الصراط المستقيم

السيرة النبوية (47) استقبال النبي في المدينة وأول من رآه

بقلم / الدكتور محمد النجار

ذكرنا في الحلقة السابقة (46) مسيرة ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لحظة خروجه من مكة ، واختفاءه في غار ثور ، ثم مروره على أم معبد ومعجزته في حلب الشاة الجافة التي استرعت انتباه أم معبد فوصفته تلك المرأة البدوية وصفا دقيقا أخذت به كتب السيرة ، ثم معجزته مع سراقة بن مالك ، ومواصلته الهجرة حتى اقترب موكبه الجليل من يثرب حيث كان المسلمون من المهاجرين والانصار يترقبون وصوله كل يوم ..اترككم مع هذه الحلقة الأخيرة التي نختم بها حلقات سيرة واحداث نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، سائلا الله ان يوفقنا بها لنيل شفاعته يوم القيامة وكل من يشارك في نشرها ، فما أنفعها من سيرة  ينبغي ان نربي بها أنفسنا وابنائنا لنفوز بسعادة الدنيا والآخرة..

الثياب البيضاء:

كان الزبير بن العوام ومعه طلحة بن عبيد الله قادمين في قافلة تجارية من الشام ، والتقيا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر  في الطريق بين مكة والمدينة  ، فأهديا  ثيابا بيضاء من ثياب الشام للنبي صلى الله عليه وسلم  وأبي بكر ، فلبس منها هو وأبو بكر .

قال البخاري : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض .

وفي رواية كتاب فضائل الصحابة باب هجرة النبي صلى الله عليهوسلم واصحابه الى المدينة (3694)  قال ابن حجر: وَيُقَالُ: لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ طَلْحَةُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فَخَرَجَ عَائِدًا إِلَى مَكَّةَ؛ إِمَّا مُتَلَقِّيًا، وَإِمَّا مُعْتَمِرًا، وَمَعَهُ ثِيَابٌ أَهْدَاهَا لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ ثِيَابِ الشَّامِ؛ فَلَمَّا لَقِيَهُ أَعْطَاهُ، فَلَبِسَ مِنْهَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ. وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أَهْدَى لَهُمَا مِنَ الثِّيَابِ..  .

وصول النبي صلى الله عليه وسلم الى قباء  :

مسجد قباء

لما علم المسلمون بخروج النبي صلى الله عليه وسلم ، وحسب توقعات المدة تم احتساب وقت وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ، فكانوا يخرجون كل صباح يوميا على  الطريق انتظارا لوصول النبي صلى الله عليه وسلم حتى تشتد عليهم حرارة الشمس في الظهيرة ، فيرجعون الى بيوتهم، وهكذا كل يوم ..

روى البخاري في صحيحه  من حديث الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة  رضي الله عنها أن المسلمين بالمدينة  سمعوا بمخرج  رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه من مكة ، فكانوا يغدون كل غداة الى الحرة   ، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا  انتظارهم   .  وفي رواية (فينتظرونه حتى يؤذيهم حر الظهيرة)  .

وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم  مشارف “يثرب ” يوم الإثنين  الثامن  ربيع الأول سنة 13 من النبوة- البعثة – وهي السنة الاولى من الهجرة – الموافق 23سبتمبر(أيلول) سنة 622م (الموافق 10 تشري سنة 4383يهودية   ) .ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء   .

وفي رواية : كان يوم الاثنين 12 الثاني عشر من ربيع الاول سنة أربعة عشرة من المبعث ، وهي السنة الاولى من الهجرة – الموافق 23سبتمبر –ايلول-سنة 622من الميلاد .

  أول من رآه رجل من اليهود  :

بعد أن رجع المسلمون الى بيوتهم نتيجة ارتفاع الشمس ، كان رجل من اليهود قد صعد الى أطم  من آطامهم (قلعة) لأمر ينظر اليه في ذلك المرتفع ، فرأى ركب رسول الله صلى الله ليه وسلم واصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلا صوته : يا معشر العرب (يابني قيلة ) هذا جدُّكُمُ  (جدُّكُمُ: أي حظكم وصاحب دولتكم) الذي تنتظرون ، فثار المسلمون الى السلاح فتلقَّوه بظهر الحرة  – وسُمعت الرجة والتكبيرة في بني عمرو بن عوف ، وكبر المسلمون فرحا بقدومه وخرجوا للقائه ، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة   – فَعَدَلَ بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف في منطقة قباء وهي أول منطقة يقابل الراحل الى المدينة قادما من مكة المكرمة ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الاول .

