الصراط المستقيم

السيرة النبوية (36) المقابل الذي تريده قريش من النبي

 بقلم / الدكتور محمد النجار

ذكرنا في الحلقة (35) اسلام عمر بن الخطاب وخروجه مع أسد الله حمزة  في اول مظاهرة سلمية في الاسلام بقيادة النبي ، وكان هذه  أول مرة يخرج فيها  المسلمون الى بيت الله الحرام علنا ، وكان هذا فتح من الله للمسلمين.

وقد أحدثت هذه المظاهرة الضخمة صدمة عنيفة في  قريش حيث أفاق المشركون على حوادث ضخمة وقعت خلال شهر أو اقل ، وطاحت بأفكار المشركين وشتت عقولهم :

  1. إسلام البطل العظيم  (حمزة بن عبدالمطلب) رضي الله عنه .

  2. وإسلام البطل العظيم (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه .

  3. فشل مفاوضات قريش مع النبي ومحاولة إقناعه التراجع عن دعوته .

  4. التفاف بنو عبدالمطلب وبنو هاشم جميعا مسلمهم وكافرهم للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وربما انتهت مرحلة تعذيب قريش للمؤمنين بالشكل الذين كانوا اعتادوا  عليه خاصة وقد انكسر حاجز الخوف لدى ضعاف المؤمنين الذين كانوا يتعرضون دائما للأذى الوحشي من قريش .

فكان الموقف يتراءى لبعض حكماء قريش  بأن تتم محاولة التفاوض مع محمد صلى الله عليه وسلم لكف الدماء وتنقية اجواء الاحتقان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وذوي قرابتهم ، فكان ذلك الموقف من (((عتبة بن ربيعة ))) للتشاور مع قريش في التفاوض مع النبي مباشرة .

مبادرة   عتبة بن ربيعة  للتفاوض مع النبي:

قال ابن اسحاق:

كان عتبة بن ربيعة سيدا ، قال يوما وهو في نادي قريش ،ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده، قال  : يامعشر قريش ألا أقوم الى محمد فأكلمه وأعرض  عليه اموراً لعله يقبل بعضها ، فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ و وكان ذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ، ورأوا أصحاب رسول الله يكثرون ويزيدون!

فقالوا : بلى ، يا أبا الوليد قم إليه ، فَكَلِّمْه.

فقام اليه عتبة بن ربيعة حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي ، انك منا حيث قد علمت من السطة   في العشيرة ، والمكان في النسب ،وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به  آلهتهم  ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا  تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع .

قال عتبة بن ربيعة : يا ابن اخي ، إن كنت تريد بما جئت به من هذا  الأمر  مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا  ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لانقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوي منه – او كما قال له – حتى اذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع  منه .

وفي رواية أن عتبة لما أتاه قال له: يا محمد أنت خيرٌ أم عبد الله (يقصد أباه)؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: أنت خير أم عبد عبد المطلب (أي جده) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة  قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أيَّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. وإن كنت إنما بك الرياسة، عقدنا ألويتنا لك فكنت رأساً ما بقيت.

فقال النبي : أو قد فرغت ياأبا الوليد ؟؟

قال عتبة : نعم .

قال النبي : فاسمع مني فقال عتبة : أفعل .

فقال النبي : بسم الله الرحمن الرحيم (((حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ… (6) سورة فصلت .

فلما سمعها عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما  يسمع منه ، ثم انتهى النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل الى السجدة فسجد النبي ، ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ماسمعت ، فأنت وذاك.

بماذا عاد عتبة بن ربيعة الى قومه ؟

فقام عتبة الى اصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك ياأبا الوليد ؟؟

قال عتبة بن ربيعة : ورأيي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما  هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة .  يامعشر قريش أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ماهو فيه فاعتزلوه ، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم اسعد الناس به .

قالوا : سحرك والله  ياأبا الوليد بلسانه .

قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم   .

وفي رواية اخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم الى قوله تعالى :

((فإن أعرضوا فقد أنذرتُكم  صاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ))

فقام عتبة بن ربيعة مذعورا  ، فوضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول :  أنشدك الله والرحم ! وذلك مخافة أن يقع النذير ، وقال الى القوم  فقال ماقال   .

ولم يكن تفاوض عتبة بن ربيعة هو التفاوض الوحيد بل كانت هناك مفاوضات عن طريق اخرين مثل الوليد بن المغيرة وغيره وموقف النبي صلى الله عليه ثابت لم يتغير.

وتبين تلك المفاوضات مدى ما أصاب المشركين من فشل أمام عدم تنازل النبي الكلي عن الاسلام وعندما  لم تفلح تهديدات قريش  مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يفلح التفاوض معه ،  واستمراره في دعوته ووقوف عمه أبوطالب معه يؤازره ويحميه ، وصل عجز قريش الى عجزهم عن أيقاف نشر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم .    فاشتد غضب قريش وقرروا  قتل النبي صلى الله عليه ، ولا يبالون أبا طالب وبني هاشم معه .

ماهو المقابل الذي تطلبه قريش من اعطاء النبي المال والمُلْك والجاه ؟

يتبين من الحوار  أن عتبة كان يتحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم  باسم قريش، ويعرض عليه إعطاءه المُلك والمال والجاه في مقابل  أن يتوقف  النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة الى دين الله وتوحيده.يقولون له  : أنت اترك التأثير على الناس، ونحن مستعدون أن نعطيك المال والملك والجاه!

والسؤال :

هل كانت دعوة  محمد صلى الله عليه وسلم تمثل خطر  على قريش لهذه الدرجة التي يتنازلون له عن ملكهم واموالهم وجاههم ؟؟؟

الجواب :

نعم ..  قريش تعلم أنه لو عرف الناس هذا الدين ، و لو صلح أمر الناس باعتناقهم له،  لأدركوا  تلقائيا  وعرفوا حقيقة وضع حكومة قريش ، وأنها حكومة غير شرعية، وتخالف الإسلام، فتسقط تلك الحكومة تلقائياً ، ويزول مُلك هؤلاء الحكام الطغاة والجبابرة . لذا  ليس أمامهم  من  حيلة إلا بأن يتوقف محمد عن الدعوة، ويتوقف عن تبليغ الناس بهذا الدين .

إنها الدعوة المضادة التي لا تلتقي ولا تتوافق مع دين الله .. محمد يدعو الناس الى دين الله وتوحيده ، وقريش تدعو محمد للتوقف عن دعوته حتى لا يتبعه الناس ويزيلون عرش الطغاة .

يظن طغاة قريش (وأمثالهم الى يوم الدين) بأن الدعوة تُشترى بالمال، أو بالنساء أو بالجاه، أو حتى بالملك، ولم  تعلم  قريش بأن الدين لا يمكن المساومة  عليه حتى  لو كلف صاحبه دمه وحياته كلها .

إن أصحاب الرسالات الألهية  يعلمون حقيقة الحياة وماتصر اليها ، فلو  مُنع ضوء الشمس عن الأرض أيام قليلة، لتعفنت  الأرض . كما أن  نور الوحي، لو حُجب عن الناس، لتعفن الناس بسبب قاذوراتهم وشهواتهم  وذنوبهم ومعاصيهم، إن الهواء يتعفن بسبب ذنوب الناس، ولا مطهر ولا حيلة لتنقية المجتمع إلا بأن يترك بين الدعاة وبين الناس.

عودة عتبة بن ربيعة ينصح قومه بنبوة محمد والكف عنه:

هزت آيات القرآن الكريم التي سمعها  قلب عتبة بن ربية  ،  وتأكد وتحقق من أن محمداً رسول الله إلى الناس،  وكان أمينا  مع قومه ، ورأى من واجبه أن ينصح قومه  نصيحة يتجنبون بها  سفك الدماء ، وكسب  الشرف إن انتشر دين محمد وعلا شأنه  بين العرب ، فيصبح  عزه عزا لهم وملكه ملكا لهم ، فنصح قومه بالكف عن محمد وإفساح المجال له ليدعو من يشاء وكيف يشاء،فإن قتلوه يكون قد كُفي قومه شره،.

لقد أدرك عتبة بن ربيعة بحكمته رغم كفره أن محمدا  مُرسل من الله ، وان الدين الذي جاء به هو دين الله الذي ينبغي على قريش أن تتبعه فتفوز  بشرف هذا الدين ويعلو شأنها على كل العرب .

كما أدرك  أنه لا يمكن لقريش  الوقوف في وجه هذه الدعوة، وأن  الأسلم لها عدم معاداة هذه الدعوة مهما أوتيت من قوة فإنها لن تتمكن من ان تمنع دين الله من الانتشار.

 هل استفادت قريش من نصيحة مفاوضهم عتبة بن ربيعة؟

لقد اخلص عتبة بن ربيعة لقومه وقدم لهم النصيحة بالكف عن محمد وإفساح المجال له ليدعو من يشاء وكيف يشاء،فإن قتلوه يكون قد كُفي قومه شره،.وإن ظهر  على العرب ، سينالون هذا الشرف.

فهل استجابت قريش للنصيحة؟ إن الطغاة يصيبهم العمى عندما  يتم نصحهم ، فلا يرون سوى  عروشهم ولا ينظرون إلا باستعلاءهم وبطشهم ، فيغريهم ماتحت ايديهم من وسائل القوة والبطش ، ولا يفيقون سوى على أمواج الطوفان التي تقتلع عروشهم وتسحق قوتهم وتذل كرامتهم وتدنس شرفهم ،

وكعادة الطغاة ، لم  تستجب قريش لنداء عقل وحكمة مفاوضهم عتبة بن ربيعة ، كما أخفقت كل  الإغراءات في كف محمد صلى الله عليه وسلم في ترك دعوته ،فأدرك طغاة  قريش استحالة قبول النبي صلى الله عليه وسلم لترك دعوته ،   ولم تر  سوى أن تعود لما كانت عليه فتصب جام غضبها على أتباعه من  عباد الله المؤمنين، وبذل كل ما في وسعهم للتنكيل بهم لفتنتهم عن دينهم، أو القضاء عليهم والتخلص منهم .

 وهذه سنة الله في كل الدعوات، الفتنة والابتلاء والدماء والاشلاء في سبيل الدعوة الى الله وتحكيم شريعته.

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (#) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) سورة العنكبوت 

الدروس  المستفادة من المفاوضات مع النبي

  1. الدرس الرئيسي الذي يجب ان يتعلمه كل مسلم سواء كان داعيا أو مدعوا   أو حاكما او محكوما .. درس للجميع بأنه لا مفاوضات للتنازل عن الاسلام  ولو بقيد انملة ، ولا تنازل عن الاسلام حتى لو كان تنازلا يسيرا ، فالإسلام دعوة ربانية غير قابلة للمساومة تحت أي مسمى أو تحت أي دوافع واسباب ، وعلى الدعاة والحكام عدم الخضوع للاغراءات المادية بشكل مباشر او غير مباشر ، ولا تنازل مقابل وعود بصفقات مالية او عقود تجارية أو تحت مايسمى بتبادل المعلومات ، وكثير من المؤسسات المشبوهة تقدم عروضا مغرية ماليا ومعنويا واعلاميا  تهدف الى الاساءة لدين الله والتنازل عن بعض اساسيات الاسلام ، والويل من الله لكل من يساهم في تقديم أي تنازل .
  2. أدب الانصات :

والانصات ادب وفن . وهذا درس عظيم نتعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم في الانصات لعتبة بن ربيعة رغم انه مشرك وانتظاره حتى أفرغ كل ماعنده من عرض وبيان رغم عدم موافقة النبي على كل ماجاء بالبيان اثناء القاءه ولم يقاطعه لحظة واحدة  ،  بل بلغ من أدبه صلى الله عليه وسلم أن قال له : أفرغت يا أبا الوليد ؟؟ فقال : نعم .

  1. لم يخض النبي صلى الله عليه وسلم في الرد على تفصيلات العرض ، ولم يدخل في معركة جانبية في مغريات العرض،وانما اختصر في الرد بما جاء به من ربه حتى لايتوه الهدف وتضيع الفكرة الاساسية المتمثلة فيما جاء به من رسالة ربه.
  2. خطورة الاغراءات التي عرضها عتبة بن ربيعة والتي كانت تتمثل في :

1)    اغراءات المال وبريقه والتي يسقط امامها كثير من المسئولين ويبيعون دينهم واوطانهم ومقدساتهم ، والانتباه  لهذه الاغراءات التي تعرض على الدعاء للكف عن دعوتهم .

2)    اغراءات الجاه والسلطة وهي اغراءات شديدة غالبا ما وقع فيها  مااصبحوا حُكاما وسلاطينا قمعوا شعوبهم ودمروا  بلادهم وفرطوا في مقدساتهم للحفاظ على كراسيهم وسلطانهم ، أما الداعية المسلم يكون هدفه دائما واضحا “قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين” سورة الانعام 162- 163

3)    اغراءات النساء والتي قال عنها النبي صلى الله عليهوسلم “ماتركتُ فتنةً أضرَّ من النساء على الرجال ” ، وقد تتمثل النساء في زوجة لا تعين زوجها على الدعوة والجهاد بل تثبطه وتضع امامه العراقيل ولا تدفعه لنصرة الاسلام والمسلمين وقضاياهم . وقد تتمثل المرأة في صورة الفاجرات اللاتي يتسلطن على  الداعية  ويفتحن له باب الرذيلة والإثم وارتياد اماكن الفواحش والفسوق . وحقا انها فتنة خطيرة منذ بدء الخليقة .

وهاهي قريش تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه أجمل عشر نساءها لتزويجه اياهن .

إن خطر المرأة حين لاتستقيم على منهج الله أشد من خطر السيف المُصلت على الرقاب  .. وعلى ضعفها  فهي تستمد قوتها من إغرائها ، وكما قال النبي صلىالله عليه وسلم :

((مارأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذي لب منكن)).

فعلى نقص تفكيرها تملك القدرة على سلب ذي العقل الحصيف عقله وتجره في حبائلها حتى تورده  موارد التهلكة ابتداء من صرفه عن الدعوة خوفا عليه وعليها  ولى رزقه وقوته ، وانتهاء بجره الى مستنقع الرذيلة حتى يستجيب لشهوته ونزوته ، ولا يغيب عن ذهننا أبدا  قول يوسف عليه الصلاة والسلام :

((قال رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه , وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهم وأكن من الجاهلين ، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ، انه هو السميع العليم))سورة يوسف33-34.

4)    مدى تأثر  عتبة بن ربيعة بجواب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن اصحابه من المشركين رأوا ذلك في وجهه   عندما عاد اليهم  وقبل ان يتكلم ، فقالوا  : لقد عاد بوجه غير الوجه الذي ذهب به  ، و بعد ان كان ذاهبا لمفاوضة النبي على التخلي عن دعوته في مقابل تعطيه قريش له ، فتغيرت نيته وتوجهاته الى قريش يعرض على قريش نفسها ان تتخلى عن المواجهة مع محمد (صلى الله عليه وسلم).

5)    ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على المبدأ ورفض كافة المغريات .

6)    رحابة الصدر واعطاء الطرف الاخر المعُارض  حرية الحديث والتعبير عن اراءه  واقتراحاته دون سباب أو قطع الحديث أو التشويش عليه حتى وهو يسئ للنبي بكلماته مثل “ما رأينا سَخْلَةً قطُّ أشأمُ على قومك منك”  ، وهذا درس لصحابة النبي الذين كانوا يستمعون للحوار  .

الدروس المستفادة من حكمة الانصات للآخرين :

  1. يتم التنبؤ  بالأحداث الجارية حول الانسان عن طريق حسن الاستماع  للأخرين ، فالحياة ذاخرة بكثير من  الأحداث العامة والخاصة ،  ولا يستطيع الانسان الاحاطة بما يجري حوله دون كسب الثقة وحسن الاستماع والاصغاء للآخرين .
  2. التأثير في قلوب الآخرين:

وهذه ميزة  يجب ان يحرص عليها الدعاة  ، ولن تتحقق هذه الميزة دون حسن الإصغاء والاستماع للآخرين عما  يدور في اذهانهم وخواطرهم.

  1. حسن الاصغاء يؤثر بشكل ايجابي في امتصاص غضب الاخرين ، لأن أول استجابة للانفعال تكون عن طريق الأذن، فعندما نصغي للشخص الغاضب، نستطيع بسهولة معرفة سبب  غضبه، وبالتعاطف والتعامل مع الجانب الذي أغضبه ، نستطيع امتصاص غضبه وتنفيس انفعاله  وتهدئته والعودة الى تعقله ورشده .
  2. الاستماع للآخرين يمنح الانسان مكانة عندهم ، حيث يشعرون باحترامه لهم والاهتمام لحديثهم ورأيهم وأمالهم وآلامهم  ، فينال المكانة الطيبة لديهم والسمعة الحسنة بما  يعزز قيمته ومكانته عندهم ، فيستشيرونه في أحوالهم ويحكمونه في قضاياهم ، ويرتضون بما يقضي به بينهم.
  3. حسن الاستماع للآخر يُكسب  الانسان  الثقة  لدى الآخر ،  ويستطيع بذلك الحصول على المعلومات والاخبار التي قد يحتاج اليها  بأقصى سرعة ممكنة  ومن اقصر طريق .

و لذا يجب ان يكون الاصغاء بشكل حقيقي وبتركيز وتفهم حتى يكون  استثمارا  للوقت وكسبا للجهد  وليس مجرد سماع فقط.

ولذلك يجب عند الانصات للاخرين  تجنب ما يلي :

1)    تجنب كل ما يصرف الانتباه اثناء الانصات للأخر مثل الضوضاء أو الاحاديث الجانبية للآخرين التي تشتت الذهن وتقلل التركيز وينتج عنها عدم الفهم الكامل لما يتم الاستماع اليه .

2)    عدم التسرع في الحكم على الاشخاص أو الاحداث إلا بعد المعرفة الكاملة لكل الجوانب الشخصية والموضوعية التي تبعث الثقة في الحكم على الاشخاص او الاحداث.

بهذا أختم  الحلقة (36) ونلتقي معكم الاسبوع القادم بإذن الله في الحلقة  (37) مع فقه السيرة وظلال النبوة مع ملاحظة  احتفاظي بالمراجع لعدم امكانية نشرها في الجريدة في الوقت الحاضر..

اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة وفقه أعظم نبي ورسول صلى الله عليه وسلم وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة .

 


اخوكم د. محمد أحمد النجار
22شوال 1439هـ
الموافق 6 يوليو 2018

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما شاء الله يا د/ محمد النجار سعادتك غطيت كل جوانب الموضوع من شرح و استفادة و رؤية و حكمة و تعلم و نظرة و أدب و يقين و إيمان . حبيبي يا رسول الله . شكرا يا د/ محمد علي كل ما تقوم به جهد لتعلمنا بعلمك الغزير الذي يشبه البحر الذي لا ينتهي ابدا بارك الله فيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: