أراء وقراءات

المفكر الصيني صون تزو وإستراتيجية الحرب

 

هناك شخصيات في تاريخ الدول تركت بصمات أبدية وإستمرت مع تاريخ حضارتها وتاريخ البشرية وفي مقدمة تلك الشخصيات المفكر الإستراتيجي الصيني صون تزو Sun Tzu الذي ولد عام 544 ق.م وتوفى عام 496 ق.م، وعاش في مرحلة مشهورة من تاريخ الصين أطلق عليها عصر الدول المتحاربة 481-221 ق.م.  وقبلها عصر الربيع والخريف إذ كانت الدويلات الصينية لم يتم توحيدها بعد ودخلت في صراع مع بعضها البعض لعدة قرون.

ومن هنا برزت شخصيتان ذات تأثير كبير في نفس الفترة كونفوشيوس كمفكر وفيلسوف وصون تزو كمفكر وفيلسوف وقائد إستراتيجي عسكري ولعب كل منهما دوره في تنوير الدويلات الصينية ثم في مساعيها نحو الوحدة بعد ذلك، ولن نتطرق بالتفصيل لحياتهما أو لحياة صون تزو الذي إختلفت عليه الآراء هل هو شخصية حقيقية أم أسطورية ولكن الرأي الراجح إنه شخصية حقيقية وله كتاب أكتشف وهو “فن الحرب”، وهذا الفن قام حول عدة مبادئ أساسية تصلح للحرب ولإدارة الأعمال وغيرها من المهن حيث قدم صون تزو ستة مبادئ رئيسة نلخصها في الآتي:

الأول: إستولي على الدولة العدو دون أن تدمرها وقال في هذا الصدد “في الحرب عموماً فإن السياسة الأفضل أن تستولى على الدولة بدون تدمير أو تخريب، وإن إخضاع العدو بدون حرب أفضل من كسب مائة معركة عسكرية”.  بإختصار في جملة أخرى من صون تزو “أن تكسب الجميع بلا حرب” وهذا ينطبق أيضاً على التجارة.

الثاني: تجنب نقاط القوة في خصمك أو منافسك وهاجم نقاط ضعفه وهذا عملاً بالمبدأ المرتبط بالماء إنه يسير نحو المناطق المنخفضة ويبتعد عن المرتفعات والجبال.

الثالث: إعرف عدوك وأعرف نفسك فإذا أخذت بهذا المبدأ وحاربت مائة معركة لن تكون في خطر.

الرابع: إحرص على مبدأ السرعة والإستعداد لتكتسح خصمك بسرعة، أما إذا إعتمدت على الكسل أو البطء فسوف ترتكب أكبر جريمة، أما إذا كنت مستعداً قبل المعركة فهذا من أكبر الميزات.

الخامس: اللجوء للتحالفات والسيطرة على الأماكن الإستراتيجية وهذا سوف يجتذب العدو لميدان المعركة وهذا يعني تغيير قواعد الصراع بما يحقق مصلحتك.

السادس: إحرص على تطوير قدراتك القيادية وهذا يعزز إمكانية جنودك أو العاملين تحت إدارتك، فعندما يعامل القائد جنوده بالثقة والعدالة والصدق فإنه يوحدهم ويضمن إخلاصهم ويكونون سعداء للعمل تحت قيادته.

ونظراً لأن هذه المبادئ الستة ذات صيغة فلسفية عامة فإنها أصبحت تستخدم في العمل العسكري والعمل التجاري والإدارة بل أن إستخدامهم يحقق نجاح القائد في أي عمل.

وكتاب صون تزو بعنوان “فن الحرب” ولكن كثيرين ممن جاءوا بعده حولوا أفكاره من الحرب إلى مجال الأعمال ونشروا نفس الكتاب مع تغيير في المصطلحات إلى فن إدارة الأعمال أو فن الأعمال الصغيرة، ومرجع سهولة ذلك أنه فكر فلسفي عام فأصبح صالحاً لعدة مجالات.  وعاش صون تزو في مرحلة التاريخ الصيني التي أطلق عليها مرحلة الربيع والخريف (722-481 ق.م) وتلي ذلك مرحلة الدولة المتحاربة (481-221ق.م) وقد تأثر كثير من القادة الصينيين الذين جاءوا بعده بالأفكار والمبادئ التي تحدث عنها وكان آخرهم ماوتسي تونج في كتاباته العسكرية وفكره العسكري أثناء مرحلة النضال.  بل أن الكتاب ترجم لليابانية وأصبح مشهوراً لدى العسكريين اليابانيين وكذا لدى القائد الفيتنامي المشهور هوشي حينة الذي ترجم الكتاب للغة الفيتنامية لكي تستفيد منه قواته العسكرية.  ولهذا نجد كثيراً من المدارس والأكاديميات العسكرية تدرس الكتاب ضمن مقرراتها.  ولحسن الحظ أن الكتاب ترجم للغات عديدة ومن بينها اللغة العربية وأصبح يدرس في عدد من المعاهد والأكاديميات العسكرية خاصة في مصر وسوريا.

ومن الجدير بالذكر أن هناك خمسة كتب في الإستراتيجيات العسكرية يتصدرها كتاب صون تزو وقد إنتشر في مرحلة الدول المتحاربة في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد، ويلي ذلك كتاب فون كلاوز ويتز الإستراتيجي الألماني بعنوان “في الحرب” في القرن 19، وكتاب الفرد ماهان الأمريكي عن “تأثير القوة البحرية عبر التاريخ”، وكتاب بيتر باريت “صانعو الإستراتيجيات الحديثة”، وماوتسي تونج في حرب العصابات، وجون واردن كتابه “الحماية العسكرية”.

ولا يفوتي أن أشير لأحد أعظم الإستراتيجيين في مصر الفرعونية وهو  الجنرال “حور محب” الذي تولى حكم مصر في أواخر الدولة الحديثة وتمكن من القضاء على الفوضى وحقق عصر الأمن والرخاء في أواخر الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية بعد أن مرت مصر بفترة من الضعف والإضطراب وكادت الدولة تقع في هاوية الإنقسام الداخلي لولا ظهور حور محب الذي كان من ضباط الجيش في عهد أخناتون وقائد للجيش في عهد توت عنخ آمون وبعد توليه السلطة كملك إستطاع إنقاذ البلاد من الهاوية وتزوج من الأميرة “موت يخمت” أخت الملكة نفرتيتي ليكتسب شرعية الحكم وفقاً للتقاليد الفرعونية، وحارب الحيثيين وعقد مع الملك خيتا ملك الحيثيين معاهدة ضمنت إستقرار الأمور على الحدود وتفرغ للإصلاح الداخلي.  وكتب عنه الدكتور أحمد بدوي بعنوان “حور محب أبوالشعب وصديق الفلاح” وحكم من 1307-1319 ق.م وتناول سيرته المؤرخ المصري المشهور عبدالرحمن الرافعي في كتابه “تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة دار المعارف أنظر ص 102-103.

وتحليل فكر صون تزو وكتابه “فن الحرب” الذي يعتقد أنه كتب ما بين سنتي 515-512 ق.م وفي عام 1972 إكتشف علماء الآثار مقبرة في مقاطعة شاندونج وجود قطع من اللوحات المكتوبة والمدفونة خلال حكم أسرة “هان”، ومن بين تلك اللوحات وجدت نسخة من عمل صون ين ونسخة من عمل صون تزو “فن الحرب”، وبذلك تأكد وجود شخصيتين مختلفتين والنصين عن “فن الحرب”.

وذهب صون تزو في كتاباته “أنه في حالة الصراع المسلح فعلى الإنسان الإرتكاز على عاملين حاسمين هما “ملكة العقل والفضيلة” فإذا إستخدما بشكل صحيح يؤديان للنصر ولذلك لا يجب التعامل مع الحرب بخفة وتهور.

وأوضح صون تزو أن تحقيق النصر يقتضي توافر الشروط التالية:

  • إختصار فترة الحرب.
  • تخفيف الآلام والخسائر البشرية.
  • تكبيد العدو أقل خسائر ممكنة.

ويعطي صون تزو في “فن الحرب” إهتماماً لما يلي:

  • وضع الخطط إنطلاقاً من مبادئ السياسة – الطقس- الجغرافيا- القوات- والنظام، ولذا فالمخطط الجيد هو من يخضع العدو دون قتال.
  • شن الحرب وضرورة أن تكون خاطفة وحاسمة فإذا تأخر النصر يفقد الجيش روح القتال وإذا تم حشد الجيش لمدة طويلة لا تكفي موارد الدولة.
  • الهجوم المخادع وأهم ما في ذلك الإستيلاء على أرض العدو وبدون تدميره وإخضاعه دون قتال وفقاً للمبدأ التالي في إدارة الحرب.

ولصون تزو قول مشهور بالنسبة لنوعية قرار الحرب وطبيعته والإقتباس كالتالي:

“عندما تكون عشرة أضعاف العدو تحاصره، وعندما تكون خمسة أضعافه تهاجمه، وعندما تكون ضعفيه تقسمه، وعندما تكون متعادلين يمكن الشروع في القتال، وعندما تكون أقل منه عدداً تقوم بقتال تراجعي، وعندما تكون أضعف منه عدداًوعتاداً تجنبه”.

ويرى صون تزو “أن من يعرف عدوه ويعرف نفسه يقود مائة معركة دون خطر ومن لا يعرف عدوه ولكن يعرف نفسه فقد يحرز النصر أو يلقى الهزيمة ومن لا يعرف نفسه ولا يعرف عدوه يكون في دائرة الخطر في كل معركة”.

ويهتم صون تزو بالإستعداد ودور الجغرافيا ومدى وما يسميه الأوضاع التسعة المتعلقة بالأرض “الجغرافيا” طبيعة الأرض وحركة القوات.

عناوين الفصول الثلاثة عشر هي:

1-وضع الحرب

2 -شن الحرب

3-الهجوم المخادع

 4- الترتيبات التكتيكية

5-     القوة والزخم

6-نقاط القوة والضعف

7-المناورة في التقدم

8- التغيير التكتيكي “التنويع”

9- الجيش في السير

10- الأرض

11 الأوضاع التسعة للمنطقة

12-الهجوم بالنار

13- استخدام الجواسيس (العملاء).

بقلم /دكتور محمد نعمان جلال
مستشار رئيس مجلس الأمناء
مركز البحرين للدراسات الإستراتيجية والدولية والطاقة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى