الصراط المستقيم

السيرة النبوية (33) القذائف الإيمانية تخترق قلب عمر

 بقلم :الدكتور محمد النجار

      ذكرنا في الحلقة (32)  اقتحم عمر بيت أخته وهو في حالة هياج لسماعه بإيمانها بمحمد وضرب زوجها ولطمها لطمة قوية،وسال الدم من وجهها، فانفجرت فيه بقوة إيمانها قائلة : نعم آمنا .. فاقض ما أنت قاض؟؟!! إنها المواجهة من الجانب الضعيف الذي لا يملك قوة مادية تمكنه من ردع المعتدي الطاغي،ثم يستمد قوته من قوة الحق الإلهية التي تندفع في قلبه وتسري في عروقه فتمنحه قوة خارقة تقصف وجه الباطل. . إنها الكلمات القاذفة للخوف من قلب الضعيف ، فتثير الرعب في قلب الطاغية :

فاقض ما أنت قاض!! ….إنها الكلمة التي قالها سحرة فرعون عندما آمنوا بالله وكفروا بفرعون

     ((فاقض ما أنت قاض ، أنما تقضي هذه الحياة الدنيا))

فيقع عمر على الأرض وَتَخِرُ قواه امام تلك القذائف الايمانية ، فتخترق قلبه ، وتباشر  فؤاده وعقله ، فيأخذ الايمان بفطرته الى أصلها ، وتبدأ خيوط الايمان تسري في قلبه ووجدانه.. اترككم مع الحلقة (33)

صورة الثبات التي وجدها النبي في عمر بن الخطاب :

اذا كانت صفة القوة والشدة والثبات على المبدأ التي توفرت في شخصية أبي جهل الذي كان من الشخصيتين التي دعا لهما النبي الله بهداية أحبهما إليه، في الحلقة (32) فإننا نستعرض نفس الصفات في شخصية عمر بن الخطاب بإيجاز (حيث سبق استعراضها في الحلقة السابقة 32)

1)تعذيب جارية بني المؤمل،ثم يتعب فيقول لها: إني أعتذر إليك ، إني لم أتركك إلا ملالة.

 وكانت من الموالي التي اشتراها ابو بكر الصديق وأعتقها   .

2) تعذيب عمر للضعفاء وثباته على ذلك لدرجة استبعاد امكانية اسلام عمر. 

3) تكتيف عمر لابن  عمه وزوج اخته سعيد بن زيد وربطه بالحبال   – ليصده عن دينه.

    كل هذه  الحوادث تُظهر  قوة وشدة عمر وثباته على قناعته وما يؤمن به  ، فكانت عصبيته وحبه لعشيرته واخلاصه لأهله من مألوف الجاهلية، وقد جعلته في حيرة تقض مضجعه ، وكانت  نظرته لمحمد أنه  سب آلهتهم وسفه أحلامهم وفرق جماعتهم وشتت عشيرتهم. وظل عمر ثابتا  على ما آمن به في جاهليته.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الصفة في شخصية عمر .. صفة القوة والشدة مع الثبات على مايؤمن به والتي لو التحقت بالإسلام سوف تُغير  موازين قوى الفئة المؤمنة ، وينتقل بها الاسلام من مرحلة ((الفكرة والنظرية)) الى مرحلة  ((التطبيق والفاعلية)).

     وكان عمر يتمتع بصفة الثبات على المبدأ الذي يضحي من أجله بكل ما يملك بما فيها التضحية بحياته ..لأنها صفة الايمان بالقضية التي يعيش من أجلها حتى النخاع.

مواقف تنبيهية لعمر

     ولقد مر عمر بن الخطاب اثناء شدته ضد الاسلام بمواقف عديدة كانت بمثابة تنبيه لعقله وإثارة الحق في قلبه ، نذكر منها تنبيهين :

التنبيه الأول  [1]:

     وقد أشفق على الذين يغادرون   ويخرجون من ديارهم من قومه وهذا موقف التنبيه الاول لعمر  ،

ومن هنا نستطيع أن  نقول ان بشاشة الايمان قد باشرت قلب عمر من لحظة وقوفه حزينا متأثرا  أمام تلك المرأة (ام عبدالله بن خثعمة) التي قامت استعدادا للرحيل والخروج والجلاء عن مكة تاركة أهلها وارضها وديارها ، فسألها عن مخرجها  ، فقال آسفا : إنه للانطلاق ياأم عبدالله ؟؟؟

قالت : نعم والله .. لنخرجن في ارض الله ، آذيتمونا ، وقهرتمونا ، حتى يجعل الله لنا مخرجا ، فقال لها : صَحِبَكم الله……!!

قالت : ورأيت والله فيه رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا.

فلما جاء زوجها عامر  ، قالت له : يا أبا عبدالله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا!!

قال : أطمعت في اسلامه؟

قلت : نعم .

قال : لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار  اخطاب ! هل يسلم الحمار [1]؟ .

وما قال ذلك إلا يأسا لما كان يراه من غلظته وقسوته على الاسلام والمسلمين.

ويبدو ان حدس المرأة كان أقوى ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله ان ينصر دينه به ، وأن الله  إذا أراد أن يَهْدِيَ أحدا هداه ولو كان أقسى الناس قلباً، وأبعدهم عن الله.

 وهذا درس للدعاة إلى الله عز وجل أن لا ييأسوا من الناس ولو كان من يرونه أمامهم من أغلظ الناس قلباً لكن الله إذا أراد لعبد خيراً هيئه له ، ووفقه له ويسر الأسباب إليه.

التنبيه الثاني

ثم موقف اخر وهو رؤيته الدم يسيل من اخته فاطمة زوجة سعيد بن زيد، فكان التنبيه القوى الثاني الذي أزال الغشاوة عنه ، فظهر الوجه الحقيقي لعمر الشفيق العدل الذي أزال الله عنه غشاوة الباطل.

وكانت القسوة في تصرفات عمر ثم تبعتها لوم النفس ومواجهتها بالحق ، ففتحت قلبه للحق النازل من السماء ، وفتحت قلبه للإسلام !

كيف أسلم عمر بن الخطاب :

كانت اخت عمر “فاطمة بنت الخطاب ” قد أسلمت هي  وزوجها “سعيد بن زيد بن عمرو العدويِّ” وكانا يُخفيان اسلامَهما  خوفا من بطش عمر ، وكان يتردد عليهما الصحابي “خباب بن الأرت [3]” يقرئهما القرآن .

وكانت سورة طه قد نزلت ((( طه (#)ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى(#)إلا تذكرة لمن يخشى(#).

وكان رسول الله صلى الله عليه  وسلم قد دعا – يوم الاربعاء – ليلة الخميس فقال :

((اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام))

فقالا  ابن عمه (وزوج اخته سعيد بن زيد) واخته(فاطمة زوجة سعيد بن زيد): نرجو ان تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ، فكانت.

  وفي هذه الأثناء خرج عمر  بسيفه يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل المسلمين، وهم مجتمعون في “دار الأرقم” عند الصفا ، وهم قريبٌ من أربعين  مابين رجال ونساء ، و كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه حمزةُ ابن عبدالمطلب ، وأبو بكر بن أبي قُحافة الصديق ، وعليّ بن ابي طالب  في رجال من المسلمين الذين لم يهاجروا الى الحبشة رضي الله عنهم[4] .

وأثناء طريقه تقابل عمر بن الخطاب مع ((نُعَيم بن عبدالله)) فقال له نعيم : أين تريد يا عمر ؟؟؟

فقال عمر : أريد محمداً الذي فرَّق قريش وعاب دينَها فأقتله !

فقال نُعَيم : والله لقد غرَّتك نفسُك ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع الى اهلك فَتُقيم أمرهم ؟؟

قال عمر : وأيَّ أهلي؟؟

فقال نُعَيم : خَتَنُك وابن عمَّك سعيد بن زيد ، وأختك فاطمة ، فقد والله أسلما !

فرجع عمر إليهما وعندهما خَبَّاب بن الأرتَّ يقرئهما القرآن، فلما سمعوا حسَّ عمر تغَّيب خبَّاب ، وأخذت فاطمة الصحيفة فألقتها تحت فخذَيها  ، وقد سمع عمر قراءة خباب. فلما دخل قال: ما هذه الهينمة ؟؟

(الهينمة في القاموس: الصوت الخفي، والصوت غير المفهوم)

قالا : ما سمعت شيئا ؟ ماعدا حديثا  نتحدث به بيننا ، فعذلها  وحلف  ألا يخرج حتى تُبين شأنها .

فقال له زوجها سعيد : إنك لا تستطيع أن تجمع الناس على هواك ياعمر، وإن كان الحق سواه !!

فبطش به عمر ، فوطئه وطئا شديدا وهو غضبان ، فقامت إليه أخته تحجزه عن زوجها ، فنفحها  عمر بيده فشجها.

 نعم آمنا .. فاقض ما آنت قاض !!

فلما رأت الدم قالت: هل تسمع يا عمر ؟؟؟

وقالت :  أرأيت كل شئ بلغك عني مما يذكر  من تركي آلهتك وكفري باللات والعزى فهو حق، أشهد ألا إله  إلا الله وحده  لا شريك له وأن محمدا  عبده ورسوله.. فائتمر أمرك، ..  واقض ما أنت قاض!

إنها المواجهة من الجانب الضعيف الذي لا يملك قوة مادية تمكنه من ردع المعتدي الطاغي ، ثم يستمد قوته من قوة الحق الإلهية التي تندفع في قلبه وتسري في عروقه فتمنحه قوة خارقة تقصف وجه الباطل .. إنها الكلمات القاذفة للخوف من قلب الضعيف ، فتثير الرعب في قلب الطاغية :

فاقض ما أنت قاض!! ….إنها الكلمة التي قالها سحرة فرعون عندما آمنوا بالله وكفروا بفرعون.

     ((فاقض ما أنت قاض ، أنما تقضي هذه الحياة الدنيا))

فيقع عمر على الأرض وَتَخِرُ قواه …

 فلما رأى ذلك عمر سقط في يديه، وقال لأخته : أرأيت ماكنت تدرسين أعطيك  موثقا  من الله  لا أمحوها حتى أردها اليك، ولا أريبك فيها .

فلما رأت ذلك اخته ، ورأت حرصه على الكتاب ورجت أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، فقالت : انك نجس ((لا يمسه إلا المطهرون )) ولست آمنك  على ذلك ، فاغتسل  غسلك من الجنابة، واعطني موثقا تطمئن إليه نفسي.

 ففعل عمر ، فدفعت اليه الصحيفة، وكان عمر  يقرأ  الكتاب ، فقرأ ((طه)) حتى اذا بلغ ((إن الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى))…. فأسلم عند ذلك عمر … فكبر خباب وقال : أبشر يا عمر بكرامة الله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا لك أن يعز الله الاسلام بك .

قال عمر :  دلوني على المنزل الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خباب .

وفي رواية ابن اسحاق [5] :

قال عمر لأخته عندما اقتحم عليهما الباب : قد أُخبرتُ أنكما تابعتما محمدا ، وبَطَشَ بخَتَنه سعيد بن زيد ، فقامت إليه اخته لتكفَّه ، فضربها فشجَّها ، فلما فعل ذلك قالت له اخته : قد أسلمنا وآمنَّا  بالله ورسوله ، فاصنع ما شئت !!!.

فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم ، وقال لها : أعطني هذه الصحيفة التي سمعتُكم تقرأون فيها  الآن حتى أنظر الى ما جاء  به محمد .

قالت اخته : إنا نخشاك عليها ، فحلف أنه يُعيدها .

قالت له وقد طمعت في اسلامه : إنك نجسٌ على شركك، ولا يمسها إلا المطهرون، فقام فاغتسل ، فاعطته الصحيفة وقرأها ، وفيه : طه ، وكان كاتبا ، فلما قرأ بعضها قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه !

فلما سمع خباب  خرج اليه وقال : يا عمر إني والله لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه ، فإني سمعتُهُ أمس وهو يقول : اللهم أيِّد الاسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام، فالله الله يا عمر !

عمر في الطريق الى رسول الله ليعلن اسلامه

خرج عمر بن الخطاب بعد أن دَلَّهُ خباب على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ سيفه وجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم ، واصحابه فضرب عليهم الباب.   فقام رجل منهم فنظر من (خلل أي فتحة) الباب ، فرأه متوشحا سيفَهُ ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بذلك.

 فقال حمزة : إئذن له ، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له ، وإن أراد شراً  قتلناه بسيفه .. فأْذن له .

يا عمر ..ما أراك تنتهي حتى يُنزل الله عليك قارعةً!!

 فنهض إليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى لقيه فأخذ بمجامع ردائه ، ثم جذبه جذبة شديدة وقال : ماجاء بك؟ ماأراك  تنتهي حتى يُنزل الله عليك قارعةً.

فقال عمر : يارسول الله .. جئتُ لأومن بالله وبرسوله ، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم تكبيرة  عرف من في البيت أن عمر  أسلم.

وفي رواية :  يقول عمر : فخرجت حتى قرعتُ البابَ ، قيل : من هذا ؟ قلت: ابنُ الخطاب، قال : قد عرفوا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يعلموا بإسلامي. فما اجترأ أحدٌ منهم أن يفتح البابَ. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افتحوا له ، فإن يُرِدِ الله به خيرا يَهْدِه. ففتحوا لي وأخذ رجلان بعضديّ حتى دنوتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : أرسلوه. فأرسلوني، فجلستُ بين يديه ، فأخذ مجمع قميصي فجبذني إليه ، ثم قال: أسلمْ يابنَ الخطاب، اللهم اهدِه.

قال : قلت : أشهدُ أن لا إله إلا الله ، وأنك رسولُ الله . فكبر المسلمون تكبيرةً سُمعت بطرق مكة. قال : وقد كان الرجلُ إذا أسلم استخفى، ثم خرجتُ فكنتُ لا أشاء أن أرى  رجلا إذا أسلم ضُرب إلا رأيته ، قال : فلما رأيت ذلك قلت لا أحبُّ أن يصيبني ما يُصيب المسلمين، قال : فذهبت الى خالي[6] (لعله أراد بخاله أبا جهل) وكان شريفا  فيهم، فطرقتُ الباب، فقال: من هذا ؟ قلت : ابنُ الخطاب، فخرج إلَّي، فقلت له : أشعرتَ أني قد صبأتُ؟ قال : نعم !!! فقلت : نعم !  قال : لا تفعل . قلت : بلى قد فعلتُ. قال : لا تفعل. فأجاف الباب دوني وتركني(أي أغلق الباب في وجهي) .  فلما رأيت ذلك انصرفتُ. فقال لي رجل: أتُحبُ أن يُعلمَ إسلامُك؟ قلت :نعم . قال : فإذا جلسَ الناس في الحجر واجتمعوا أتيتَ فلانا  – رجلا لم يكن يكتم السرَّ –  فاصغَ إليه(يعني أ أخبره بإسلامك بصوت منخفض يشبه الهمس ، فقل له فيما بينك وبينه: إني قد صبأتُ، فإنه سوف يظهر عليك ذلك ويصيح ويعلنه ، فلما اجتمع الناس في الحجر جئتُ الى الرجل ،فدنوت منه فأصغيت اليه فيما بيني وبينه ، فقلت : أعلمتَ أني قد صبأتُ، فقال: أصبأتَ؟؟ قلت : نعم ، فرفع صوته بأعلاه ،فقال : ألا إن ابنَ الخطاب قد صبأ . قال : ما زال الناسُ يضربوني وأضربهم. فقال خالي: ما هذا ؟ قيل : ابن الخطاب، فقام عليَّ في الحجر فأشار  بكمه ، فقال: ألا إني قد أجرتُ ابن اختي. فانكشف الناس عني ، وكنت لا أشاء أن ارى أحدا من المسلمين يُضرب إلا رأيته، وأنا لا أُضرب. فقلت : ما هذا بشئ  حتى يصيبني مثل ما يصيب  المسلمين. قال: فأمهلت حتى إذا جلس الناس في الحجر وصلت الى خالي فقلت: اسمع ، فقال : ما أسمع ؟ قلت: جوارُك عليك رُد، فقال : لاتفعل يا ابن اختي ، قلت: بلى هو ذاك. فقال : ما شئتَ.   ويستكمل عمر: فما زلتُ اضربُ وأُضربُ حتى أعزَّ الله الاسلام [7]

أسرع وسيلة إعلام  استخدمها عمر عند اسلامه :

ذكر عبدالله بن عمر – وهو شاهد عيان – ما حدث من رد فعل قريش حين أسلم عمر بن الخطاب قال: لما أسلم أبي عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل : جميل بن معمر الجُمَحي [8].

قال : فغدا عليه .

قال عبدالله بن عمر : ((فغدوت أتبع أثره وأنظر  ما يفعل وأنا غلام أعقل كل مارأيت، حتى جاءه . فقال له : أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد ؟؟

قال: فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه وأتبعه عمر وأتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ  بأعلى صوته: يامعشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة –  ألا إن عمر قد صبأ  .

ويقول عمر من خلفه : كذب ولكني أسلمتُ، وشهدتُ أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.

 وثاروا إليه، فما برح  يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم ، وطلح [9](أي تعب) ، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم ، فأحلف بالله  أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا ( يعني مكة) [10].

لماذا نُخفي ديننا الحق.. وهم يُظهرون دينهم الباطل؟

فور  أن اسلم عمر قال للنبي : يا رسول الله  علام نخفي ديننا ونحن على الحق ، ويظهرون دينهم وهم على الباطل؟؟

رد النبي صلى الله عليه وسلم : إنا قليل وقد رأيت ما لقينا .

قال عمر : فو الذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه أنادي بالكفر إلا أظهرت  فيه الايمان، ثم خرج فطاف بالبيت ، ثم مر بقريش، وهي تنتظره ، وقد تسامعوا بإسلامه ، فقال ابو جهل : يزعم فلان أنك صبوت!!

فقال : جاهراً  اشهد أن لا إله الا الله وحده لاشريك له وان محمدا عبده ورسوله.

المشركون يريدون أن يصرعوا عمر بن الخطاب!!

فوثب المشركون إليه يريدون أن يصرعوه ، وكان على رأسهم (عتبة بن ربيعة ) الذي كان إلبا على المسلمين ، وكان قد صرع أبا بكر  وضربه ، حتى أثخنه، فكأنه كان طلبه عمر ، فوثب عمر عليه، وصرعه ، وبرك عليه كما يبرك الباغي الراغي وجعل يضربه، وأدخل اصبعه في عينيه ، فجعل عتبة  يصيح فتنحى الناس، فقام عمر عنه، فاشتفى للمسلمين عامة ولأبي بكر خاصة.

عمر :والله لا أترك مجلسا كفرت فيه إلا أظهرت فيه الإيمان

وكان عمر رضي الله تعالى عنه حفيا بألا يَضرب إلا أشراف قريش ليعرفوا حرارة الضربات فصك وجوههم صك الجندل، فما كان في هذه المعركة التي أثارها يدنو منه شريف إلا أخذه بالضرب الشديد حتى أعجز الناس، ثم أتبع المجالس التي كان يجلس فيها ، فيظهر الايمان ، ثم انصرف الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم. قال: ماعليك بأبي وأمي والله  مابقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  ،وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبدالمطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنا ثم انصرف الى دار الارقم ومعه عمر ثم انصرف عمر وحده ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم [11].

فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ عليه حُلّة فقال : ما شأنكم؟ قالوا : صبأ عمر . قال : فَمَه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عديَّ يسلمون لكم صاحبكم هكذا ؟ خلّوا عن الرجل .  وكان الرجل العاص بن وائل السَّهْمي[12] .

(وفي رواية : إذ جاءه العاص بن وائل عليه حلة وقميص مكفف بالحرير،فقال: مالك يابن الخطاب، قال : زعم قومك أنهم سيقتلونني إذا أسلمت ، قال العاص : لاسبيل إليك، فما عدا أن قالها العاص، فأُمنتُ عليه . قال عبدالله بن عمر : فخرج عمر والعاص فإذا الوادي قد سال بالناس ، فقال لهم : أي تُريدون؟ قالوا : هذا الذي قد خالف دين قومه. قال: لاسبيل إليه فارجعوا فرجعوا .[13]

وفي رواية ابن كثير في البداية والنهاية :

دعا رسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب – أو لأبي جهل بن هشام – فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الاربعاء ، فأسلم عمر يوم الخميس ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سُمعت بأعلى مكة ، وخرج أبو الارقم – وهو أعمى كافر – وهو يقول :اللهم اغفر لبني عبيد الارقم فإنه كفر [14] .

 عمر يغيظ أبا جهل ويعلنه بإسلامه :

يروي عمر بن الخطاب : لما أسلمتُ أتيتُ باب أبي جهل بن هشام فضربتُ عليه بابه ، فخرج إليَّ وقال : مرحبا بابن أخي ! ماجاء بك ؟؟

قلتُ : جئتُ لأخبرك أني قد أسلمتُ وآمنتُ محمد صلى الله عليه وسلم ، وصدقتُ ما جاء به . قال : فضرب الباب في وجهي ، وقال : قبَّحك الله .. وقبح ما جئتَ به  [15]!!

بهذا أختم  الحلقة (33) ونلتقي معكم الاسبوع القادم بإذن الله في الحلقة  (34) مع فقه السيرة وظلال النبوة مع ملاحظة  احتفاظي بالمراجع لعدم امكانية نشرها في الجريدة في الوقت الحاضر..

اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة وفقه أعظم نبي ورسول صلى الله عليه وسلم وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة .

             

اخوكم د. محمد أحمد النجار
الجمعة 04 شعبان 1439هـ
الموافق 20 ابريل 2018


[1] الكامل في التاريخ  ج1 تاريخ الانبياء والرسل ص 679، السير والمغازي 181، سيرة بن هشام 1-369نهاية  الإرب 16-36

، سيرة بن كثير 2-32، عيون الاثر 1-121 ، عيون التواريخ 1-75، تاريخ الاسلام 172

[2] السيرة النبوية لابن اسحاق ص220 ,سيرة ابن هشام 1/342 دلائل النبوة للبيهقي(2/221) ، الطبقات الكبرى (3/270) ، والبداية والنهاية (3/99).التاريخ الكبير 6/13 والجرح والتعديل 5/385، وتعجيل المنفعة 261،( نقلا سيرة ابن اسحاق و السيرة النبوية الصحيحة-اكرم العمري ص178).

[3] كان خباب تميميا بالنسب ، كما كان خزاعيا بالولاء لأم أنمار بنت سباع الخزاعي،وكان قد وقع عليه سباء ، فاشترته وأعتقته ، فولاؤه لها . وكان أبوها حليفا لعوف بن عبد عوف بن الحارث ابن زهرة ، فهو زهري بالحلف. وهو ابن الأرت بن جندلة بن عسد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، كان قينا يعمل السيوف في الجاهلية، وقد قيل : إن امه كانت ام سباع الخزاعية ، ولم يلحقه سباء ، ولكنه انتمى الى حلفاء امه بني زهرة وقيل أنه مات بالكوفة  سنة تسع وثلاثين بعد ماشهد صفين مع على والنهروان، وقيل : مات سنة سبع وثلاثين. ذُكر ان عمر بن الخطاب سأله عما لقي في ذات الله ، فكشف ظهره ،فقال عمر: مارأيت كاليوم ! فقال : ياأمير المؤمنين، لقد أوقدت لي نار ، فما أطفأها إلا شحمي. (المصدر : هامش ص 343 سييرة ابن هشام ج1 السيرة النبوية)

[4] سيرة ابن هشام ج 1ص344

[5] ( كتاب : السيرة النبوية لابن اسحاق ص 222)

[6] الى خالي : قال سبطُ بن العجمي : لعله أراد بخاله أبا جهل ، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون أخاه الحارث بن هشام ، ويحتمل أن يكون خالد بان هشام أخا أبي جهل . ويحتمل أن يكون واحدا من بني مخزوم ، لأن أم مر –حنتمة- من بني مخزوم .. نور النبراس لوحة 1/214-هامش ص218 عيون الاثر في فنون المغازي والسير

[7] ابن سيد الناس :عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير – الحافظ ابي الفتح محمد بن سيد الناس اليَعْمْري المتوفي سنة 734هـ (ج1ص217). (وهذه الرواية ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد 9/ 63- 65 وقال : رواه البزار وفيه ضعف ، انظر هامش صفحة رقم 219 من كتاب عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير.).

[8] جميل بن مَعْمَر الجمحي : الذي يُقال له ذو القلبين ، وفيه نزلت الآية  على احد الاقوال((ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه))سورة الاحزاب4 ،وفيه يقول الشاعر : وكيف ثواني بالمدينة  بعد ما قضى   وطرا منها جميلُ بنُ مَعمر؟  كتاب : ابن سيد الناس :عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل  والسير –الحافظ أبي الفتح محمد بن سيد الناس اليَمْرُي المتوفى سنة 734هـ -ج1ص218-219

[9] أعيا ( النهاية لابن الأثير 3/131 نقلا من هامش ص179 كتاب السيرة النبوية الصحيحة –  اكرم العمري)

[10] السيرة النبوية  الصحيحة – اكرم العمري ص179

[11] البداية والنهاية ج 3 ص31 ، المرجع في السيرة النبوية خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم الشيخ ابو زهرة ص333

[12][12] الكامل في التاريخ  ج1 ص681، وسيرة ابن هشام  1-373-376 ، والسير والمغازي 184-185 وتاريخ الاسلام 174-176 وغيرها من الكتب ..

[13] ابن سيد الناس:عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل  والسير – الحافظ أبي الفتح محمد بن سيد الناس اليَمْرُي المتوفى سنة 734هـ -ج1ص220

[14] البداية والنهاية – ابن كثير الجزء 3 ص 31

[15] سيرة ابن هشام 1-376  والكامل في التاريخ ج1/681-682 ، وعيون التواريخ 1-77.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق