الصراط المستقيم

السيرة (46)الهجرة – إعلان الطوارئ في مكة للقبض على النبي(4)

بقلم الدكتور/محمد النجار
يعز على النبي صلى الله عليه وسلم ان يرى نفسه مُطاردا في وطنه ، وغريبا تتلقفه أهواء الطغاة وزبانية المجرمين ،ومُحَارَباً في دينه وعقيدته ، فما فائدة وطن بلا دين أو عقيدة؟
فقد اضطر النبي للخروج من مكة ، ووقف يودعها رافعا يده الى السماء ،وقد دعا قائلا :
((الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئا ! اللهم أعنِّي على هول الدنيا ، وبوائق الدهر ، ومصائب الليالي والأيام ! اللهم اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى خلقي فقومني ، وإليك رب فحببني ، والى الناس فلا تكلني! رب المستضعفين ! وانت ربي ، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والارض ، وكُشِفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين ، أن تحل عليَّ غضبك ، أو تُنزل بي سخطك ! أعوذ بك من زوال نعمتك ، وفُجاءة نقمتك ، وتحول عافيتك ، وجميع سخطك ،لك العُتبى عندي خير ما استطعت ، لا حول ولا قوة إلا بك )) 

لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت :

وفي طريقه صلى الله عليه وسلم الى الغار ، وقبل ان تختفي مكة عن الانظار ، نظر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بعاطفة مشحونة بالذكريات ، تدل على حبه لها لما بها من رموز في حياته ، فكيف لا يحبها وقد أحبها الله عز وجل ، وجعل بها بيته المقدس ، وفيها ارسله الله الى العالمين. وقف ينظر إليها وهو يقول :
” والله انكِ لخيرُ أرض الله ، وأحبُّ ارض الله الى الله ، ولولا أني أُخرِجْتُ منك لما خرجت “.
وفي رواية اخرى : “
“ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ” .

ابو قحافة يحزن على خروج أبي بكر بكل ماله :

لما خرج أبو بكر بكل ماله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، وصل الخبر الى والده أبي قحافه، فدخل على أبناء أبي بكر وكان قد فقد بصره ، فقال : والله إن لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، فقالت اسماء بنت أبي بكر : كلا ياأبت! إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا ، وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبو بكر يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيد جدها وقالت ” ضع يدك على هذا المال ، فوضع يده عليه ، فقال : لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم . ثم تعقب اسماء بنت ابي بكر قائلة : ولا والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك .

مبيت علي بن ابي طالب في فراش النبي

طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام على فراشه ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر الذي ينام فيه ، وطمأنه بأنه لن يصل إليه منهم شئ يكرهه ، وذلك للتمويه .

إلقاء القبض على بن ابي طالب :

وقد تم القاء القبض على علي بن ابي طالب وضربه وسحبه الى الكعبة ، ثم اعتقاله بعضاً من الوقت لحين التحقيق معه ومحاولة الحصول على المعلومات التي تقودهم إلى العثور على الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه. وتحمل علي بن ابي طالب التعذيب دون أن يبوح بأي تعليمات عن وجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، فشلوا معه .

إعلان حالة الطوارئ في مكة للقبض على النبي :

تم إغلاق كافة الطرق في مكة خاصة في الطرق التي تؤدى الى الخروج من مكة ، مع المراقبة الدقيقة لكافة الطرق حتى لا يفلت منهم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، ونشروا فرق البحث عنهما في كل مكان .
رصد جائزة 100 ناقة لمن يعثر على النبي وصاحبه حيين أو ميتين :
و إمعاناً في البحث تم رصد طغاة قريش جائزة كبرى (مائة ناقة) لمن يعثر على النبي وصاحبه ، وتعتبر هذه الجائزة ثروة كبيرة في مجتمع مكة في ذلك الوقت ، وذلك تشجيعا وتحفيزا للعثور على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد شجعت هذه الجائزة الكبرى كثيراً من المشركين في البحث وانتشروا في كل مكان ، من أمثال سراقة بن مالك وغيره للتنافس على الفوز بتلك الدية .
استئجار قصاصي الأثر لتتبع أثر النبي وصاحبه:
قال ابن حجر في الفتح (15/91 شرح الحديث رقم 3905) ذكر الواقدي : ان قريشا بعثوا في أثرهما قائفين : احدهما كرز بن علقمة، فرأى على فم الغار نسج العنكبوت، فقال : هاهنا انقطع الأثر، ولم يسم الآخر.
وقال ابن حجر في الاصابة(3/293): ذكر ابو سعيد في “شرف المصطفى” : أن المشركين كانوا قد استأجروا كرز بن علقمة لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا ، فقفا أثره حتى انتهى الى غار ثور فرأى نسج العنكبوت على باب الغار فقال : إلى هنا انتهى أثره ، ثم لا أدري أخذ يمينا أو شمالا أو صعد الجبل .
(ولنا تعليق في الصفحات التالية على قصة نسج العنكبوت والحمامتين )
مقارنة بين مكة والمدينة :
حينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، وقف على الحزورة ، ونظر الى البيت ، فقال : والله أنك لأحب أرض الله إليَّ، وإنك لأحب أرض الله الى الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت. يرويه الزهري عن أبي سلمة عن عبدالله بن عدي بن الحمراء يرفعه ، وبعضهم يقول فيه : عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وهو من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة عن المدينة ، وكذلك حديث عبدالله بن الزبير مرفوعا : أن صلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه ، فإذا كانت الاعمال تبعا للصلاة ، فكل حسنة تُعمل في الحرام (المقصود بالمسجد الحرام) فهي بمائة ألف حسنة ، وقد جاء هذا منصوصا من طريق ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من حج ماشيا كُتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل : وما حسنات الحرم ؟ قال : الحسنة فيه بمائة ألف حسنة . أسنده البزار.

المشركون امام غار ثور :

انتهى اقْتِفاء الأثر بالمشركين الى وصولهم لمكان الغار الذي يختبئ فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، ووقفوا على باب الغار ، بينما النبي صلى الله عليه وسلم آمن مطمأن يصلى في الغار ، وأبو بكر يرتقب ، وخائف على رسول الله صلى عليه وسلم ، فلما أتم النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ، قال أبو بكر : إن قُتلت فإنما انا رجل واحد ، وإن قتُلت أنت هلكت الأمة ، لو أن أحدهم نظر موضع قدميه لرآنا ، فعندها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( لا تحزن إن الله معنا ؟)).
         (( يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟)).
فقال صلى الله عليه وسلم “ماظنُّك يا أبابكر ! باثنين الله ثالثُهما ؟”
ويقال – والله أعلم – أن العنكبوت سدَّت على باب الغار ، وأن حمامتين عششتا على بابه وذلك تأويل قوله تعالى ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانيَ اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروْها ، وجعلَ كلمة الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيز حكيم )) .
وجنود الله لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى ، وهي أعمُّ من أن تكون مادية ، او معنوية ، واذا كانت مادية ، فإن خطرها لايتمثل في ضخامتها ، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب (أي جيش ضخم له صولات وجولات)، قال الله تعالى:
((وما يعلمُ جنودَ ربك إلا هو ))
فجنود الله غير متناهيةٍ ، لأن مقدوراته غير متناهيةٍ ، كما أنه لاسبيل لأحد الى حصر الممكنات والوقوف على حقائقها ، وصفاتها ، ولو اجمالا ، فضلا عن الاطلاع على تفاصيل احوالها من كمٍ ، وكيفٍ ، ونسبةٍ )) .
وفي كتاب المرجع في السيرة النبوية :
وقف المشركون امام باب غار ثور وبداخله النبي صلى الله عليه وسلم على بعد خطوة واحدة لكن ارادة الله جعلت عنكبوتا ينسج خيوطه الكثيفة وكأنه من سنين وجاءت حمامتان وعششتا على بابه ، فكانت آية حسية من خوارق العادات ، ولكن النبي لم يتحدث لإثبات نبوته إلا بالقرآن الكريم ، لأنه المعجزة الكبرى الباقية الى يوم الدين …

تعليق على تعشيش الحمامتين على باب الغار :

تعليقا على رواية تعشيش حمامتين على باب الغار ، وان النبي صلى الله عليه وسلم قد درأ عنهما بهما ، فسمت عليهما – أي دعا لهما وبارك عليهما – وأحدرها الله الى الحرم فأفرخا كما ترى، يقول ابن كثير أن هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن ابراهيم وغيره عن عون بن عمرو-وهو الملقب بعوين- باسناده مثله. وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تلك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الذى اقتفى لهم . أهـ.
ولقد ضعف الحديث الشيخ احمد شاكر . وقال الشيخ الالباني بعد أن ضعف الحديث ” ثم إن الآية المتقدمة : ( وأيده بجنود لم تروها ) فيها ما يؤكد ضعف الحديث ، لأنها صريحة بأن النصر والتأييد انما كان بجنود لاتُرى ،والحديث يُثبت أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم كان بالعنكبوت ، وهو مما يُرى ، فتأمل . والأشبه بالآية أن الجنود فيها إنما هم الملائكة ، وليس العنكبوت ولا الحمامتين، ولذلك قال البغوي في تفسيره (4/147) للاية (وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وابصارهم عن رؤيته) ا.هـ كلام الشيخ الالباني .
وقال الشيخ الالباني في موضع آخر ” واعلم أنه لا يصح حديث في عنكبوت فقط ، أما بيض حمامتين على الغار فلم أر – حسب علمي –من صححه ، والله اعلم .

قال ابو تراب الظاهري :
“وقد ورد أن حمامتين وحشيتين عششتا على بابه ، وأن شجرة نبتت ، وكل ذلك فيه غرابة ونكارة من حيث الرواية، وفي رواية فيها غرابة ونكارة أن الحمامتين أفرختا ، وأن حمام الحرم المكي من نسل تينك الحمامتين ، وكل ذلك بأسانيد واهية ” .
وهناك روايات اخرى تتحدث عن اخبار في الغار ولم تثبت صحتها وآثرنا تركها وعدم الكتابة عنها حتى لاننقل اشياء لا اصل لها او موضوعة ، والحقيقة ان عناية الله بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت تحيط به وبصاحبه وسخر لهم جنودا من عنده سبحانه وتعالى ، ومهما كانت الأسباب ، فإن رعاية الله كانت أشد وأبقى .
وقد ذكر بعض أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”لو جاءونا من هاهنا لذهبنا من هنا ” فنظر الصديق الى الغار قد انفرج من الجانب الآخر ، وإذا اللبحر قد اتصل به ،وسفينة مشدودة الى جانبه . وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك باسناد قوي ولا ضعيف ، ولسنا نثبت شيئاً من تلقاء أنفسنا ، ولكن ماصح أو حسن سنده قلنا به والله اعلم .

وقد ورد في ماشاع ولم يثبت :
اما الخبر الذي تم روايته عن عمر وفيه ((ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة ليلا ومعه أبو بكر ، فجعل يمشي مرة امامه ، ومرة خلفه يحرسه ، وعندما حفيت قدما الرسول صلى الله عليه وسلم حمله على كاهله الى فم الغار ،وسده بقدمه ، والحيات تلسعه ، ودموعه تسيل على الرسول صلى الله عليه وسلم …)) فهذا الخبر قال عنه الذهبي ” هو منكر ، وسكت عنه البيقهي ، وقال عنه ابن كثير ” وفي هذا السياق غرابة ونكارة” .
ورُوِيَّ : ان رجلا من المشركين جاء حتى استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعورته يبول ، فقال ابو بكر : يارسول الله: أليس الرجل يرانا ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو رآنا لم يستقبلنا بعورته “. رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (6/54) وقال عنه “وفيه موسى بن مطير ،وهو متروك ” . كتاب السيرة النبوية في ضوء المصادر الاصلية ص277″ .
ويُروى ايضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله سبحانه شجرةً فنبتت على وجه الغار فسترته ، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار ، واقبل فتيانُ قريش من كل بطنٍ رجلٌ بعصيِّهم وحرْباتهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدرَ أربعين ذراعا جعل بعضُهم ينظر في الغار فقال : رأيتُ حمامتين بفم الغار فعرفت أنه ليس فيه أحد ن فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فعرف ان الله عز وجل قد درأ بها ، فدعا لهن وسمَتَ عليهن وفرض جزاءَهن ونزلن بالحرم. اخرجه ابن سعد في الطبقات 1/228عن مسلم بن ابراهيم بسنده وفيه زيادة قصة العنكبوت .
وقال السيوطي في الخصائص الكبرى 460واخرجه ايضا ابن مردويه والبيهقي وابو نعيم ، وقال ابن كثير في السيرة 1/240، رواه ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد عن عمرو بن علي عن عون بن عمرو فذكره ثم قال : هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.
وقد تسربت أساطير الى مصادر كثيرة في الحديث والسيرة …
وتوجد قصص اخرى لم تصح ولم نر قيمة لنشرها ، فتركناها واكتفينا بما ذكرناه.

الطريق الى يثرب :

اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كل وسائل الحيطة والحذر التي في مقدوره ان يتخذها للنجاة من مشركي مكة ، ثم كان مطمئنا لعناية الله له ولصاحبه .
وبعد مطاردة المشركين ثلاثة أيام للنبي صلى الله عليه وسلم تخللتها دوريات التفتيش في كل مكان للقبض عليه ، وباءت كل محاولاتهم بالفشل . .
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من غار ثور ، بعد التحقق من انصراف قريش عن طلبه ، ويأسهم من ان يصلوا إليه , وعدم ملاحقتهم له ولصاحبه .
وقد جاءهم الدليل عبدالله بن أُريقط حسب الموعد ومعه الراحلتان ، وانطلق ركب النبي صلى الله عليه المكون من أربعة :
1. رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2. ابوبكر الصديق رضي الله عنه .
3. عامر بن فهيرة – مولى أبي بكر ، رضي الله عنهما
4. الدليل : عبدالله بن أريقط (وكان لايزال مشركا).
انطلق الأربعة إلى المدينة (يثرب) عن طريق الساحل .
وكانت خطة الانطلاق تعتمد على الحيطة والحذر واتخاذ التدابير اللازمة التي من شأنها ان تخفي هذا الركب ويضمن الوصول في اسرع وقت ممكن ، وتم اتخاذ الخطوات التالية :
1. التمويه في الطريق الذي سلكه الركب
1) انطلق الركب ليلا حتى لا تراه عيون قريش في أي مكان .
2) سلك الدليل عبدالله بن أريقط طريقا الى الجنوب يتجه فيه الى اليمن حتى لا يخطر في بال جواسيس قريش ان الركب يسير في هذا الاتجاه ناحية اليمن ، وهم يبحثون الطريق الى المدينة في الشمال. “وانطلق الدليل، فأخذ بهم طريق السواحل ” مقربة من شاطئ البحر الاحمر ، ثم اتجه الى طريق لا يألفه الناس وذلك إمعاناً في التمويه ومزيداً من الحيطة والحذر.
3) سرعة المسير طوال الليل حتى يقطع اكبر مسافة ممكنة ويبتعد عن عيون قريش التي كانت منتشرة ، وتفادي مطارداتهم.
عن البراء بن عازب – صحابيان جليلان – عن أبيه ، أنه قال لأبي بكر : يا أبا بكر ! حدثني كيف صنعتما حين سريت – (أي حين سافرت من مكة إلى المدينة للهجرة بعد الخروج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ). قال : أسرينا ليلتنا ومن الغد ، حتى قام قائم الظهيرة ، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد ، فَرُفِعَتْ لنا صخرة طويلة لها ظل ، لم تأت عليها الشمس ، فنزلنا عندها ”
ثم واصل ركب النبي صلى الله عليه وسلم السفر طوال الليل ، واستمر حتى منتصف النهار – متواصلا ليوم وليلة – يُباعد بين ركب الهجرة ومكة ، مما أدى الى زيادة فرصة نجاح خطة الهجرة ، لأن السفر في الليل يُعد من أنسب الاوقات للسفر في الصحراء لسببين :
السبب الأول : الوقاية من لهيب حرارة الشمس في الصحراء القاحلة ، خاصة ان هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في شهر سبتمبر و لازالت حرارة الشمس مرتفعة في تلك الصحراء.
السبب الثاني : ان الليل يكون ساترا ، لا يكشف ركب الهجرة ، بل يساعد على التخفي عن عيون الجواسيس الذين كانوا يبحثون عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه للفوز بالمكافأة التي رصدتها قريش للقبض عليهما .

معاني بعض الكلمات:

أسرينا ليلتنا : أي ظللنا نسير طوال الليل دون توقف
ومن الغد : أي الاستمرار في المسير في الصباح نصف اليوم .
حتى قام قائم الظهيرة : أي بلغت الشمس وسط السماء ، وبلغت وقت الزوال عند الظهر ، حيث تكون درجة الحرارة في ذروتها وتقل حركة الظل.

سراقة بن مالك يُطارد النبي طمعا في المائة ناقة :

رغم التخطيط المُحكم الذي قام به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه قبل الخروج من مكة ، وقبل الخروج من غار ثور ، ورغم كل دواعي الحذر التي تم اتخاذها قبيل وأثناء المسير ، إلا ان قريشا تَلَقْتْ أخباراً تفيد اتجاه ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة في طريق الساحل المهجور.
والتقط هذه المعلومة سراقة بن مالك ، ونجح في صرف انظار الآخرين الحاضرين عن صحة تلك المعلومة استمعوها جميعا حتى ينفرد وحده باللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ويقتنص الجائزة المرصودة .
يقول ابن اسحاق :
عن سراقةَ بن مالكٍ قال :”لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً ، جعلت قريش مائة ناقة لمن يرده عليهم ، فبينما أنا جالس في نادي قومي ، إذ أقبل رجل منا .. فقال : والله لقد رأيت ركب ثلاثة مروا علي آنفا ، إني لأراهم محمدا وأصحابه ، فأومأت إليه بعيني أن اسكت ، ثم مكثت قليلا .. ثم أمرت بفرسي ، وأمرت بسلاحي ، ثم أخذت قداحي (أي الزهر)التي استقسم بها ، ثم انطلقت فلبست لأمتي(أي الدرع، والسلاح ) ، فاستقسمت فخرج السهم الذي أكره (لا يضره) ، وكنت أرجو ان أرده على قريش ، فآخذ المائة الناقة ، فركبت على أثره ، فبينما فرسي يشتد عثر بي ، فسقطت عنه ، فقلت : ما هذا ، ثم أخرجت القداح فاستقسمت بها ، فخرج السهم الذي أكره ، فأبيت إلا أن اتبعه ، فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد تعثر بي ، فسقطت عنه فقلت ما هذا ، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها ، فركبت في أثره ، فلما بدا القوم ورأيتهم عثر فرسي ، فذهبت يداهُ في الارض ، وسقطت عنه ، ثم انتزع يداه من الارض وتبعهما دخان كالإعصار ،(وفي رواية : وأن قوائم فرسه حين قَرُبَ من رسول الله صلى الله- صلى الله عليه وسلم – ساخت في الارض وتبعها عثان وهو الدخان ) ـ فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع عني ، وأنه
ظاهر ، فناديت القوم ، فقلت : أنا سراقة بن جعشم ، أنظروني أكلمكم ، فو الله لا أُريكم ولا يأتيكم مني شئ تكرهونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وماذا تبغي منا؟ قلت : تكتب كتابا يكون بيني وبينك “.
فكتب له النبي كتابا ، ثم ألقاه إليه .
( ورجع سراقة فجدَّ في الطلب فجعل يقول لقريش : “قد استبرأت لكم الخبر ، قد كُفيتم ما هاهنا”. وكان أول النهار جاهدا عليهما ، وآخره حارساً لهما ) .

أبو جهل يسب سراقة لعدم قبضه على النبي:

لقد صدق سراقة في وعده للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان لا يلقى أحدا من قريش يطلب النبي وصاحبه إلا ردَّه وقال: كُفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول الله قد وصل إلى المدينة ، جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي وما كان من قضية جواده، واشتهر هذا عنه.
فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سببا لإسلام كثير منهم، وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم، فكتب أبو جهل – لعنه الله – أبياتا من الشعر يحرض فيها قوم سراقة على سراقة ويصفه بالسفيه نذكر منها :
بني مُدلِجٍ إني أخافُ سَفيهَكُم ***** ســُـــراقةَ مستغوٍ لنصـــــــرِ محمدِ
عليكم به ألَّاَّ يُفـــــــــــرِقَ جمعَكم ***** فَيُصبِحَ شَتَّى بعدَ عــــــزٍّ وسؤدُدِ
وذكر هذا الشعر الاموي في مغازيه بسنده عن ابي اسحاق وقد رواه أبو نعيم في الحلية بسنده من طريق زياد عن ابن اسحاق ، وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا .

سراقة يرد بأدب على أبي جهل السفيه :

لم يبادل سراقة بن مالك سفاهة أبي جهل بسفاهة مثلها ، وكأن نور الإيمان بدأ يخالط قلبه، ورد عليه بأدب ، وكان سراقة شاعرا ، فرد عليه بالأبيات التالية :
أبا حكمٍ والَّاتِ لو كنتَ شاهـــــــــــدا ***** لأمرٍ جوادِي إذ تسُيخُ قوائِمُه
عجبْتَ ولم تَشْكُكْ بأنَّ محمدا *****رسولٌ ببرهانٍ فَمَنْ ذا يُقاومُه
عليكَ فكفّ القـــــــــــومَ عنه فإنْنِي ***** أرى أمْرَهُ يوما سَتبدو مَعَالِمُـــــهْ
بأمــــــرٍ تـــودُّ الناسُ فيــــهِ بأسْرِهِمْ ***** بأنَّ جميعَ الناسِ طُرَّاً مُسَالِمُه

سراقة يرفع كتابه للنبي عند فتح مكة :

يقول سراقة : فأخذت الكتاب ، فجعلته في كنانتي ، ثم رجعت ، فَسَكَتْ فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتحُ مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرغ من حُنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة ، فدخلت في كتيبة من خيل الانصار ، فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون ” إليك إليك . ماذا تريد ؟ قال : فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ، والله لكأن أنظر الى ساقه في غَرْزه كأنها جُمارة، فرفعت يدي بالكتاب ، ثم قلت : يا رسول الله ، هذا كتابُك لي، أنا سراقة بن جُعشم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا يوم وفاء وبر، ادْنُهْ (في فتح الباري : فادن بدون الهاء)، فدنوت منه ، فأسلمت .
ويومها أسلم سراقة .
ثم ذكرت شيئا أسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : فدنوتُ منه ، فأسلمتُ ، ثم ذكرت شيئاً اسألُ عنه رسول الله صلى عليه وسلم فما اذكرُه ، إلا أني قد قلتُ ، يارسولَ الله : الضالة من الإبل تغشى حِياضي ، وقد ملأتُها لإبلي ، هل لي من أجر في أن أسقيها ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((نعم ، في كل ذات كبدٍ حَرَّي أجر)) .
قال سراقةُ : ثم رجعت الى قومي ، فسُقتُ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدَقتي .
وقد حسن اسلامه رضي الله عنه .
وفي رواية عن اسلام سراقة :
ورد في سيرة ابن هشام : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : قل له : وما تبتغي منا ؟ قال: تكتب لي كتابا يكون بيني وبينك .قال النبي : اكتب له يا أبابكر .
لقد تراجع سراقة بعد أن علم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم منصور من ربه ، ويظهر ان سراقة آمن برسول الله من لحظة أن رأى فرسه لا يتقدم خطوة واحدة نحو النبي وصاحبه ، وقد احتفظ سراقة بهذا الكتاب حتى جاء فتح مكة ، فيقول ” دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفعت يدي بالكتاب ، وقلت : يا رسول الله ، هذا كتابك لي ، أنا سراقة بن جعشم ، فقال النبي : ” هذا يوم وفاء وبر ، أدنه “.

معجزة النبي بتحقيق بشارته لسراقة بلبس سواري كسرى :

روى ابن حجر في الاصابة ، وابن عبد البر في الاستيعاب ، وغيرهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك : ” كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟”
قال سراقة : كسرى بن هرمز ؟! قال : نعم .
قال : فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه ، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما ، وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين ، وقال له : ارفع يديك .
فقال : الله اكبر ، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول : أنا رب الناس ، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم ، أعرابي من بني مدلج ، ورفع بها عمر صوته ” .
سؤال :هل لبس سراقة سواري كسرى تجيز لبس الرجال للذهب ؟؟
وقصة سراقة رضي الله عنه وقول النبي صلى الله عليه وسلم : كيف بك يا سراقة وقد لبست سواري كسرى؟ قال سراقة: كسرى بن هرمز ؟! قال : نعم ، لا تفيد جواز لبس الذهب للرجال، فقد كانت في طريق هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ودلت على معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم ألا وهي إخباره لسراقة بما سيقع والإسلام يومئذ فيما هو عليه من الضعف ، فأخبر صلى الله عليه وسلم عن سقوط مملكة فارس وغنيمة المسلمين لحلي كسرى، ولما وقع ذلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجيء بسواري كسرى ألبسهما سراقة بن مالك تحقيقا لمعجزته صلى الله عليه وسلم ثم ردهما إلى الغنيمة فهي إخبار عما سيقع وليست تشريعا لحكم ، ثم إن ذلك كان في بداية الإسلام، وقد كان الذهب مباحا كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتما من ذهب وكان يلبسه ويجعل فصه في باطن كفه فصنع الناس خواتيم، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه فقال إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل فرمى به وقال والله لا ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم .
قال الطحاوي – رحمه الله – في ” شرح معاني الآثار (4/262) :
” فثبت بهذه الآثار أن خواتيم الذهب قد كان لبسها مباحاً ،ثم نُهِيَ عنه بعد ذلك ، فثبت أن ما فيه تحريم لبسها : هو الناسخ لما فيه إباحة لبسها ..ولكن السنة في ذلك عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم – في النهي عن ذلك ،قد حظرت ذلك ، ومنعت منه ” .

جوانب هامة في شخصية سراقة بن مالك:

وقد ابرزت تلك الحادثة ميزات شخصية يتمتع بها سراقة بن مالك نذكر منها :
1. دقة الحس الأمني لدى سراقة الذي ظهر من خلال رده على الرجل ، وأوْهمه بأن هذا الركب ليس هو ركب محمد واصحابه ، إنما هم فلان وفلان ، وبالتالي أضاع فرصة التفكير لدى الرجل صاحب الخبر وعلى كل الحاضرين في المجلس.
2. عدم مغادرة المجلس فور سماعه الخبر ، بل انتظر اكثر من ساعة حتى لا يثير شك الحاضرين .
3. خروجه من باب بيته الخلفي حتى لا يراه احد.
4. أمر بربط فرسه بعيدا عن بيته حتى لا يراه احد وهو يركب الحصان .
5. اجادته اقتفاء الاثر ، فقد تقفى أثر ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واقترب منه لولا عناية الله تعالى التي حالت بينه وبين النيل من ركب النبي صلى الله عليه وسلم.

الدروس المستفادة من موقف النبي مع سراقة وهو يطارده :

1. ان نملك القدرة على تحديد العدو من الصديق في صفوف الكفار انفسهم ، وان يكون لدينا القدرة على نكسب الاصدقاء من داخل صفوف الاعداء المقتنعين بصدق دعوتنا وقضيتنا . فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الأمان لسراقة ابن مالك وهو لازال مشركا ، وكان يفترض قتله حتى لا يدل عليه ، لكن تقدير النبي صلى الله عليه وسلم لشخصه أنه صادق الولاء وانه تخلى عن عدائه امام المعجزة التي رآها في فرسه الذي رفض ان يتقدم خطوة واحدة ضد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم طلبه الامان ، فأعطاه الأمان. وكان هذا سلوك النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد من السماء ، ونحن اتباعه نتأسى به ونبذل اقصى الجهود لتقدير الامر ، فإذا اخطأنا لا نلوم أنفسنا ولا نجلد ذاتنا ، والمعذرة الى الله في أننا بذلنا الجهد واعتمدنا على الله .
2. أن لا يكون الحكم على الرجل او الفئة من خلال تاريخ الماضي القريب او البعيد وانما الثقة بتغير هذا الرجل فعليا مهما كان ماضيه في الحرب ضد الاسلام ، فقد تتغير قناعات شخص مهم فيدخل الاسلام وينتفع به المسلمون ، فلا نقف عند ماضييه قبل الاسلام وانما مدى الثقة في تغير الرجل وقناعاته وسلوكه نحونا .
3. ان نفقه فكرة الأمان لهذا العدو الذي غير موقفه ويعلن المناصرة والولاء ، مثلما طلب سراقة ، فقد أظهر سراقة الأمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذه يعطي المسلمين الحرية في التعامل مع الكافرين حسب مواقفهم وسلوكهم ، فتتم المهادنة والاستعانة حسب مواقف هؤلاء الكافرين وسلوكياتهم ، دون نقد وتجريح لأنفسنا اذا صدر موقف خطأ نتيجة سوء تقدير .

الركب يسير في طريق وعر : 

انتهى حادث ملاحقة سراقة بن مالك بعد ان اعطاه النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الامان الذي طلبه ، واستمر في الطريق ، وسار الدليل عبدالله بن أريقط بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وسلك بهما اسفل مكة ، ولم تكن الرحلة سهلة ، لأن الدليل اختار طريقا غير مألوفة الصحراء كانت اشد وعورة حتى لاتتبعهم قريش لو سار في الطريق المألوفة في السير الى يثرب، لقد سلك بهم طريق الساحل .
يقول ابن اسحاق : لما خرج بهما دليلهما عبدالله بن أرقط (أريقط) سلك بهما أسفل مكة المكرمة ، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفان …
قال ابن هشام : ثم هبط بهما العرج ، وقد أبطأ عليهما بعضُ ظهرهم ، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من أسلم ، يقال له : أوس بن حُجْر ، على جمل له – يُقال له : ابن الرّداء – المدينة ، وبعث معه غلاما له ، يقال له : مسعود بن هُنيدة ، ثم خرج بهما دليلهما من العرج ، فسلك بهما ثنيَّة العائر ،عن يمين ركُبة – ويقال : ثنية الغائر ، فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما بطن رِئم ، ثم قدم بهما قُباء ، على بني عمرو بن عوف ، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين ، حين اشتدَّ الضَّحاء ، وكادت الشمس تعتدل .
ويصف كل المناطق التي مر بها حتى نزل بهم في قباء .

ام معبد الخزاعية :

والتقى النبي صلى الله عليه وسلم أثناء طريقه الى المدينة في القديد بامرأة طاهرة مخلصة نقية ، هي أم معبد ، امرأة من بني كعب، من خزاعة ( عاتكة بن خالد ) ، كانت تسقي وتطعم ونروي قصتها فيما يلي :
روى البيهقي بسنده عن أبي معبد الخزاعي :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة الى المدينة هو وأبو بكر ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، ودليلهم عبدالله ابن أريقط الليثي ، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية ، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة ، تحتبي بفناء الخيمة فسألوها هل عندها لحم أو لبن ، يشترونه منها ، فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك ، وقالت : لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى ، وإذ القوم مرملون مسنتون(أي في سنة جدب).
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها ، فقال صلى الله عليه وسلم : ماهذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت: هي شاة خلفها الجهد عن الغنم ، قال: فهل بها من لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك . فقال النبي: أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : – بأبي أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة ، فمسح ضرعها ، وذكر اسم الله تعالى عليها، ودعا بإناء لها يريض الرهط (أي يُشبع الجماعة) ، فتفاجت عليه (أي :فرجت بين رجليها للحلب ) ودرَّت، فحلب منها ثجا (سيلا )حتى ملأه ، ، وأرسله إليها ، فسقاها ، وسقى اصحابه ، فشربوا عللا بعد نهل (النهل الشرب الأول والعلل الشرب الثاني) حتى ذا أرووا شرب (أي النبي صلى الله عليه وسلم)آخرهم ، وقال : ساقي القوم آخرهم ، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء ، فغادروه عندها ، ثم ارتحلوا . فما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عنزات عجفا يتساوكن هزلا لانقى بهن (النقي:المخ) ، فلما رأى اللبن عجب، وقال من أين هذا اللبن ياأم معبد ،ولا حلوبة في البيت؟ والشاة عازب؟
فقالت له : لا ، والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت ، وكيت .
فقال : صفيه ، فو الله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه !

بلاغة ام معبد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم :

فقالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ، حسن الخلق، مليح الوجه ، لم تعبه ثُجلة ، ولم تزر به صَعْلَةٌ ،قسيم وسيم ، في عينيه دَعَج ، وفي أشفاره عَطَف ،وفي صوته صهَل ، أكحل ، أزجَّ ، أقرن(أي سيد) في عُنّقه سطح ، وفي لحيته كثافة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما ، وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، فصل لانزر ، ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، أبهى الناس وأحلمهم من بعيد ، وأحسنهم من قريب ، ربعة ، لا تشنأه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال استمعوا لقوله ، وأن أمر تبادروا لأمره ، محفود ، محسود ، لا عابس ولا مفند .
فقال بعلها : هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ، ولو صادفته لألتمسن أن أصحبه ، ولأجهدن إن وجدت الى ذلك سبيلا .

خبر إسلام أبو معبد (زوج ام معبد) :

وقد شاهد أبو معبد تلك المعجزة التي حدثت في شاة أم معبد ، كما استمع لوصف الرسول صلى الله عليه وسلم من زوجته أم معبد . وهذا الخبر فيه معجزة حسية للرسول صلى الله عليه وسلم ، شاهدها أبو معبد فأسلم .

و في دلائل النبوة للإمام الحافظ البيهقي :

” من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قال: خرجت مع رسول الله من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد الله! إنما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال: فلم يجبها وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز لها يسوقها، فقالت: يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا.
فلما جاء قال له النبي ﷺ: “انطلق بالشفرة وجئني بالقدح”.
قال: إنها قد عزبت وليس بها لبن.
قال: “انطلق”.
فجاء بقدح فمسح النبي ضرعها، ثم حلب حتى ملأ القدح.
ثم قال: “انطلق به إلى أمك”.
فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: “انطلق بهذه وجئني بأخرى” .
ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي ، فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك.
وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه، فقال: يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك.
فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟
قال: أو ما تدرين من هو؟
قالت: لا.
قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم .
قالت: فأدخلني عليه.
قال: فأدخلها عليه ، فأطعمها ( أي رسول الله ) وأعطاها – زاد ابن عبدان في روايته – قالت: فدلني عليه.
فانطلقت معي وأهدت له (لرسول الله ) شيئا من أَقْط ومتاع الأعراب. (الأَقْط:لبن رايب مجفف- انظر الهامش)
قال: فكساها وأعطاها.
قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت، إسناد حسن .
قال” وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة ام معبد ويزيد في بعضها فهي قريبة منها ، ويشبه أن يكونا واحدة.
وقد ذكر محمد بن اسحاق بن يسار من قصة ام معبد شيئا يدل على أنها وهذه واحدة والله أعلم .
وقال البيهقي: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، والظاهر أنها هي والله أعلم ..

هل استمرت بركة شاةأم معبد ؟؟

وورد في الإمتاع للمقريزي :
قالت ام معبد : لقد بقيت الشاة التي مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها الى عام الرمادة – وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة – وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا ، وما في الارض قليل ولا كثير .
صوت عال في مكة يهتف بمرور النبي بأم معبد الخزاعية :
وذكر عن أسماء بنت أبي بكر حين خَفِيَّ عليها ، وعلى من معها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدروا أين توجه ، حتى صاح صوت عال في مكة يسمعون صوته ، ولا يرونه ، و يهتف بمرور النبي صلى الله عليه وسلم بأم معبد الخزاعية
ورد في سيرة بن هشام :
قالت (اسماء بنت ابي بكر) : ثم انصرفوا (أي النبي وصاحبه والدليل وعامر بن فهيرة)، فمكثنا ثلاث ليال. وماندري أي وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أقبل رجلٌ من الجن من اسفل مكة ، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب ، وإن الناس ليتبعونه ، يسمعون صوته وما يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول :
واصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول :
جزى اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائِه….رفيقــــيْنِ قالا(قيلول) خـَـيْمتيْ أمَّ مَعْــــبدٍ
همـــــــا نَزَلا بالبـــــــــــــــــرّ ثُـــــــــــم تروَّحـــــا ….فقـــــــــــــــــد فــــــاز مَنْ أمْسَى رفيــــــــــــــــقَ محمدٍ
فــــــيا لَقُصَىِّ مـــــا زوى اللهُ عنكُـُـــــمُ…..بـــه من فَعَــــــــــــالٍ لا تُجَـــــــــــــــارَى وسُـــــــــــــــودَدٍ
لِيـَّــهْنَ بني كعبٍ مــــــــــكان فَتَاتِهِم…..ومقعــــــــــــدُها للمؤمنيـــــــــــــــتن بِمِرْصَــــــــــــــــــــــــــــــدٍ
سَــــــــلُوا أخْتَكم عن شَاتِها وإنائِها …..فإنــــكم إن تســـــــــــألوا الشــــــــــــــــــــــاةَ تَشْهَــــــــــــــــدِ
دعــاها بشــاةٍ حــــــــائلٍ فَتَحَلَّــــــــبتْ……عليه صريحاً ضَـــــــــــرَّةُ الشـــــــــــــــــاةِ مُزْبِـــــــــــد
فغادَرَهَــــــا رهْـــــــــناً لدَيَـــــهَا لحــــالبٍ ……يُردِّدُها فــــــــــــــــــــي مصْـــدرٍ ثـــــــــــــــــم مَــــــــــــــوْردٍ
قالت اسماء : فما سمعناه عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن وجهه الى المدينة .
فلما سمع  حسان بن ثابت بذلك شَبَّب يجاوب الهاتف فقال :
لقد خــــــــــــــــاب قــومٌ زال عنهم نبيهم ……وقَدَّس من يســــــــري إليـــــــــه ويغتــــــدي
ترحل عن قـــــــــــــوم فضلَّتْ عقولهم …….وحــــــــــلَّ على قــــــــــوم بنــــــــــور مجــــــــــــــــددِ
هداهــــــم بــــه بعــد الضـــــــــلالة ربُهـــم …….فأرشــــــــــــدهم من يَتْبَع الحق يَرْشُــــــــــــدِ
وهل يستوى ضُلَّالُ قومٍ تَسٍفَّهوا……..عِمَايتهم هـــــــاد بــــــــــه كل مهتـــــــــــــــــــــــــــــــدي
وقـــد نزلت مـــــــــــــنه على أهــــل يثربٍ ……ركاب هـُــــــــــــدى حلَّت عليهم بأســـــــــــعدِ
نبي يــــــــرى ما يــرى الناسُ حــــــوله ……..ويتلـــــــو كتــــــاب الله فـــــــــي كل مسجد
وإن قــــال فـــي يـــــــــــــــوم مقـــــالة غــــائبٍ ……..فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
لِيَهْنِ أبا بكر سعادة جَدَّه بصحبته……..مَـــــــــــــــــــنْ يُسْــــــــــــــــــــــــــعِد الله يَسْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعَدِ
لِيَهْنِ بني كعــــــــــــــبٍ مـــــــــــــــــــقامُ فتاتـــــهم …….ومقعــــــــــــــــدها للمؤمنيـــــــــــــــــــــن بَمرْصَـــــــــــــــدِ
والأبيات باختلاف يسير في (ديوان حسان) .

الدروس المستفادة من قصة ام معبد :

1. رغم المعجزة الربانية التي تحققت في شاة ام معبد إلا انها كانت سببا في كشف طريق هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل تذكر بعض الروايات انها كانت سببا في ملاحقة ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2. التأكيد على ان ما يتم فوق الطاقة البشرية من كشف قد تكون قوة للدعاة ، وكشفا لهم وامتحانا عسيرا لتمحيص صفهم ، فكما جرى حين وصل الركب الى الغار ، وكما جرى حين وصل سراقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما جرى حينما هاتف الجن مع قصة ام معبد ، فقد كان التخطيط محكما لكن ارادة الله تدبر وتكشف حتى يمتحن المؤمنون وتتمحص صفوفهم .
ففي يوم احد أعلمنا الله تعالى حكمه وحكمته بقوله جل وعلا ((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ((140)) آل عمران .
3. رغم السرية التامة ، فقد تَكَشَفَ جانب من الخطة كان فوق التقدير البشري ، فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسليم المطلق : ((لاتحزن ان الله معنا )) ، و((ماظنك في اثنين الله ثالهما )) .
4. عند التخطيط الدقيق والاجتهاد في التنفيذ نراعي جوانب اربع :
1) بذل اقصى طاقة ممكنة في التخطيط البشري .
2) الاعتماد على الله دون الاعتماد على الاسباب.
3) القبول بقضاء الله وتقديره فيما لا طاقة لنا به
4) الاطمئنان الى ان كل النتائج فيها الخير سواء كانت نتائج ايجابية او سلبية في نظرنا .

أبو بريدة ورجاله يخرجون على النبي للفوز بمكافأة قريش :

وفي مسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ، خرج عليه بريدة ابن الحصيب الأسلمي يريد أن يفوز بمكافأة قريش التي أعلنت عنها ، فلما تقابل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه أسلم مكانه مع سبعين رجلا من قومه ، ونزع عمامته وعقدها برمحه ، فاتخذها راية تعلن بأن ملك الأمن والسلام قد جاء ليملأ الدنيا عدلا وقسطا .

اقتراب ركب رسول الله من يثرب-المدينة 

ويظل ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسير الى المدينة ، وكل يوم يخرج الانصار من بعد صلاة الفجر على الطريق التي سيقدم منها رسول الله صلى عليه وسلم لاستقباله وقلوبهم تشتاق لرؤيته صلى الله عليه وسلم ، فإذا اشتدت الشمس وانسحب الظل رجعوا الى بيوتهم من شدة الحرارة حيث كانت الهجرة في شهر سبتمبر المتوهج بحرارته .
و بهذا أختم الحلقة (46) ونلتقي معكم الاسبوع القادم بإذن الله في الحلقة (47) مع فقه السيرة وظلال النبوة مع ملاحظة احتفاظي بالمراجع لعدم امكانية نشرها في الجريدة في الوقت الحاضر..
اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة وفقه أعظم نبي ورسول صلى الله عليه وسلم وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة .
اخوكم د. محمد النجار (22/10/2018) الاثنين (13صفر1440هـ)
الدكتور محمد أحمد النجار

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى