الفن والثقافة

المقعد الخالي

قصة قصيرة بقلم المهندس / أيمن سلامة 

تنساب حبات العرق وهى تشق طريقها عبر آثار الزمن المحفورة على وجه عم “عابد”، وببطء تتوالى معها خطوات عم “عابد” بجسده المنهك الذى يلقيه على أقرب مقعد يلقاه أمام المقهى بالشارع خلال مشواره القصير الذى يقطعه يوميا من المخبز البلدي الى مسكنه القريب القابع بالدور الأرضي بإحدى البنايات القديمة بنفس الشارع.

بعد ما طالت جلسة عم “عابد”، تصادف مرور الشيخ” سيد” إمام المسجد، فأسرع لمساندته للذهاب الى المخبز، وبادره الشيخ “سيد” قائلا “يا عم “عابد” انت راجع المخبز ليه؟ ما تروح البيت أحسن عشان ترتاح”، فرد عم “عابد” عليه قائلا “نسيت اقول حاجة لابنى المعلم منصور”، صمت الشيخ “سيد” ولم يرد، فتابع عم “عابد” قائلا ،”وبعدين ما انت عارف يا شيخ سيد  البيت فاضي بعد ما توفت الحاجة والبنات اتجوزت، مش فاضل لي غير ابنى المعلم منصور اللي شغال في المخبز لوحده  ها اروح اقعد مع مين، خلينى هنا وسط الناس”.

تعجب العمال من عودة عم “عابد” المفاجئة، خاصة وانهم أوشكوا على الانتهاء من العمل، ولكنهم استقبلوه واجلسوه على مقعده المعتاد بجوار المقعد الخالي المخصص لإبنه المعلم منصور، وسألهم كعادته “فين ابنى المعلم منصور؟”، فأجابوه بالإجابة التي توافقوا عليها ” ذهب لشراء طحين للمخبز”.

جلس عم عابد صامتا على غير عادته، وقد طافت كل الذكريات بمخيلته، وتأمل كيف بدأ رحلته للبحث عن لقمة العيش من بلدته البعيدة، ثم عمله مصادفة بالفرن وتمسكه بهذا العمل طوال عمره، حتى اصبح المالك للمخبز، ثم زواجه من “عطيات” التي كانت دائما عصبية و مشتعلة كالنار بفرن المخبز الذى كان يقف امامه لساعات، وحينما يقترب منها تكون باردة جافة، وتقبله ضاجرة للحظات، ثم تدفعه سريعا عنها دونما أي روح أو احساس، أما بناته فكن في عالمهن الخاص، لا يريدون منه سوى الاستمرار في العطاء.

وعندما رزقه الله بالولد فرح كثيرا ، وظن أنه آن الاوان ليرتاح، لكنه كان خائب الظن، فلم يكن ولده نسخة منه، بل كان شيئا آخر، لا يريد أن يتعب في حياته، كان كأخواته البنات يريد الاستمرار في حصد الراحة مقابل تعب ابيه، حتى توفى فجأة إثر حادث أليم، توقف عنده عقل عم “عابد”.

تعود العمال والزبائن على سلوك عم “عابد” فلم يعد غريبا عليهم ما يقوم به، حيث يجلس صامتا، ينظر في الهواء البعيد، كأنما يتطلع الى قدوم ولده الوحيد ليساعده، ويخصص له مقعدا خاليا ليجلس بجواره، ويرفض أن يجلس عليه احد من العمال. وأحيانا تجده يتحدث ويلتفت الى المقعد الخالي ويعلو صوته ويشتد بكلمات غير مفهومة، خاصة حينما يدعو ولده للذهاب الى الصلاة بالمسجد معه، كان هذا المشهد يتكرر عدة مرات كل يوم، فلا ولده يذهب معه للصلاة ولا هو يكف عن عتابه له.

انتبه عم “عابد” من غفلته حينما سمع صوت الاذان، وقال لأحد عماله “خلص بسرعة اللي في ايدك وتعال خدني على الجامع، المعلم منصور ها يقابلني هناك”، ثم صمت عم “عابد” وأسند رأسه الى ظهر مقعده متطلعا الى الفضاء البعيد، لقد ذهبت روحه للقاء ولده.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.