الفن والثقافة

الناقد شريف الجيار لـ (وضوح ):دور المثقف هو البناء ونشر الإيجابية

خطابنا الإعلامي في حاجة إلى إعادة صياغة وتأهيل

أدعو إلى مشروع للقراءة يبدأ من الطفولة المبكرة

الواقعية السحرية ظهرت في الرسم ثم انتقلت إلى الأدب

حاوره: حاتم السروي

يبدو الحديث مع مثقف مثل الدكتور/ شريف الجيار شيقًا وفاتحًا لشهية الباحثين نحو المزيد من القراءة والفهم لمعرفة الواقع الثقافي؛ إذ يتسم الجيار بسعة الاطلاع وثراء التجارب واشتباكه مع الواقع الثقافي والاجتماعي عبر آراء تتسم بترتيب الأفكار وترابطها والقدرة على التحليل المنطقي، كيف لا وهو ابن الجمالية ذلك الحي الشعبي العريق الذي يعلم سكانه الحياة قبل أن يتعلموا الأبجدية، وهو أستاذ النقد والأدب المقارن بقسم اللغة العربية/كلية الآداب- جامعة بني سويف، كما أنه كان الوكيل السابق لوزارة الثقافة، وقد كرمته عدة دول منها الولايات المتحدة الأمريكية التي كان مبتعثًا إليها ومنها حصل على (دراسات ما بعد الدكتوراه) في النقد والأدب المقارن – وهو من القلائل الذين حصلوا عليها- وكرمته أيضًا الهند وإندونيسيا كما أنه حاضر في كندا.

وحرصاً من “وضوح الإخباري” على التفاعل مع المشهد الثقافي الراهن وتعريف القارئ بأهمية دور المثقف في بناء الوطن التقينا الدكتور شريف الجيار المعروف بنشاطه الثقافي ومساهماته النقدية، فكان هذا الحوار.

*من المعروف عنك أنك دائم الابتسامة فما الذي تقوله للمحبطين ؟

  • أقول لهم أن المثقف عليه دورٌ تأسيسي في بناء الوطن وأن دوره التنويري ينبغي أن يؤكد وجوده في الشارع المصري لاسيما بين الفئات البسيطة التي تحتاج إلى التنوير تمامًا مثل حاجتها إلى الغذاء والكساء، إلى جانب هذا فإن المثقف له دور مهم في تثقيف الشباب لاسيما شباب الجامعات والمدارس الثانوية حتى لا نترك أبناءنا فريسة للتيارات الظلامية التي تحاول أن تعيد تنظيم نفسها مرة أخرى لتستقطب عقول الشباب المصري والعربي، ورغم هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها المنطقة العربية الآن فإن المثقف العضوي يمتلك من المقومات والقدرات ما يجعله يقيم توازنًا نفسياً مع واقعه الاجتماعي؛ فإذا لم يمتلك المثقف قدرة على التوازن والاحساس بالمسئولية في ظل الظروف الصعبة فمن سيمتلك هذه القدرات، وهو ما يحمله المسئولية عن الإسهام في طرح خطاب ثقافي عربي تنويري يساند شعوب المنطقة لاسيما الفئات التي حرمت من التعليم والحياة الكريمة.. على المثقف إذن وبكل وضوح أن يقدم خطاباً ثقافياً تنويرياً متوازناً وأن يخلق التوازن في نفسه أولاً؛ لأن المثقف إذا استسلم للإحباط والشعور بالاغتراب في وطنه فإن هذا سيؤدي إلى كارثة مجتمعية خطيرة من الممكن أن تهز أوطاناً بأكملها؛ فإذا جاء المثقف ليخاطب مجموعة من الشباب على سبيل المثال وصدَّر لهم خطاباً محبطًا فما الذي تنتظره من هؤلاء الشباب سوى الكوارث، ومن ثم نأمل في خطاب ثقافي يبث الأمل المبني على أسس علمية والتفاؤل الموضوعي حتىيحفالشباب لبناء مستقبلهم في ظل واقع مفعم بالتحديات.

الفضاء التكنولوجي

*هل تعتقد أننا بحاجة إلى الرومانسية في الأدب مجدداً وفي الحياة أيضاً؟

  • أقول إنه في ظل الظروف المادية التي يعيش فيها العالم نتيجةً لهيمنة عولمة النموذج الأمريكي سيبحث الإنسان لاسيما المبدع عن لحظة رومانسية إنسانية يعيشها في هذا الفضاء التكنولوجي، وهو ما نراه ينعكس بشكلٍ أو بآخر على بنية الخطاب الإبداعي العالمي الذي يتم منحه الآن الجوائز إذا ما تناول القضايا الإنسانية وفي مقدمتها الإطار الرومانسي في ظل واقع دولي يعيش حالة من الفوضى والعبث.. ونحن لدينا مثالٌ حي حيث رأينا منذ أيام الكاتبة العمانية جوخة الحارثي تفوز بجائزة عالمية عن روايتها (سيدات القمر) لما تمتاز به هذه الرواية من حالةٍ إنسانية تصور لنا أنماطاً نسائية عمانية تعيش حالة التغير المجتمعي في عمان بالألفية الثالثة، فضلاً عن شاعرية اللغة التي هيمنت على بنية خطاب هذه الرواية في ظل إيقاع هادئ يقرب نصها من الكتابات الإنسانية العالمية وهو ما كان سبباً جلياً في حصول هذه الرواية على البوكر لكاتبة تدرس للطلبة الأدب العربي في جامعة قابوس وتكتب الرواية والقصة القصيرة وأدب الأطفال.

 

*حدثنا عن ملامح مشروعك النقدي؟

  • يمكنني القول بأن مشروعي النقدي يعتمد أولًا على التطور الراهن في المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة التي يشهدها العالم اليوم وفي مقدمتها المناهج النصية التي تركز على دراسة وظائف بنية النصوص ولا تقف عند حدود رصد ووصف هذه البنية وهو ما تجلى واضحاً منذ بداية أطروحتي للماجستير حينما استعنت بالمنهج الأسلوبي البنائي لتطبيقه على نصوص إبراهيم ناجي الشعرية، وحتى تكتمل أدواتي النقدية انتقلت في الدكتوراه إلى دراسة الخطاب الروائي عبر دراسة مقارنة لبعض روايات إحسان عبد القدوس التي قمت بمقارنتها مع بعض روايات الكاتب الإيطالي (ألبرتو مورافيا) وبعض روايات الكاتبة الفرنسية (فرانسواز ساجان)، ومن ثم انتقلت من البنية الشعرية إلى البنية الروائية حتى أستطيع أن أمتلك رؤية نقدية تستوعب النُّقلات التجريبية بين الشعر والسرد وهو ما أفدت منه أيضاً في الدراسات التالية لي مثلما نرى في دراستي عن أثر ألف ليلة وليلة في السرد المصري المعاصر ودراساتي عن الرواية الفلسطينية والرواية السعودية ثم كتابتي عن انتاج الكتاب الشباب وفي مقدمة ذلك دراستي عن رواية فاصل للدهشة لمحمد الفخراني ودراستي عن رواية الكاتب الكبير خيري عبد الجواد (كيد النسا) فضلاً عن دراساتي عن نجيب محفوظ وخيري شلبي وفؤاد قنديل، وبالتالي تواصلت دراساتي منذ عام 1997م وحتى 2019 الجاري لتشكل رؤية لمشروعي النقدي الذي يتكئ على بنية النص كركيزة محورية ينطلق منها الناقد لسبر أغوار النصوص الإبداعية بشكلٍ عام.

خطاب واقعي 

*لماذا توارت الواقعية في الأدب ولجأ بعض الأدباء أو كثيرٌ منهم إلى التاريخ من وجهة نظرك؟

  • أختلف معك فالحاصل أنه نتيجة لما يحدث في العالم من هزات ناتجة عن الإرهاب والتوترات الاقتصادية والطمع في منطقة الشرق الأوسط وثرواته، كل هذا جعل الكاتب العربي لا يجد مفراً في خطابه الإبداعي إلا أن يكون هذا الخطاب حالة من حالات الانخراط في واقعه بكل فوضاه، ما أود قوله أن الخطاب الروائي العربي حالياً خطاب واقعي بامتياز حتى وإن لجأ إلى التاريخ أو السحرية أو الفانتازيا وهو خطاب متماهٍ مع واقعه المفعم بالتناقضات وحالة العبث نتيجة للتيارات الظلامية التي تحاول أن تشكل جزءاً من واقعه كما نجد في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، كل هذا يدفع الكاتب إلى التعبير عن واقع البسطاء والمهمشين والأنماط الإنسانية التي تضحي بنفسها للدفاع عن وطنها العربي في ظل ظروف استثنائية صعبة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، ونحن لا يمكن أن نفصل النص الإبداعي عن واقعه السياسي والاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان العربي وما اللجوء إلى التاريخ أو الفانتازيا إلا حيلة يستعين بها الكاتب حتى يعبر عن واقعٍ مأزوم.

 

*هل من الممكن أن تحدثنا عن إسهاماتك النقدية في دراسة ما يعرف بالرواية التفاعلية أو الرقمية؟

  • انتقلت مؤخراً من فكرة الدراسات عن الرواية الورقية إلى ما أشرت أنه بات يعرف بالرواية التفاعلية وقمت بالتطبيق على رواية للكاتب المغربي (عبد الواحد ستيتو) وهي دراسة أعتبرها من الدراسات المهمة عن طريق التنظير والتطبيق لأنها تناولت تاريخ الرواية التفاعلية أو الرقمية على مستوى العالم إلى جانب أنها رصدت تاريخ الرواية التفاعلية في منطقتنا العربية والتي بدأها الكاتب الأردني (محمد سناجله) عام 2001م.

النُّقلة التكنولوجية

*كيف يمكن للمثقف أن يعيد الناس إلى الاهتمام بالكتاب الورقي؟

  • في ظل الفورة المعلوماتية والثورة التكنولوجية التي يعيشها الإنسان الآن لاسيما الشباب نجد أن القراءة للكتب الورقية قد تأثرت بشكلٍ أو بآخر لأن الجيل الجديد هو ابن هذه النُّقلة التكنولوجية ومن ثم أعتقد أن منظومة التعليم في احتياج إلى مشروع للقراءة يبدأ من السنوات الأولى في مرحلة الابتدائية بقراتءات بسيطة تم تُصعَّد هذه القراءات من الإعدادية فالثانوية والجامعة، وقد طرحت منذ سنوات داخل مجلس النواب مشروع المئة كتاب الذي يهدف إلى تثقيف الطالب المصري عبر مراحل التعليم المختلفة، وهذا المشروع يقوم على تشكيل بعض اللجان من كبار مثقفي مصر للوقوف على مئة كتاب من الكتب المهمة على مستوى العالم والتي أثرت في الحضارات العالمية ثم نبسط بعض هذه الكتب لمرحلتي الابتدائة والإعدادية ثم نطرح بعض الكتب لمرحلتيْ الثانوية والجامعة، ولا يتخرج الطالب في الجامعة إلا بعد الاطمئنان إلى قراءته لهذه المجموعة من الكتب التثقيفية وبهذا نجد خريجًا مثقفاً يضارع غيره من خريجي أمريكا وأوروبا، وأذكر أنني عندما كنت مبعوثاً أكاديمياً في جامعة شيكاغو لدراسة النقد والأدب المقارن ضمن دراسات ما بعد الدكتوراه وجدت أن كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق قد قرأه معظم من قابلتهم من طلاب الجامعة.

مشروع المئة كتاب

*كيف ننهض باللغة العربية والثقافة اللغوية بين عامة الناس؟

  • تمر اللغة العربية في الوقت الراهن بأزمة تتجلى في ضعف مستوى الطلاب والخريجين حتى في أقسام اللغة العربية نتيجةً لقلة الثقافة والمعرفة الخاصة بهذه اللغة وأسرارها، فضلاً عن هيمنة الخطاب التكنولوجي على صفحات الفيس بوك والشات واستخدام لغة الفرانكوآراب التي تدمج بين الحرف اللاتيني والأرقام للتعبير عن مفردات وجمل عربية، كل هذا أدى إلى الضعف البصري تجاه رؤية الحرؤف العربي فالعين لم تتعود عليه، إلى جانب قلة الحصص الخاصة بتدريس اللغة العربية في مدارس اللغات إلى جانب عدم الاهتمام بحصص القراءة في المدارس، كل هذا أدى إلى ضعف عام في المعرفة باللغة العربية واستخدامها على نحوٍ صحيح؛ لذا فإن مشروع المئة كتاب الذي طرحته مسبقًا سيكون مفيدًا إذا تم تطبيقه على مراحل التعليم المصري، إلى جانب أن الخطاب الإعلامي في احتياج إلى إعادة صياغة وتأهيل لمعظم من يظهر على الشاشة ويقيم حوارات بلغة عربية ينبغي أن تكون معتدلة، وللأسف نرى الإعلام لدينا غالباً يقدم لغة ركيكة تشكل وجدانيات وأفكار وطريقة أداء مغلوطة للأطفال والشباب.

 

*إذا كانت الفلسفة مهمة للناقد فمن هم الفلاسفة وأصحاب الفكر الذين تحب أن تقرأ لهم؟

  • من المفضلين عندي أرسطو في الأساس وأفلاطون لأنهما بدءا ما يُعرف بالبيوطيقا أو الشعرية أو من الممكن أن نسميها الأدبية بمعنى كيف يعبر الكاتب عن حالته أي الأدوات التي يستعين بها المبدع في كتاباته حتى يشكل عالمه الإبداعي، فضلاً عن ذلك أحب القراءة لجان بول سارتر الذي أكد على الفلسفة الوجودية التي أعطت الإنسان شكلاً من أشكال الحرية المسئولة التي لا تحافظ على ذاته فقط بل تعطي الحرية كاملةً لذوات الآخرين.

اللحن التكنو

*من المعروف عنك حبك للموسيقى فما رأيك في الساحة الغنائية في الوقت الراهن؟

  • تمثل الأغنة انعكاسا لما تعانيه ثقافتنا العربية في الوقت الراهن، فبعد أن تشبعت آذاننا بموسيقى عمار الشريعي ومن قبله بليغ حمدي إلى جانب كلمات الأبنودي وحسين السيد وصلاح جاهين وغيرهم إلى جانب أصوات عبد الحليم ونجاة وفيروز، نجد أن الأغنية الآن تعتمد على اللحن التكنو يعني أنه بمجرد أن تعطي الكومبيوتر جملة لحنية يقوم الجهاز بتشكيل باقي اللحن دون بذل مجهود إبداعي يذكر من الملحن وهو ما لم نجده في أجيال سابقة من الملحنين الموهوبين؛ فلم يعد هناك فريق عمل ولا بروفات بالمفهوم القديم ولم تعد ثمة حاجة إلى الأوركسترا لأن التكنولوجيا من الممكن أن تحل محلها، بحيث يمكن لعازف أورج أن يحل محل فريق موسيقي كامل وهو ما قلص من حالة الإبداع التلحيني، وأدى في النهاية إلى ضعف عام في الذوق الغنائي أوصلنا إلى هيمنة ما يُعرف بأغاني المهرجانات التي تعتمد فقط على التوزيع التكنولوجي للحن والصوت ولا نجد أمامنا إلا مجموعة من المؤدين الذين لا يمكن أن نطلق عليهم مطربين.

 

*أخيراً ما هو أول كتاب قرأته وآخر كتاب؟

  • أول كتاب قرأته وأثر فيَّ حتى هذه اللحظة هو حكايات ألف ليلة وليلة، وأقوم الآن بقراءة كتاب بالإنجايزية عن الواقعية السحرية وتاريخها على مستوى العالم وهو كتالب يؤكد على ظهور مصطلح الواقعية السحرية عام 1925 على يد الناقد الفني الألماني (فرانز ره) وقد ارتبطت في ظهورها بالفنون التشكيلية وموجة السريالية وفنون ما بعد التعبيرية وهو ما انتقل بعد ذلك إلى الأدب وبالمناسبة فإن لي إسهامات في الترجمة حيث ترجمت رواية (الحديقة السرية) للكاتبة الإنجليزية (فرانسيز هودجسن برنت) وصدرت الترجمة عام 2016 عن المركز القومي للترجمة، كما ترجمت لمجلة فصول مقال بعنوان (رؤية الغرب للشرق في ظلال ألف ليلة وليلة) للكاتب الألماني (هارتموت فاندريش).

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.