أراء وقراءات

النسبية بين رامي و أينشتاين

بقلم :    ياسر راجح  

“من كتر شوقي سبقت عمري و شفت بكرة و الوقت بدري ”  

بهذه الكلمات الرقيقة للشاعر أحمد رامي ( –  1892  1981 ) م شدت كوكب الشرق أم كلثوم لأول مرة في سبتمبر من العام 1944م , و فيها يعبر رامي عن فرحته الغامرة بعدما رق له قلب محبوبته و وعدته بلقاءٍ طالما تمناه ليخبرها فيه عن ما يحمله لها في قلبه من مشاعر حبٍ قديم خبت جذوته و إنزوت في حياءٍ تحت ركام السنين لكنها لم تطفئ أبدًا يومًا ما .

 و لم يكن رامي وقتها يعرفُ شيئًا ما عن النسبية الخاصة أو العامة لأينشتاين عندما إستعمل تعبيره المجازي في السفر عبر الزمن ليسبق بذلك عمره فيرى غده الأن و الوقت بدري شوقًا لهذا اللقاء المنتظر, كما لم تكن محبوبته تدري شيئًا ما عن مشاعره تلك في حينها, لعلها كانت مشغولةٌ عن ذلك بالدراسة كمعظم البنات فلم يكن لديها من الوقت ما تضيعه في مثل هذه الأمور التي إعتاد كثيرٌ من الشباب إهدار وقتهم فيها في السن المبكر الحرج.

و بعيدًا عن رامي و محبوبته, هل يمكن للإنسان حقًا أن يستقل قطار الزمان مسافرًا يتنقل بين أغوار الماضي و أفاق المستقبل بحثًا عن المجهول ؟!  

يجيب العلم بنعم, ممكن, و لكن كيف ؟!

في نظريته النسبية الخاصة عام 1905م إكتشف العالم الألماني المولد , السويسري والأمريكي الجنسية (تخلى عن جنسيته الألمانية) إلبرت أينشتاين ( 1879   ( 1955 م أن زمن حركة الجسم يتمدد كلما زادت سرعته مقتريةً من سرعة الضوء ( 300000 كم/ث – 186000  ميل/ث ) بحيث يمضي الزمن بالنسبة له بطيئًا جدًا مقارنةً بمضيه في حالة الحركة بالسرعات العادية , ما يؤدي إلى إنتقال هذا الجسم المتحرك بتلك السرعات العالية جدًا مسافرًا عبر الزمن إلى مكانٍ ما في عالمٍ أخر بعيد !

ولتقريب الفكرة تخيل أن عمرك كان عشر سنوات عندما قررت مغادرة الأرض منطلقًا في الفضاء الفسيح بسرعة حوالي 90%  من سرعة الضوء في رحلةٍ إستغرقت خمس ُ سنوات مثلاً , عدت بعدها لتجد أمامك مفاجئةً مذهلة , حيث ستجد أن جميع من تركتهم في مثل سنك وقتذاك قد بلغوا الستين من العمر !

قد يبدو هذا الكلام غريبًا جدًا بشكل يصعب على الكثير من الناس إستيعابه وتصديقه لا سيما البسطاء منهم , لكنها حقيقةً علمية أثبتتها التجارب العملية عندما وضع أينشتاين ساعة ذرية دقيقة جدًا في طائرةٍ نفاثة تطير بسرعة أكبر من سرعة الصوت (  1235  كم/س –  768  ميل/س ) لمدة ساعات و هي سرعةٌ كبيرة جدًا , و بعد عودتها إلى المطار وجد أن الساعة التي كانت في الطائرة تؤخر جزءً من الثانية مقارنةً بساعة أخرى من نفس النوع كانت موجودةً على الأرض و لم تتحرك .

لم يقف أينشتاين عند هذا الحد بل إنه إكتشف عن طريق ملاحظته للساعات الذرية أيضًا أن كل ساعة منها تُظهرُ زمنً أخر مختلف عن الأخرى عند وضعها على إرتفاعات مختلفة على الأرض و بالتالي جاذبية مختلفة, و على الرغم من أن الإختلافات فيما بين النتائج التي حصل عليها في تلك التجارب  كانت صغيرةٌ جدًا تقاس بالنانو ثانية إلا أن ذلك     كان دافعًا له لتقديم مفهومٍ أخر  جديد لتمدد الزمن في العام 1907  م أطلق عليه تمدد الزمن الثقالي أو تمدد الزمن بفعل الجاذبية.  

و من هذا تتضح حقيقة إرتباط الأبعاد المكانية الثلاثة المنظورة ( الطول و العرض و الإرتفاع ) إرتباطًا عضويًا لصيقًا ببعدٍ أخر رابع غير منظور هو الزمن في نسيجٍ ثلاثي الأبعاد  محيط بالكون طولاً و عرضًا و إرتفاعًا, لا يعلم مداه إلا الله سبحانه و تعالى  يسبح فيه كل شيئ مما نعلمه و مما لا يحيط به علمنا القاصر المحدود  من موجودات و ربما حيوات و مخلوقات لا يعلمها إلا الله الخالق العظيم سبحانه و تعالى,  أطلق عليه أينشتاين نسيج الزامكان Space – Time  !

و إستنادًا إلى هذه الحقيقة العلمية المدهشة , دعونا نتسائل, ماذا لو كان السفر عبر الزمن ممكنًا فعلاً و كانت لديك ألة للتنقل عبر الزمن,  في أي زمنٍ ستختارُ أن تكون , أفي الماضي الذي تظن أنه معلوم  أم في المستقبل البعيد المجهول ؟   

قد يدفعك الحنين إلى العودة إلى الماضي و ما فيه من ذكرياتٍ جميلة دافئة , وقد تعتقدُ أن في عودتك إلى الماضي محملاً بخبرات و معارف المستقبل الذي هو حاضرك الأن ميزة , لكن الأمر ليس بهذه البساطة أبدًا , فمهما بلغت عبقرية ما تحمله من أفكارٍ سابقةً لعصرها فإنك ستجدٍ حتمًا من يسفهها و ربما إتهمك بالجنون بل و التخلف أيضًا , فدائمًا ما تحتاج الحقيقة إلى من يعيها و يفهمها قدر إحتياجها لمن يجهر بها .

و قد يدفعك الشغف و الفضول إلى التوجه نحو المستقبل لمعاينة ما ينطوي عليه من أحداثٍ و مفاجئات تنبأ بها علماء المستقبل , مثل سيطرة الروبوتات على حياة الناس و بناء ناطحات السحاب المقلوبة الممتدة في عمق الأرض و قضاء العطلات خارج الأرض, في الفنادق الفضائية على كوكب المريخ أو سطح القمر و سيارات الأجرة الطائرة … إلخ

يبدو الأمرُ رائعًا حقًا , لكن مهلاً , فحتى لو كانت لديك تلك الألة العجيبة التي تمكنك من السفر متنقلاً عبر الزمن , ما الفائدة منها لو لم تكن لديك القدرة و الإمكانات اللازمة للتكيف و الإندماج مع حركة و طبيعة الحياة و الناس في الأزمان البعيدة المختلفة ؟

قد يكون السفر عبر الزمن تجربة مثيرة حقًا , لكن صدقني يا صديقي من الصعب على الإنسان أن يعيش غريبًا في زمانٍ أخر مختلف سابقً لعصره أو متأخرًا عنه .  

17 أغسطس 2021 

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.