ولم تكن عيون معظم المسلمين قد اكتحلت برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كانوا يعرفونه ، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ، فطفِقَ من جاء من الانصار ممن لم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يسلم على أبي بكر حتى اصابت الشمس رسول الله صلى عليه وسلم ، فأقبل أبوبكر يُظِلُّه بردائه ، فعرف الناسُ عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

قباء اول حي للقادم من مكة الى المدينة :

قال ابن اسحاق  :أقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ، ويوم الاربعاء ويوم الخميس  واسس مسجده ، ثم اخرجه الله من بين اظهرهم  يوم الجمعة ،وبنو عمرو ابن عوف  يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك.

وقال عبدالله بن ادريس عن محمد بن اسحاق: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشر ليلة  .

وحكى موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في بني عمرو بن عوف بقباء اثنتين وعشرين ليلة ، وقال الواقدي: ويقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة   .

قال محمد ابن اسحاق  : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ، على كلثوم بن الهدم ، ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة ، ويقول من يذكر  أنه نزل على كلثوم بن الهدم : إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم ، جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة ، لأنه كان عزبا لا أهل له ، وكان يقال لبيته بيت العزاب والله أعلم .

ونزل ابو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف أحد بني الحارث ابن الخزرج بالسنح ، وقيل على خارجة بن زيد  .

وأقام على بن ابي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكانت اقامة  على ابن ابي طالب بقباء ليلة أو ليلتين  .

وأقام على بن ابي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى ادى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكان على ابن ابي طالب اما كانت اقامته  بقباء ليلة أو ليلتين  .

جمعة وادي رانوناء واستقبال النبي في المدينة :

المسجد النبوي

خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف في قباء بعد أن أسس فيها  مسجد قباء ، وهو أول مسجد أُسس بعد الهجرة . وأراد النبي صلى الله عليه وسلم التحرك الى داخل يثرب ،  فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله  ، وأبو بكر ردفه ، وأرسل الى بني النجار – أخواله – فجاؤوا متقلدين سيوفهم ، فسار نحو المدينة  .

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الطريق الى داخل يثرب – المدينة – فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، فجمع بهم وصلى في المسجد الذي في بطن الوادي وكانوا مائة رجل   ، وكانت أول جمعة داخل المدينة  – وادي رانوناء – صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة  .

وكما أسلفنا  أنه صلى الله عليه وسلم  عندما أراد  ان يدخل المدينة أرسل الى زعماء بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم   .  وقد سجلت رواية : أن عدد الذين استقبلوه خمسمائة من الانصار ، فأحاطوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر وهما راكبان ، ومضى الموكب داخل المدينة ، “وقيل في المدينة : جاء نبي الله .  وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت ، وتفرق الغلمان في الطرق ينادون : يا محمد يارسول الله ، يا محمد  يا رسول الله   .

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد صلاة  الجمعة ، في جو مشحون بالفرح والبهجة والسرور ، وكان لا يمر بدار من دور الانصار إلا أخذوا خطام راحلته قائلين : هلم  الى العدد والعدة والسلام والمنعة ، فكان يقول لهم : خلوا سبيلها  فإنها مأمورة ، فلم تزل تسير به حتى وصلت الى موضع المسجد النبوي اليوم ، فبركت فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ، ثم التفتت ورجعت وبركت في موضعها الاول  ، فنزل عنها وذلك في بني النجار ، أمام دار أبي أيوب الأنصاري .

فبركت عند مسجده اليوم ، وكان مربدا   للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين من بين النجار في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  حين بركت راحلته ((هذا إن شاء الله المنزل))، ثم دعا رسول الله صلى عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ، فقالا بل نهبه لك يارسول الله ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ، ثم بناه مسجدا .

وبادر أبو ايوب الانصاري  (خالد بن زيد) الى الرحل فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((المرء مع رحله )) ، وأخذ سعد بن زرارة الراحلة ، فكانت عنده  .

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال ، وكان يوما مشهودا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.

حقيقة نشيد طلع البدر علينا

يقول ابن القيم : إن هذا الدعاء قيل عند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ،وان ثنية الوداع في مدخل المدينة من ناحية الشام ، وليست من ناحية مكة . ويقول بعض الرواة أن القائلين بهذا النشيد عن استقبال النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، فهذا وهم ، لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام ، ولا يراها القادم من مكة الى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه الى الشام  .

وورد في كتاب الهجرة النبوية :

أما تلك الروايات التي تفيد استقباله بنشيد “طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ” فلم ترد بها رواية صحيحة  .

وقال ابن حجر العسقلاني في الفتح   :

لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جعل الولائد يقلن :

طلع البدر علينا من ثنية الوداع    وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

وهو سند معضل ، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك   .

الاحتفال فرحا برسول الله   :

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية   :عن أنس بن مالك ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ،فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها  فقالوا : إلينا يا رسول الله ، فقال : “دعوا الناقة فإنها مأمورة” فبركت على باب أبي أيوب ، فخرجت جَوَارِ من بني النجار يضربن  بالدفوف وهن يقلن:

نحنُ جَوَارِ من بني النجَّار ** يا حبَّذا محمدٌ مِن جارِ

ومعنى الجواري هنا : أي البنات الصغيرات .

وصف  الصحابة ليوم دخول النبي يثرب – المدينة :

  • قال الصحابي البراء بن عازب ، وهو شاهد عيان : ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم   .
  • قال انس : شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا ، وشهدته يوم مات ، فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات .
  • روى الإمام احمد  أن انس ابن مالك ، قال  :

إني لأسعى في الغلمان يقولون جاء محمد فأسعى ولا أرى شيئا ، ثم يقولون جاء محمد فأسعى ولا أرى شيئا ، قال حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبوبكر .  ثم بعثا رجلا من اهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا اليهما فقالت الانصار : انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم ، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو ، أيهم هو ؟ فما رأينا منظرا شبيها به .  فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قٌبض ، فلم أر يومين شبيها بهما . رواه  البيهقي عن الحاكم .

 

  • وفي الصحيحين عن أبي بكر في حديث الهجرة ، قال : وخرج الناس حين قدمنا المدينة  في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون : الله أكبر جاء رسول الله ، الله اكبر ، جاء محمد ، الله اكبر جاء محمد ، الله اكبر جاء رسول الله . فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر .

لقد كان يوم عيد وفرح وابتهاج ،لم تر المدينة يوما مثله ،ولبس الناس أحسن ملابسهم ،كأنهم في يوم عيد ، ولقد كان حقا يوم عيد

لم يكن استقبال الانصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم استقبالا ترحيبيا نظريا فقط بل كان استقبالا عمليا أروع في معناه ، وهو تزاحم أهل كل بطون الأوس والخزرج ، في أن يأخذ بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون اقامته بينهم.  فقد جاءوا قبائل وافراد ، جاءوا بقلوبهم وإيمانهم وبكل امكانياتهم ، يعطون العهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المنعة والحرب معه بدون أي قيود أو شروط وانما العهد لله للدفاع عن دينه ورسوله وكتابه .

متى سميت يثرب بالمدينة :

دخل النبي صلى الله عليه وسلم يثرب بعد صلاة  الجمعة من ناحيتها الجنوبية ، وسُميت منذ ذلك اليوم (( بمدينة النبي ))  صلى الله عليه وسلم ، ويطلق عليها اختصارا ((المدينة)) ، وكان يوما تاريخيا أغر ، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس ، وكانت بنات الانصار تتغنى بهذه الأبيات فرحا وسرورا  :

صحيح أن الانصار لم يكونوا  أصحاب ثروات وأموال ، إلا ان كل منهم كان يسعى ويتمنى  أن ينزل عليه رسول الل صلى الله عليه وسلم ، فكان لايمر النبي صلى الله عليه وسلم على دار إلا  ويأخذون بخطام راحلت راجين ان ينزل عندهم ، فكان يقول لهم : خلو سبيلها فإنها مأمورة  حتى وصلت الى المكان الذي فيه المسجد النبوي حاليا ، فبركت، ولم ينزل عنها النبي فقامت ومشت قليلا ، ثم رجعت لنفس المكان الذي بركت فيه اول مرة ، فنزل عنها النبي وذلك في بنى النجار – أخواله.

وكان من توفيق الله لبني النجار أن تستقر راحلة النبي صلى الله عليه عندهم ، (فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك ) . وتم له ذلك بتقدير الله له ، واسرع أبو ايوب الانصاري الى رحله ، فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المرء مع رحله ،وجاء سعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته ، وكانت عنده  .

بشارة حبقوق :

لقد شاهد اهل الكتاب  “نور الله ” يتدفق في شوارع يثرب “المدينة ”  مع  التقديس والتحميد من المسلمين لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأوا فيه صدق تفسير  ماورد في كتاب النبي حبقوق ((الاصحاح 3:4)) الذي ورد فيه  :

(((جاء الله من تيمان والقدوس، من جبل فاران ، جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه)))..

وجبل فاران الذي ذكره الاصحاح 3:4 معروف بجبال مكة ، فقد أطلق على مكة في جميع اسفار الانجيل اسم”فاران” لأن هذا المكان كان تحت سيطرة ((فاران بن عوف ابن حمير)) وجاء سفر التكوين (التوراة) الاصحاح 21   : أن اسماعيل سكن في برية فاران ، ويثبت من آيات القرآن ان ابراهيم واسماعيل قد بنيا في هذه البرية مسجداُ يُعرف الآن باسم “الكعبة” فالتوراة والقرآن يصدق بعضه بعضا ، ويثبتا أن فاران هو اسم مكة .وقد ورد ذكر “فاران” في التوراة ، سفر العدد (الاصحاح 1:12) والتثنية( الاصحاح 33:3) وكل هذه المصادر تثبت صراحة أن فاران اسم مكة   .

موقف رأس النفاق  :

يظهر ان ترحيب الانصار الرائع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أثار غضب المشركين فيهم ، خاصة الذين صاروا من بعد منافقين يبطنون ما لا يظهرون أو يخفون مالا يبدون ،ولقد روى انه مامر بأهل بيت إلا أعلنوا التأييد وأبدو الترحيب إلا عبدالله بن ابي الذي صار من بعد زعيم النفاق في المدينة الطاهرة .

ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعبد الله بن أبي بن سلول هو على ظهر الطريق وهو في بيته فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه الى المنزل وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم ، فقال له عبدالله : انظر الذين دعوك فانزل عليهم ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار ، فقال سعد بن عبادة يعتذر  عنه : لقد من الله علينا بك يارسول الله ، وإنا نريد ان نعقد على رأسه التاج ، ونملكه علينا   .

وأصبح عبدالله بن أبي بن أبي سلول زعيما للمنافقين في المدينة المنورة وأحاط به كل اعداء الاسلام والمسلمين في المدينة المنورة ، وسنتحدث عنه بإذن الله في الجزء الثاني للسيرة النبوية ” مع النبي في المدينة المنورة” .

      دروس مستفادة من هجرة النبي من مكة:

  1. كانت الهجرة هي النصر الاول ، بل هي أعظم نصر ، لأن النصر الذي جاء من بعدها كان ثمرة لها ، في باب للفتح , ولقد عدها الله سبحانه وتعالى النصر الاول ، وذَكَّرَ محمداً صلى الله عليه وسلم وصاحبه بهذا  في غار ثور ، إذ قال الله تعالت كلماته ((إلا تنصروه فقد نصره الله ، إذ أخرجه  الذين كفروا ثاني اثنين ، إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه لاتحزن ، إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم))   .
  2. ومن أعظم دروس الهجرة النبوية : درس ((الإنسان)) ،

فهؤلاء الرجال الذين عاشوا للإسلام  وضحوا وتركوا وطنهم وديارهم  وأموالهم من أجل الاسلام…! واستجابوا لنداء نبيهم فهاجروا  يبحثون عن ديار جديدة ليست لأنفسهم وإنما لدين الله .. قبل أن يبحثوا عنها لأنفسهم ..!؟

ماهي حقيقة هؤلاء  الرجال …وهل يختلفون عنا ؟

لقد تحمل هذا الجيل كثير من المحن ، منها محاصرتهم من المشركين ثلاث سنوات عانوا خلالها المقاطعة والجوع والحرمان وقد يتسائل البعض:ألم يكن الله قادراُ على نصرتهم وهلاك عدوهم بجند من جنوده وإزالة كافة العوائق من طريقهم ؟ والجواب : نعم ..إن الله سبحانه وتعالى قادر على نصرتهم لكنه سبحانه وتعالى أراد تمييز الصادقين عن المنافقين، وبين المجاهدين والمتقاعسين ، حتى يفوز  هذا الجيل الأول بشرف الانتساب الحقيقي لدين الاسلام ، وشرف الانتساب لأمة خاتم النبيين والمرسلين والذين يرتفع ذكرهم الى يوم الدين.  وأن يكونوا قدوة للأجيال التالية لتفوز بنفس شرف الانتساب لخير أمة أُخرجت للناس وتحمل هم رسالة تبليغ هذا الدين للبشرية اجمع الى يوم الدين..

وإذا قارنا  انفسنا بهم فمَنْ نكون نحن بالنسبة لهم…!؟

فإذا  كانوا  هم المسلمون حقا ..! فهل نحن اليوم مسلمون حقاً  مثلهم..!!؟؟

وهل يجوز لنا الادعاء بالانتماء لتلك الشجرة الاسلامية التي كانوا ينتمون لها ؟

نعم .. نحن نشبههم في نطق الشهادة باللسان لكنهم أكدوها هم عمليا بسلوكياتهم وتضحياتهم واستشهادهم لرفعة دين الله ، بينما  نحن نموت على الفُرُش نتيجة الازمات المالية ومعاناة السمنة والترهل!!

 لقد كانوا لا يخشون إلا الله بينما نحن نخاف من كل شئ  لكن لا نخاف من الله ..

هذا هو الفرق بين هؤلاء الرجال الذين بشرهم الله بالتمكين في الأرض وبالجنة والمغفرة بعد الموت.

فهل نعيد حساباتنا مع الواقع المرير ؟؟ وهل نحن مستعدون لتقويم حالنا وسلوكنا لنكون مثل هؤلاء  ونستعيد صدق علاقتنا مع الله .. ونستعيد ديننا وحريتنا ومجد أمتنا؟؟؟

وحتى نستطيع ان نقول عن انفسنا  اننا مسلمون حقا ؟؟؟؟؟!!

 

  1. مشروعية الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وحكم الهجرة مايلي :

1)   تكون الهجرة واجبة: لمن يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه،قال تعالى: {إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} وهذا وعيد شديد.

2)   تكون الهجرة مستحبة : لمن يقدر عليها لكنه متمكن من إظهار دينه.

ولاتزال الهجرة فريضة على الأمة المسلمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها). رواه أبو داود

وقال صلى الله عليه وسلم: (الهجرة باقية ما قوتلوا العرب).

  1. تسخير الله كل الكائنات للمساهمة في هجرة رسول الله صلى الله عليه :

1)   الإنسان :  شارك المسلمون شيوخا وكهولا وشبابا ونساء، على بن أبي طالب ، اسماء بنت أبي بكر ، وعبدالله بن أبي بكر ، كما هاجر مع النبي ثلاث أشخاص : أبو بكر الصديق، عامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط.

2)   الملائكة : التي كانت تحفهم والتي تشير إليها عدة آيات كريمات.

3)   اليهود :  الذين قاموا بالدعاية المجانية في المدينة وبشروا بظهور خاتم الأنبياء.

4)   المشركون : عبد الله بن أريقط الدليل على الطريق ، وسراقة الذي أصبح حارسا لهما ليلا بعد أن كان جاهدا في طلبهما نهارا .

5)   الحجر : المتمثل في الغار الذي آوى الرسول وصاحبه ثلاث ليال. وتجدر الإشارة هنا أن رسالة الإسلام انطلقت من غار حراء ونصرته جاءت من غار ثور.

6)   الحيوان: البعير الذي سافر عليه الرسول وصاحبه، والغنم التي كانت ترعى قرب الغار.

  1. قد يتساءل البعض ، لماذا لم يهاجر النبي من مكة إلى المدينة بواسطة البراق مثلما كانت رحلة الاسراء حيث كان أحوج ما يكون الى البراق  من أي وقت آخر وذلك حفاظا على حياته ودرءا للمشقة !!حيث كان شباب مكة ينتظرونه امام بيته لقتله

والجواب :

ا)   ان النبي صلى الله عليه وسلم استخدم كل الوسائل والاساليب المادية التي يستخدمها العقل البشري ، وهذا تشريع للأمة تتأسى به ، فلا تغفل الاسباب المادية التي يهتدي بها العقل البشري ثم الاعتماد على الله بعد ذلك دون خوف من النتائج التي تقع بقدر الله ويكون فيها الخير للمؤمنين.

ب)   أن رحلة الاسراء كانت تكريما  وتشريفا  للنبي صلى الله عليه وسلم فكانت بالبراق ، ولم يكن المسلمون مطالبين  أن يقلدوه في مثل هذه الرحلة ، بينما الهجرة وسيلة من وسائل الدعوة ، والمسلمون مطالبون بتقليد النبي صلى الله عليه وسلم  فيها .

 

  1. إن جنود الله التي ينصر بها الحق ويخزل بها الباطل ، ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ، أو صورة خاصة من الخوارق وقد رأينا من جنود الله التي نصر الله بها نبيه “العمى” الذي أصاب الله به المشركين الذين وقفوا على باب الغار ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم وهم على بُعد خطوة واحدة .
  2. الدور الكبير الذي قام به الشباب في تنفيذ خطة الرسول صلى الله عليه في هجرته الى  المدينة : مثل دور علي ابن طالب ، وأبناء أبي بكر الصديق ، فقد كانت أدوارهم تعتبر أدوارا نموذجية  رائدة  لشباب الإسلام والمسلمين للتأسى بها.
  3. الجندي الصادق المخلص هو الذي يَفْدِي قائدَه المخلص بحياته، لأن سـلامة القائد هي  سـلامة للدعوة، ومقتل القائد هزيمة للدعوة وضعفها  و خذلانها ، وما  فعله علي بن أبي طالب لم يكن إلا  امتثال لأمر النبي  صلى الله عليه و نموذجا للفداء والجهاد في سبيل الله وليس إلقاء نفسه في التهلكة .
  4. معرفة فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأدوار ابناءه ، وتضحياته بنفسه وماله ، وتعريضه ابناءه وبناته للخطر عند خروجه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، وقد أخذ أبو بكر كل ماله ويقدر  بستة الاف درهم    ،

وقد وردت أحاديث في فضله :

ا)   قال صلى الله عليه وسلم: ”  إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته ” ( البخاري 3454) ،  ” (لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً). رواه مسلم

ب)   حديث النبي صلى الله عليه وسلم “اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر.”  وهو حديث أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححه و وافقه الذهبي والألباني

ج)   ثبت عن عمر – رضي الله عنه – قال :” أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” (حسنه الألباني 2890)

  1. اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم كل وسائل الحيطة والحذر ، عند دخوله المدينة ،وكانت كل القبائل حوله تطلب منه النزول عندها ، فكان يقول ((دعوها فإنها مأمورة )) ،فيجعل أمر النزول في مكان معين او على قبيلة معينة أمرا آلهيا يرتضي به الجميع ، ولا يتم التفاضل به أو التنازع عليه ، وبهذا يتم تفويت الفرصة على اليهود بإذكاء روح العداء بين القبائل وبعضها إذا تم التمييز في اختيار قبائل دون غيرها كما كانت عادة اليهود في اثارة الفتن من قبل.
  2. نجدة عثمان بن طلحة لأم سلمة حينها رآها ستغادر مكة وحدها ، فَأَبَتْ مروئته وخُلُقُه العربي الاصيل ان يدع امرأة شريفة تسير وحدها في هذه الصحراء الموحشة رغم انها لم تكن على دينه حينذاك وهو كان مشركا ويعلم انها ستذهب الى جهة معادية لمعتقدة وربما تكون محاربة له في المستقبل، ولذلك وصفته بعد ان وصلت المدينة المنورة : ((والله ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيت صاحباً قط كان أكرم من عثمان بن طلحة .

وقد أسلم عثمان بن طلحة فيما بعد .

  1. قيم الجاهلية قبل اربعة عشر قرنا التي تفوق جاهلية القرن الواحد والعشرين وما بعده والتي تمثلت في عدم اقتحام دار رسول الله صلى الله عليهم وهم ينتظرونه خارج البيت حتى لايتم ترويع النساء والاطفال فقالوا :

((((إنها للسُبة في العرب أن يُتَحَدِثَ عنا أنا تَسَوَّرْنا الحيطان على بنات العم ، وهتكنا ستر حرمتنا ، أو يقول العرب : اننا روعنا بنات محمد )))) ، فهذا هو الذي أقامهم بالباب  حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ، ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج.

فما أجملها من أخلاق كانت في تلك الجاهلية الاولى قبل 14 قرن ،  بينما نرى في الجاهلية الحديثة التي تتحدث عن حقوق الانسان : كيف تنتهك الاعراض ، وكيف يتم ترويع النساء والاطفال، وكيف يتم سجن الاقارب وتعذيبهم بدون ذنب  للاعتراف عن المطلوبين.. انها جاهلية الجهلاء المنزوع من قلوبهم الرحمة والانسانية ..

  1. نتعلم من الهجرة : أن المؤمن لا يتعجل النصر ، فهذه سنة كونية ، قال تعالى : إن الله يدافع على الذين آمنوا.

فكان النصر في المرة الأولى : عندما خرج من بيته و ذر التراب على الكفار الذين ناموا فلم يروه، و كان يقرأ آيات من سورة يس : “فجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم فأغشيناهم فهم لا يبصرون”.

وكان النصر في المرة الثانية : في الغار عندما أتى المشركون قرب الغار.

وكان النصر في المرة الثالثة : عندما تبعهم سراقة طامعا في جائزة قريش، فحفظ الله نبيه فبعد أن كان سراقة جاهدا في طلبهما نهارا، أصبح حارسا لهما ليلا.

  1. القائد المسلم الحقيقي لا يهرب ويترك جنوده واصحابه ولا ينسحب استراتيجيا أو تكتيكيا دون ان ينسحب قبله جنوده وأتباعه ، وهذا ما رأيناه في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يغادر مكة إلا بعد هجرة كل أصحابه الى المدينة ، فلم يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن اطمأن على مغادرة اصحابه مكة ووصولهم الى المدينة .

 

  1. لم تكن الهجرة من مكة فرارا من الموت أو تركا للوطن وإضاعته لكنهم هاجروا ليستعدوا  للعودة ،وهذه هي الهجرة الحقيقية ..!! فقد  عاد الرسول صلى الله عليه وسلم عزيز الجانب وهو صحابته الكرام بعد ثمانية سنوات فقط من هجرتهم ، ولكن أي عودة ..!؟ لقد عادوا فاتحين منتصرين .. عادوا ليحوّلوا الكعبة المشرفة التي كانت قبلة الشرك والخرافة إلى القبلة العالمية لدين الله الحق .. فعندما  خرجوا  من مكّة أول مرة تحت ضغوط طغاة مكة  كانوا ضعفاء ماديا  لكنهم أقوياء روحيا.. فلما  عادوا إلى مكة عادوا  أقوياء روحيا وماديا  معًا ..
  2. كانت المرحلة المكية التي استغرقت(13) سنة في مكة بما فيها من الآلام والأحزان والقسوة على المسلمين إلا إنها كانت مرحلة تربية ربانية لتعليم المؤمنين الأخلاق الحميدة، والخصال الرفيعة، فهُذِّبَت نفوسُهم، وسمَتْ أرواحهم، وارتفعوا عن قيم الأرض وأخلاقها إلى قيم وأخلاق السماء ، فقد نزل الميزان الحقُّ الذي يستطيع الناس به تقييم أعمالهم بصورة صحيحة وتدريبا عمليا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لجيل رباني مسلم يتحمل الاذى والمشاق والتخلي عن الدنيا والتضحية بالأهل والمال في سبيل نصرة دين الله تعالى ونشر رسالة الاسلام والتوحيد في كل أرض الله الواسعة ، ومن هذا الدرس العظيم في التربية نستخلص مدى أهمية تدريب الدعاة في محاضن تربوية دعوية حتى يضطلعوا بمهامهم الدعوية وتأديتها بالحكمة والموعظة الحسنة على الوجه الأكمل في نشر الاسلام الصافي القائم على السلام والرحمة والتسامح والمحافظة على الأوطان والدفاع عن المقدسات واعطاء الحرية لكل انسان لاختيار دينه ومعتقداته دون فرض أو أذى ، مع احترام عقائد الآخرين.

 

  1. من الدروس المستفادة : أن دعاية عدوك وتشهيره بك يمكن أن ينفعك . ألم يكن المشركون من طغاة مكة وسفهائهم يقفون عند أبواب مكة ويوصون الناس ألا يسمعوا للنبي و لكن في الواقع هذا خدم النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته فقد عملوا له دعاية مجانية أدت الى سعي الآخرين للبحث عن الحقيقة واكتشافها والدخول في الاسلام.
  2. الصبر والإصرار وعدم اليأس مهما كانت الأزمات ، فإن الفرج لا يأتي إلا بعد الصبر على الشدة والدعاء لله ، فكم من أزمات واجهت النبي صلى الله عليه وسلم فصبر عليها واحتمل الشدة ثم كان الفرج من الله ، ومن أمثلة ذلك في السيرة النبوية المكية :

ا)   بعد الحصار الظالم في شعاب أبي طالب : كان الفرج من الأرضة التي أكلت الصحيفة.

ب)   بعد محنة الطائف وكانت أشد يوم في حياة النبي : جاءت جائزة الإسراء والمعراج.

ج)   بعد شدائد إيذاء المسلمين في مكة  : جاء الفرج والإذن من الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة.

د)   بعد حادث الإفك وإتهام زوج النبي عائشة في عرضها : جاءت برائتها  من السماء قرءانا يُتلى إلى يوم الدين.

 

  1. التخطيط وترتيب وتدبير الأولويات من أسباب النجاح في الحياة. فقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم أولوياته عندما جاء الإذن الرباني بالهجرة كما يلي :

ا)   نوم علي بن ابي طالب في فراش النبي لتضليل المشركين وإيهامهم بنوم النبي في فراشه

ب)   رد الودائع  الى اصحابها

ج)   الخروج إلى بيت أبي بكر

د)   اختيار الدليل الماهر حتى وإن مشركا.

ه)   الخروج الى غار ثور .

ح)   بداية السير ناحية اليمن ثم الاتجاه نحو الساحل ثم الطريق الى  المدينة.

 

  1. الاستعانة بأصحاب المهارات والأمانة المهنية بالإضافة الى الأمانة الاخلاقية حتى لو كانوا غير مسلمين ، فلم يكن طريق الهجرة طريقا عاما يسلكه كل الناس ، بل اتخذ عبدالله بن أريقط طريقا غير الطريق المتعارف عليه ، ولا يعلمه إلا الخبراء من الأدلاء ، ولا يعرفه ايضا كثير من المسافرين وذلك لتفادي تعقب المغامرين الذين يطمعون في نيل الجائزة المرصودة مائة ناقة للعثور على النبي والقبض عليه .

 

  1. الهجرة معناها: الخروج من أرض إلى أخرى، والهجرة في عرف الإسلام: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. والمهاجرون: في بداية الأمر هم الصحابة الذين هاجروا  من مكة إلى الحبشة ، والمهاجرون أيضًا: من هاجروا إلى يثرب قبل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو بعده إلى عام الفتح، وإذا أُطلق ذكر الهجرتين فإنه يراد بهما الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى يثرب التي اطلق عليها اسم المدينة المنورة.
  2. الهجرة منهج دعوي متجدد ، لا ينقطع بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل إن الهجرة اسلوب ومنهج ممتد حتى تقوم الساعة، ولننظر الى آية الهجرة متى نزلت؟؟؟نزلت بعد قرابة تسع سنوات من الهجرة ، حيث نزلت في السنة التاسعة للهجرة لتذكر المسلمين بهذا الأسلوب الدعوي المتجدد :

“إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا و الله عزيز حكيم”. التوبة40

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تشرق الشمس من مغربها”.

فالمسلم مُطالب بالهجرة طوال حياته ، فعليه هجرة  الغفلة عن الله وهجرة كل اسباب السوء والمعاصي وأماكن السوء واصدقاء السوء ،   فالهجرة ملازمة للإنسان طوال عمره،

  1. نتعلم من السيرة أن كل إنسان يجب أن تكون له قضية في الحياة يعيش من أجلها ورؤية لإنجاز رسالته في الحياة . قال حكيم عربي: “ليس للحياة قيمة إلا إذا وجدنا فيها شيئا نناضل من أجله”. واعظم هدف يناضل الانسان من أجله هو الدعوة الى الله ، قال الله تعالى “ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين”.

 

الحمد لله الذي وفقنا لدراسة السيرة النبوية في المرحلة المكية التي تَربى وتَشَكل فيها الانسان المسلم اخلاقيا وإيمانيا وعمليا وأصبح  جاهزا للمرحلة الثانية وهي مرحلة بنا ء الدولة القوية ذات السيادة والتمكين التي تنشر دعوة الله وتصارع الباطل وتحرر الانسان .  فلولا هذه المرحلة المكية ما استطاع المسلمون الانتقال للمرحلة الثانية  المدنية ، ولولا هؤلاء المهاجرين ما كان الانصار .

بهذا أختم مرحلة فقه السيرة وظلال النبوة في العهد المكي والذي استغرق (47)حلقة ، حاولت فيها جاهدا بذل ما استطيع من قراءة كتب ومراجع في كافة المجالات لعلي أغطي جزءا ولو يسيرا شكراً لله الذي مَنَّ علىَّ وجعلني من المسلمين ، ووفاءً لِحَقِّ  رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ  الذي بَلَّغَ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة ، لعلي أقابل بها رسول الله صلى الله عليه فيشفع لي ولأحبابي  يوم الدين .. واسأل الله ان أكون قد وفقت في هذا العمل ، وما التوفيق إلا من الله الكريم ، وإن كان هناك خطأ أو نسيان ، فاستغفر الله غفار الذنوب.

وأبدأ بإذن الله الأسبوع القادم  في الجزء الثاني من فقه السيرة وظلال النبوة في العهد المدني (بالمدينة المنورة ) سائلا الله أن يتم عليّ هذه النعمة وأن يطيل عمري حتى أرى تلك السيرة مطبوعة في كتاب خالص  لوجهه الكريم.

وأدعو كل اخواني وأخواتي ان يوافوني بما لديهم من ملاحظات وتنبيهات وتعديلات على هذه الحلقة وكافة الحلقات السابقة  حتى اراجعها  وأعدلها ويكون ذلك في ميزان : على صفحتي في الفيس بوك او  الايميل :

” ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا لا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين”.

اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة وفقه أعظم نبي ورسول صلى الله عليه وسلم وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق