمانين رجلا  في الحبشة بعد الهجرة الثانية في معظم الروايات، ولو ثبت ان عمار ابن ياسر كان ضمن المهاجرين في الهجرة الثانية لأصبح عدد المهاجرين (83)ثلاثة وثمانين رجلا  بالإضافة الى (18)ثمانية عشر امرأة ويكون اجمالي العدد (101) مائة وواحد رجل وامرأة  .

جاء في الموسوعة في صحيح السيرة النبوية في العهد المكي ص327:

قال عثمان بن عفان : يا رسول الله ، فهجرتنا الأولى ، وهذه هجرتنا الآخرة الى النجاشي ولست معنا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أنتم مهاجرون الى لله وإليَّ ، لكم هاتان الهجرتان جميعا ))

فقال عثمان : فحسبنا  يا رسول الله .

وكان عدد من خرج في هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانين رجلاً ، ومن النساء إحدى عشرة امرأة  قرشية وسبع غرائب ، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي بأحسن جوار   .

 ولكن المدقق في قائمة ابن هشام يجد أن عدد المسلمين في الحبشة كان 78 رجلا و 17 امرأة و 8 من الأبناء فيكون عدد المهاجرين 103 في مقدمتهم جعفر بن أبي طالب.

المهاجرون من جميع القبائل

والمتصفح لأسماء القبائل التي هاجر منها المسلمون يجد أن الإسلام قد انتشر بين كل قبائل مكة فبني هاشم هاجر منهم رجل وامرأة وبني أميه 3 رجال و 3 نسوة، وبني أسد بن عبد العزى، رجال وامرأة وبنو هذيل 4 رجال وبنو تميم رجلان وامرأة وبني مخزوم 8 رجال وامرأة وبني جمح 7 رجال و3 نسوة و5 أولاد وبني سهم 14 رجلا وبني علي 4 رجال وامرأة وولد وبني عامر و8 رجال و3 نسوة وبني الحارث 8 رجال.

 وأقام المسلمون في الحبشة على خير ما ينبغي واشتغلوا بالزراعة والتجارة والصناعة وسلكوا في حياتهم ومعاملتهم سلوكا طيبا واحترموا قوانين البلاد وأهلها فأحبهم الأحباش وعاملوهم معاملة كريمة طيبة، كما أكرم النجاشي ملك البلاد مثواهم وأعلن حمايتهم فأعلنوا شعائر دينهم لا يخشون تعذيبا أو اضطهادا.

تاريخ الهجرة الثانية :

كما علمنا من عودة المهاجرين من الحبشة الى مكة في شهر شوال من السنة الخامسة للبعثة  بعد سماعهم بإسلام اهل مكة ، وفوجئوا  بعدم صحة ذلك الخبر .

 فكانت الهجرة الثانية مباشرة  الى الحبشة في شهر ذي القعدة من العام الخامس للبعثة  الموافق للعام الثامن قبل الهجرة من عام 627ميلادي   .

ملاحقة قريش  للمؤمنين في الحبشة :

جاء في كتاب المنهج الحركي للسيرة ص 89 :” لم تهدأ قريش بعد ما علمت براحة المهاجرين واطمئنانهم في ظل ملك الحبشة النجاشي ، وبعد إخفاقها في منع المسلمين من الهجرة، ونتيجة تخوفها من انتشار الدعوة الإسلامية أرسلت وفداً مؤلفاً من عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة, وأرسلوا معهم هدايا ثمينة يدفعونها  إلى النجاشي وبطاركته كي يكونوا  قوة ضاغطة على النجاشي وإقناعه لطرد المهاجرين وإعادتهم الى مكة  لينكلوا بهم، مع تصوير هؤلاء المسلمين على أنهم غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين النجاشي.

يروي ابن اسحاق عن ام سلمة  أنها قالت :

لما نزلنا ارض الحبشة ، جاورنا بها خير جار النجاشي كان أمينا على ديننا ، وعبدنا الله تعالى ،ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم(أي تآمروا) أن يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا الى النجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة ..فجمعوا  أدما كثيرا (أي جلود)، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبدالله بن ربيعة وعمرو بن العاص ، أمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا الى كل بطريق هديته، قبل ان تُكلما النجاشي فيهم ، ثم قَدِّما الى النجاشي هداياه ، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم….

فخرجا حتى قَدِما على النجاشي ونحن عنده بخير دار ، عند خير جار .

رشوة مستشاري الملك  :

 فلم يبق من بطارقة الملك(مستشاري الملك)  بطريقٌ إلا دفعا  إليه هديته قبل أن يُكلما النجاشي، وقالا  لكل بطريق منهم : إنه قد ضَوى    الى بلد الملك منا غلمانٌ سفهاء ، فارقوا دين قومهم،ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مُبتدع لانعرفه نحن ولا انتم،وقد بعثنا الى الملك فيهم أشرافُ قومهم ليردهم إليهم ، فإن كلمنا الملك فيهم ، فأشيروا  عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهما أعلى بهم عينا ،وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا أي البطارقة :نعم.   .

فوعدهم البطارقة (وهم مستشارو الملك) بتلبية طلبهم ومساندتهم لهما.

في بلاط الملك  تم تقديم الهدايا للملك ، فقبلها منهما ،

ثم قالا للملك : أيها الملك ، إنه قد ضَوى (أي لجأ) الى بلدك منا غِلْمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا  في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا  عليهم وعاتبوهم فيه.

لم يتحقق البطارقة من صحة اقوال مندوبي قريش ، ولكن الهدايا  الثمينة التي حصلوا عليها قد حركت مشاعرهم وقلبت موازينهم  ودفعتهم للوقوف بجانب مندوبي مكة وتقديم النصيحة الملك ضد المظلومين .

 فقال البطارقة بدون تردد : صَدَقَا ، أيها الملك ، قومُهم أعلى بهم عينا   ، وأعلمُ بما  عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما  ، ليرداهم الى بلادهم وقومهم.

عدالة الملك والاستماع المدعى عليه :

غضب النجاشي ، ثم قال : لا أُسلمهم إليهما ، ولا يُكاد قومٌ جاوروني ، ونزلوا بلادي ، واختاروني على مَنْ سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما  يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ، ورددتهم الى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ماجاوروني.

 هذه هي عدالة الحاكم الذي لا يُصدر احكاما غيابية ظالمة دون مواجهة الخصم ، واعطاءه فرصة الدفاع عن نفسه وأفكاره ، واظهار حججه قبل توجيه الاتهام والحكم عليه وهذا ما يحفظ أمن وسلامة المجتمعات .

استدعى النجاشي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليواجهه الرجلان ، جاءوا ، ودعا الاساقفة .

سألهم النجاشي :

ماهذا الدين الذي فارقتم به قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني (وكان لا يزال نصرانيا).؟؟ولا في دين أحد من هذه الملل؟؟

دفاع جعفر بن ابي طالب :

قام جعفر بن أبي طالب – وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

(( أيها الملك :

كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الارحام ، ونسيئ الجوار ، ويأكل القوي من الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا  الى الله  لنوحده ونعبده ، ونخلع  ماكنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الامانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – وعدد عليه امور الاسلام – فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ،وحرمنا ما حرم علينا ،وأحللنا ما أحل لنا …… فعدا علينا قومنا ، فعذَّبونا  ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا الى عبادة الأوثان عن عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل ” من الخبائث ” )).

(( فلما قهرونا ، وظلمونا  ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا الى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نُظلم  عندك أيها الملك ))   .

بكاء النجاشي واساقفته

قال النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شئ ؟؟

قال جعفر : نعم

فقال النجاشي : فاقرأه عليَّ

 قرأ جعفر صدرا من : كهيعص (سورة مريم)  .

فبكى النجاشيُّ حتى اخضلت لحيتُه ، وبكت اساقفتُه حتى اخضلوا مصاحفهم ..ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ..فلا والله لا أُسْلمهم إليكما ، ولا يُكادون    .

       تأثر النجاشي من وضوح الحقائق بين يديه ، وكان فيما قرأه خبر زكريا وما وهبه الله تعالى من يحيى ، ثم جاء في حمل مريم إذ جاء الملك ، وقال لها : إني رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ..ثم ولادة عيسى عليه السلام .. إن النجاشي كان مؤمنا بدرك الحق إذا أُلقي عليه ، وكان عادلا ، وكان صادق النظر لإيمانه وعدله .

فبكى النجاشي من فرط تأثره ، وادراكه الحق حتى اخضلت لحيته ، وقالوا إن اساقفته وافقته ابتداء حين سمعوا ما تُليَ عليهم   .

استفز ازعمرو بن العاص للنجاشي

     لم يتوقف مكر الداهية عمر و بن العاص (قبل اسلامه) عند الهزيمة الاولى امام اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقال لصاحبه : والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم

فقال له صاحبه: لاتفعل ، فإن لهم ارحاما ، وإن كانوا قد خالفونا.

قال عمرو الماكر : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد.

وجاء الغد والتقى عمرو بن العاص بالنجاشي ومعه صاحبه عبدالله بن ربيعة.

قال عمرو : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل اليهم ، فسلهم عما يقولون فيه . فأرسل اليهم النجاشي ، وقد وقعوا في حيرة  وخوف ، فقال بعضهم: ماتقولون في عيسى بن مريم ، ولكن الذين تحملوا اذى قومهم على استعداد لأن يتحملوا غيره ، ولذا قالوا مصممين: نقول والله  ماقال نبينا كائنا في ذلك ماهو كائن ، فلما دخلوا على النجاشي قال لهم : ماذا تقولون في عيسي بن مريم ؟؟

قال جعفر : نقول فيه الذي جائنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ، يقول : هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول.

عندما سمع النجاشي هذا ضرب بيده على الارض ، فأخذ منها عودا ، ثم قال: والله ماعدا عيسيى ابن مريم مما قلت هذا العود. والبطارقة حاضرون فتنافروا  حوله حين قال ما قال : فقال : وإن نخرتم

موقف النجاشي وَحُكْمُهُ الأخير   :

التفت النجاشي الى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال لهم:

اذهبوا  فأنتم  شيومٌ في أرضي (والشيوم :الآمنون)  ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم، ما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم .

ثم قال : ردوا عليهما هداياهما  ، فلا حاجة لي بها ، فوالله  ما أخذ الله مني الرشوة  حين ردَّ عليَّ مُلكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما اطاع الناس في فأطيعهم فيه .

قالت ام سلمة رضي الله عنها  عن وفد مكة عمرو بن العاص وصاحبه :

 ((فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار))    .

    وانتصر الملك العادل للحق ، ووقف امام الباطل ورده ، وفشل عمرو بن العاص وصاحبه في مساعيه لتأليب النجاشي ضد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

ور د النجاشي على قريش هديتها ورشوتها التي كانت تود في مقابلها الكيد لأصحاب رسول الله صلى عليه وسلم والنيل منهم . وكذلك يُنجي الله المؤمنين.

وورد في البداية والنهاية لابن كثير ص69جزء 3 :

بعد ان استمع النجاشي لسورة مريم قال :

(( مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، اشهد انه رسول الله وأنه الذي نجد في الانجيل ، وأنه الرسول الذي بشر  به عيسى بن مريم ، انزلوا ماشئتم ..

((و الله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي احمل نعليه )).

(( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)) سورة غافر

 بهذا نختم  الحلقة (26) ونلتقي معكم الاسبوع القادم بإذن الله في الحلقة  (27) يوم الجمعة القادم  مع فقه السيرة وظلال النبوة.   مع ملاحظة  احتفاظي بالمراجع لعدم امكانية نشرها في الجريدة في الوقت الحاضر..

اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة وفقه أعظم نبي ورسول صلى الله عليه وسلم وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة

      

د. محمد أحمد النجار
17 جمادى الاولى 1439هـ
الموافق 2 فبراير 2018
الوسوم
اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق