الصراط المستقيم

السيرة النبوية (34) مظاهرة إسلامية غيرت التاريخ

 بقلم : الدكتور محمد النجار

      ذكرنا في الحلقة (33)  تزلزلت مكة بإسلام بطلين حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب،وتخرج أول مظاهرة سلمية بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم وجناحيه حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب يتحركون من دار الارقم في صفوف تخترق اماكن الظلم والجبروت في طريقهم الى بيت الله الحرام، فيقهرون الطغاة من أمثال ابي جهل الذين ظهرت الكآبة على وجهوههم والقهر في جباههم.

ونتعرض لتفاصيل المظاهرة وآثارها في الحلقة(34) بالحديث أعرابي عن ثبات عمر :

عن ابن اسحاق :أن أعرابيا من بين الدِّئل قال حين بلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهوره واختلاف الناس به، قال : فما فعل الأصلع  الطوال الأعسر (يعني سأل عن عمر بن الخطاب، مع أي الفريقين؟ ، مع أيِّ الحزبين هو ، فو الله ليملأنها غداً خيراً أو شراً ، يعني عمر بن الخطاب.

وهذا يعني ان الصف الذي فيه عمر بن الخطاب سيتغلب على الفريق الآخر .

يا رسول الله، ألسنا على الحق؟

رأينا عمر بن الخطاب منذ اللحظة الأولى لإسلامه كيف كان إيجابيا .. حريصا على أنه يُظهر دينه علانية مهما كلفه من ألم ومعاناة ، فبعد مضاربته مع مشركي مكة عقب إعلان إسلامه على الملأ ، رجع الى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله : يا رسول الله، ألسنا على الحق؟

انظروا معي : كيف (استخدم صيغة الجمع) ؟

ولن يكون هذا السؤل إلا من شخصية تتمتع بقوة إيمان ثابت وصَلْب ومستعد  للتضحية من اللحظة الأولى في سبيل إظهار هذا الدين الرباني .

 وهذه هي عزة الاسلام التي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا بها الله أن يعز  الاسلام بأحب العمرين إليه ، فكانت من نصيب عمر رضي الله عنه …

ومن مظاهر عزها أن يسأل عمر هذا السؤال !!

ومدلول  هذا التساؤل :

1-    أن عمر استخدم صيغة الجمع في سؤاله مما يدل على رؤيته للنبي كقائد رباني حوله جنود ربانيون يأتمرون بأمره الذي يتنزل عليه من السماء ..

2-    حَسِبَ عمر نفسه من لحظة اسلامه الأولى أنه واحد من هؤلاء الجنود بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم.

3-    بدأ يفكر كجندي في جيش الاسلام : كيف يخدم هذا الدين ؟وما هو الأصلح للدعوة إليه ؟.

4-    شعوره بالحرية الانسانية التي منحها الاسلام لأتباعه ، ومن واقع حبه لله ورسوله ودينه بدأ يسأل  النبي صلى الله عليه وسلم ويقترح عليه الاقتراحات ، بعكس مانراه في كل أو بعض الجيوش الذي لا يكون فيها الجندي سوى عبدا  لقائده ،وتابعا له كالأعمى ، فلا يفكر ولا يقترح ولا يكون همه سوى إرضاء قائده المستبد.

ونعود للسؤال :يا رسول الله، ألسنا على الحق؟

ويجيبه النبي صلى الله عليه وسلم :  “بلى ” .

قال عمر : ففيمَ  الاختفاء ؟

ولعل هذا السؤال من عمر  يستثير في النفس تساؤل : هل النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر عمر بن الخطاب حتى يحضه على الخروج جهرا بالمسلمين دون خوف ؟ وأين قوة الله التي يستند إليها  النبي دون قوة البشر ؟

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم عاجزا عن الدعاء لله ان يظهر دينه بدون أي جهد أو تضحية من الصحابة رضوان الله عليهم ، لكن الله أراد تنفيذ مشيئته عن طريق رجال يحبون الله ويحبهم الله ، ويكونوا قدوة صالحة لمن يأتي من الاجيال التالية ، ويستطيعون القيام بالمهام الصعبة التي تحتاج الى جهود وتضحيات الرجال مثل أبي بكر وعمر وحمزة وغيرهم  إلى يوم الدين، وحتى لا يُقال ان المهام الصعبة لا يقوم بها سوى الانبياء الذين يقومون بالمعجزات ..

لقد قام عمر بن الخطاب بفتوحات ضخمة اتسعت في عهده ما لم تتسع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هي المهمة التي يتم الاعداد لها  لأجيال أبناء أمة محمد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وتقوم على اكتافهم هداية البشرية وقيادة الحضارة العالمية .

نعود للسؤال :

يا رسول الله ، ألسنا على الحق، إن متنا أو حيينا؟

وللإجابة على السؤال من خلال المتغيرات التي اصبحت امام  النبي صلى الله عليه وسلم وموازين القوة التي قد تغيرت ، بما يجعل النبي يفكر في تخطيطه  الجديد وتعديله لاستراتيجية المرحلة التي أعقبت اسلام البطلين حمزة وعمر ..

استراتيجية جديدة للنبي بعد اسلام حمزة وعمر :

في المرحلة السابق كان المسلمون يتعرضون للأذى ولا يستطيعون الدفاع عن انفسهم ، وهاجر بسببها عدد كبير من المسلمين الى  الحبشة ، فكانت استراتيجية النبي في تلك المرحلة هي استراتيجية الدفاع والاختفاء وعدم إظهار المسلمين الصلاة علنا في مكة ، بل والتقاءه سرا بأصحابه في بيت الارقم بن أبي الارقم لتعليمهم أمور دينهم .

فلما أسلم البطلان  حمزة بن عبدالمطلب وبعده بثلاثة أيام اسلم عمر بن الخطاب ، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يراجع حساباته من جديد، فقد تغيرت الظروف , وأصبح للإسلام قوة جديدة في مقدورها دفع الأذى عن المسلمين وينتقلون الى مرحلة جديدة من الدعوة هي مرحلة الإعلان عن الدعوة والخروج بها الى  مكة والصلاة في بيت الله  جهاراً نهاراُ.  

فَفِيمَ الاخْتِفَاءُ ؟

قال عمر بن الخطاب يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا ؟

فرد  النبي : ” بَلَى ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ “!!

قَالَ : عمر: فَفِيمَ الاخْتِفَاءُ ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ .

أول مظاهرة تُزَلْزِلُ مكة بقيادة النبي محمد

 يوافق النبي صلى الله عليه وسلم على رأي عمر بن الخطاب ، ويصدر أوامره  بالخروج في صفين ، فيخرج المسلمون من دار الأرقم  فِي صَفَّيْنِ ، حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا ، وعمر بن الخطاب  فِي الصف الآخَرِ . لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ ، حَتَّى دَخَلا الْمَسْجِدَ .

الكآبة تعلو وجوه الطغاة والجبابرة

كانت هذه أول مظاهرة ضخمة في تاريخ الاسلام والمسلمين ، وكانت بقيادة رسول  الله صلى الله عليه وسلم لإظهار قوة المسلمين وعددهم وقوة ايمانهم وثبات موقفهم على دين الله رغم كل ما وجدوه  في مكة  من أذى وتعذيب وفتنة وقتل.

خرجت المظاهرة من بيت الارقم ابن ابي الارقم منطلقة في شوارع مكة، ونراها تمر على اندية قريش وطغاتها وجبابرتها  حتى وصلت الى بيت الله الحرام بعد ما كانوا لا يستطيعون مجرد الظهور في مكة، ونراهم داخل بيت الله يؤدون الصلاة ويطوفون حول الكعبة  .. وما أجمله من مشهد تبكي له العيون وتفرح به قلوب المؤمنين .

وما أقسى ذلك الموقف على كفار قريش وهم ينظرون الى استعلاء المؤمنين بالله

انه الموقف المهيب الذي يُقهر فيه الطغاة والظلمة والمستبدين الذين كم قهروا  من الضعفاء؟، وكم عذبوا  المساكين؟ وكم قتلوا من الرجال والنساء المؤمنين ..؟؟

انه الموقف المهيب الذي يفرح به المؤمنون ، وتشرأب له أعناق الاحرار الصادقين ..

طابور منظم في شكله وهيئته  خرج من بيت الارقم بن ابي الارقم يسير في اتجاه بيت الله الحرام رافعين شعار التوحيد الذي اهتزت له مكة والعرب  ، ثم تزلزت به عروش الطغاة في الشمال والجنوب وفي كل اتجاه…

ويستطرد عمر بن الخطاب قائلا في هذا المشهد التاريخي الذي رأته قريش وأذهل طواغيتها وجبابرتها الذين كانوا يحتقرون المسلمين ويعذبونهم ، وجاءت اللحظة الحاسمة من الله ، فانقلب المشهد من ذل المسلمين الى عز ، ومن ضعف الى قوة ، ومن خوف الى اطمئنان ، ومن استخفاء الى الاعلان ..

وانقلت النقيض على الطغاة من عز  الى ذل ، ومن قوة الى ضعف ..

إنها سنة الله في عباده .. ولن تجد لسنة الله تبديلا

العز والتمكين للمؤمنين ،، والذل والهوان للطغاة والجبابرة وأعوانهم

   ويصف عمر هذا  المشهد التاريخي فيقول :

فَنَظَرَتْ قُرَيْش الى المسلمين.  وقد َأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا .

نعم اصابتهم كآبة فشل جهودهم لرد المؤمنين عن دينهم ، وقد بذلوا في ذلك كل انواع العذاب ، ووجدوا مقابل ذلك ثبات ليس له نظير ، فقد سيطر الايمان الحقيقي على قلوبهم ، و اصبح حبهم لربهم ودينهم ورسوله يسري في عروقهم ، فلا تردهم مايجدونه من التعذيب والأهات  ، ولا يبيعوا دينهم بالدراهم والاغراءات ، وانما الايمان الحقيقي الذين يضحون من اجله بأرواحهم ابتغاء وجه ربهم والفوز بالجنات..

الفاروق ..لماذا سُمي ولُقِبَ بها عمر  ؟

يروي ابن اسحاق بسنده عن عمر ابن الخطاب  :

قال : يا رسول الله ، ألسنا على الحق، إن متنا أو حيينا؟

قال : بلى. فقلت ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك على الحق لنخرجن ، فخرجنا صفين : أنا في أحدهما ، وحمزة  في الآخر حتى دخلنا المسجد…

فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم “الفاروق”يومئذ   . 

وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها : مَنْ سمى عمر الفاروق ؟

قالت : النبي ، عليه السلام   .

نتائج أول مظاهرة مُسلمة بقيادة النبي محمد :

  1. كانت أولى نتائج تلك المظاهرة ظهور المسلمين علنا يطوفون شوارع مكة بعد ان كانوا يخافون ان تتخطفهم الطير من شدة مالاقوه من اذى وتعذيب وسحل وتقتيل من طواغيت مكة.
  2. دخول المسلمين أول مرة بيت الله الحرام في قوة ومنعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قائديه حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب.
  3. تمكن المسلمين من الصلاة في بيت الله الحرام علانية بعد ان كانوا لا يستطيعون اظهار صلاتهم في أي مكان في مكة ..

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : “ماكنا نقدر أن نصلى عند الكعبة  حتى أسلم عمر   “

  1. بداية استشعار المسلمين بقوتهم وامكانية الرد على من يحاول امتهان كرامتهم.

وعن صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه ، قال :

 ” لما أسلم عمر ظهر الاسلام ، ودُعِيَ إليه علانية ، وجلسنا حول البيت حِلقا  ، وطفنا بالبيت ، وانتصفنا ممن غلظ علينا ، ورددنا عليه بعض ما يأتي به   ”  .

وعن ابن مسعود قال :  “مازلنا أعزة  منذ أسلم عمر   “

  1. خسران قريش أحد ابنائها الاشداء والذي كان العدو اللدود للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم بل خرج ليقتله ، فهداه الله واصبح جنديا  من جنوده وتحت قيادته صلى الله عليه وسلم .
  2. ظهور الكآبة التي اصابت قريش وجبابرتها وطواغيتها كما وصفها عمر بن الخطاب قائلا :

فَنَظَرَتْ قريشٌ إليَّ وإلى حمزة.. فأصابتهم كآبة شديدة .

وهذا هدف عظيم ينبغي ان يحرص عليه المسلمون وهو اظهار قوتهم وارهاب اعدائهم بهذه القوة ولا يستهين العدو  بأمتهم ، بل يعملون ألف حساب لهذه الأمة .

وما هانت هذه الامة على اعدائها إلا بسبب عدم اعتداد القادة  بشعوبهم وإهمال حقوقهم ، وكبت حريتهم ، والتسلط على علماءهم ، والحكم بشريعة أعدائهم وليس بشريعتهم.. ففقدوا كرامتهم ، وانكسروا  امام اعدائهم  بعد أن خضعوا  لسلطانهم في سبيل كراسي الحكم .. وما أحقر كرسي الحكم إذا جاء بالذل وامتهان الكرامة والخضوع لشروط اعداء الامة.. فتعسا لهذا الكرسي الذي يكسوه الذل ، وتعسا لهذا المنصب الذي يغطيه الفساد والافساد والعبودية لأصحاب المراكز والمصالح.

  1. انتقال قريش من مرحلة الاستعلاء والقوة والبطش بالنبي صلى الله عليه وسلم الى مرحلة المفاوضات السلمية .. ، فبعد اسلام هذين البطلين الجليلين – حمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب  رضي الله عنهما ، وخروج النبي واصحابه والظهور  العلني بهذه القوة ، اخذت سحائب الغمة ان تنقشع ، وأفاق المشركون  عن سكرتهم ، و مساومة النبي صلى الله عليه وسلم بإغداق كل ماهو ممكن أن يكون مطلوبا له .

 

هل التظاهرات مشروعة في الاسلام ؟

بتسليط الضوء على خروج أول مظاهرة سلمية في الاسلام بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم و صاحبيه رضي الله عنهما يمكن ان نتبين الاحكام التالية :

  1. كان خروج أول مظاهرة في الاسلام وربما في تاريخ البشرية بموافقة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن اقتراح عمر بن الخطاب بخروج النبي والمسلمين معه سوى مجرد حماسة من قلب عمر المفعم بالإيمان ،و لولا رضا وموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الاقتراح ما كانت تلك المظاهرة قد خرجت ،  وهذه الموافقة من النبي موافقة   على الخروج تعطي المشروعية للتظاهر لصالح الامة .
  2. جاء التشريع الإسلامي بكثير من الشعائر التي تظهر عزة الإسلام والدعوة إليه،مثل صلاة الجماعة وصلاة الجمعة وصلاة العيدين، وكان النبي  صلى الله عليه وسلم  يأمر النساء الحيّض وذوات الخدور أن يخرجن الى مُصَلَّى: «ليشهدن الخير، ودعوة المسلمين»  رواه أبو داود وصححه الألباني.
  3. إن اقامة العروض العسكرية التي تقيمها كافة جيوش العالم هدفها الاساسي عرض قوة الدول وإرهاب اعداءها ، فإذا كانت العروض العسكرية مشروعة  لإشاعة الرهبة والخوف في قلوب أعداء  الأمة ، فإن التظاهرة السلمية أولى بالشرعية لأنها  قوة مدنية لاتملك سوى حناجرها ولافتاتها ولا تملك سلاحا تهدد به احدا ؟؟
  4. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره ، قال النبي : اطرح متاعك على الطريق ! فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لقيت من الناس، قال: وما لقيت منهم قال يلعنونني !!

فقال له النبي: قد لعنك الله قبل الناس !! فقال :  إني لا أعود فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارفع متاعك فقد كُفيت.

 وفي رواية  البزار بإسناد حسن بنحو إلا أنه قال: “ضع متاعك على الطريق أو على ظهر الطريق” فوضعه، فكان كل من مر به قال: “ما شأنك؟”، قال جاري يؤذيني فيدعو عليه فجاء جاره فقال: “رد متاعك فلا أؤذيك أبدا”.

    و”روى” أبو داود واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه على شرط مسلم: (جاء رجل يشكو جاره فقال له: «اذهب فاصبر»، فأتاه مرتين أو ثلاثا، فقال اذهب فاطرح متاعك في الطريق ففعل، فجعل الناس يمرون ويسألونه ويخبرهم خبر جاره فجعلوا يلعنونه فعل الله به وفعل، وبعضهم يدعو عليه فجاء إليه جاره فقال: “ارجع فإنك لن ترى مني شيئا تكرهه” (كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر باب الصلح، الكبيرة العاشرة بعد المائتين : ايذاء الجار ولو ذميا. 

  1. تنظر الدول الغربية وامريكا الى المظاهرات أو التظاهر  باعتباره  في عصرنا الحديث  أداة قياس الرأي العام عند الأمم ، ولا يمكن معرفة رأي أمة كان حكامها كاذبين، أو وسائل إعلامها تسيطر عليها الدولة والاحزاب الموالية للحكم  ، فتكون التظاهرات مقياس لمدى ثقة الشعوب في حكامهم من عدمه. وهذه حقيقة يعلمها الغرب على يقين ولا يثق في حكام دول العالم الثالث المتخلف الذي يكبحون شعوبهم ويسجنون علماءهم واصحاب الرأي ، ولا ترتفع عندهم سوى ابواق الدجل والجهل والخيانة.
  2. تظهر الاحداث الضخمة في السنوات الاخيرة صحة الحكمة القائلة بأن ((الاعلام والضجيج … نصف الحرب)) ، ويملك أعداء الأمة وسائل إعلام رهيبة تقوم مقام الجيوش بأسلحتها .

 ولا تخفى خطورة الاعلام في العصر الحديث، الذي تراقبه اجهزة الاستخبارات الامريكية والغربية  ، وقد يخفي  الإعلام الأمريكي خبر المظاهرات التي تحدث في العالم الاسلامي ، وإن ذكرتها تقلّل جدا من شأنها ، لأنهم تؤثر  في نفوس اصحاب القرارات تأثيرا مروعا للبغاة، ، وهي حقيقة قد تؤدي الى تجاوب الشعوب معها، ويخشون تأثيرها على المدي القريب والبعيد .

  1. أظهرت وسائل الاعلام مدى جدوى وتأثير المظاهرات الكبرى في رفع كثير من معاناة  الشعوب، فقد رأيناها في جنوب إفريقيا وكانت سببا مباشرا في نيلهما الحرية ، وفي أندونيسيا  عندما استبعد المتظاهرون سوهارتوا ونظامه الفاسد، وفي  يوغسلافيا  ضد الطاغية سلوبودان ميلسوفتش، ، ورأيناها كيف كانت السبب في تحرير الشعوب من الاستعمار مثل  الهند وإلفلبين و سوريا ومصر وشمال افريقيا وإيران والعراق ..فكانت المظاهرات وسائل لتحرير الشعوب ونيل استقلالها .
  2. لا يجوز منع التظاهرات بحجة امكانية البعض على الجنوح بها في تخريب الممتلكات الخاصة والعامة ،والحل يكمن في  محاكمة المخربين سواء كانوا من النظام نفسه أو من الجماهير بشرط ان تكون المحاكمات امام  محاكم مدنية وعلنية وبشفافية حتى يتضح للجماهير اخطاء المخربين بشكل يضمن ثقة الجماهير في الحاكم والمحاكمات ، ويضمن في الوقت نفسه استمرار نظام التظاهر وكشف أي انحراف أو اعوجاج من السلطة وموظفيها بكافة مستوياتها دون أي استثناءات بما يضمن  الاصلاح والقضاء على المفسدين ..

ونخلص من تلك الشواهد ، أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم تظاهر سلميا مع اصحابه .

كما أن التظاهر في العصر الحديث  كان له دور فعال في تحرير الشعوب من الاستعمار ، وتحرير الاوطان من عسكر المستعمرين وعودة اراضيهم من المحتل الغاشم.

و هذا مؤداه أن التظاهر والمظاهرات امر مشروع لايجوز منعه او تحريمه على الشعوب وانما يتم وضع الضوابط المعقولة التي تضمن فعالية المظاهرات وتحقيق اهدافها .

 إن الأصل في الوسائل التي تحقق مصالح الشعوب وتحرير الانسان من عبودية الحكام والطغاة والمستبدين والمستعمرين  مباحة ، ولا يجوز منعها او فرض رقابة مشددة عليها بغرض قتل نشاطها وتمنع استخدامها،  وهذا لن يكون في مصلحة الحكام  أو المحكومين ، بل إن الحرية هي التي تحمي الشعوب وتحرر الحكام من المنافقين والمفسدين المحسوبين عليها والذين ينخرون في هيكلها بما يحفز الشعوب في الثورة ضد الحكام واضطراب المجتمع .

إن الحاكم العاقل ..العادل ..الحكيم هو الذي يمنح شعبه الثقة والحرية في التعبير والتفكير، فيتم اكتشاف الاخطاء سواء كانت عفوية او مقصودة ، ويقيم  المحاكمات العادلة للفاسدين والمفسدين ، ويمنح الثقة لكل الصالحين بما يضمن له اقامة العدل والشفافية ، و المساواة في الحقوق والواجبات والمكتسبات لكل افراد شعبه  في حالة الرخاء أو حالة الشدة،  فيسود الحب والوئام  بين الشعب وحاكمه ، وبين الشعب بكل فئاته دون نزاعات او  أحقاد.. وحينئذ يجني الجميع ثمرة الحرية والعدل والمساوة ..

بهذا أختم  الحلقة (34) ونلتقي معكم الاسبوع القادم بإذن الله في الحلقة  (35) مع فقه السيرة وظلال النبوة مع ملاحظة  احتفاظي بالمراجع لعدم امكانية نشرها في الجريدة في الوقت الحاضر..

اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة وفقه أعظم نبي ورسول صلى الله عليه وسلم وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة .

د. محمد أحمد النجار
الجمعة 18 شعبان 1439هـ
الموافق 4 مايو 2018
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق