الصراط المستقيم

دورس مستفادة من وقفة عرفات

بقلم د./ محمد النجار

عندما تنظر الى يوم عرفة واجتماع الناس فيه اليوم ب20-08-2018 الاثنين 9 ذو الحجة ، وبيان السعودية ان عدد الحاضرين في عرفة حسب الاحصائيات الرسمية اكثر من اثنين مليون حاج من جنسيات مختلفة عددها أكثر من (165) جنسية.. ومئات اللغات والاف اللهجات .. كلهم يتوجهون لقبلة واحدة ويؤمنون برسول واحد ، ويقرأون كتابا واحدا ، ويتوجهون بالدعاء لإله واحد .. وكلهم جاءوا على نفقاتهم الخاصة ، ومن طبقات اجتماعية مختلفة ، فلن تجد على ظهر الارض اجتماعا منظما مثل هذه الاجتماع ، وبالطبع ليس لأن السعودية هي التي نظمت وانما الحجاج كلهم هم اصحاب هذا الاجتماع ولولا ايمانهم بهذه الشعائر ماكانت أي دولة تستطيع عمل هذا التنظيم .
فالحج هو دعوة أبو الأنبياء وخليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وعلى آلهما، يقول تعالى لسيدنا إبراهيم: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}.
لذلك نستخلص من يوم عرفات معان رائعة ينبغي ان نركز عليها في ايجاز :
1. فريضة الحج تحقق الوحدة لأبناء الاسلام والمسلمين:
وهذا درس للمسلمين بأهمية الاجتماع ونبذ الاختلاف والتفرق، لأن الخلاف شرّ والاجتماع خير وقد أمرنا الله في كتابه الكريم بالاجتماع فقال سبحانه : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا }[ ال عمران : 103 ] وقال سبحانه : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } [ سورة الأنفال : 46 ] .
2. تحقيق الاخوة الاسلامية :
فعندما تجتمع (165) جنسية بمختلف لغاتهم وبلداهم وألوانهم في هذا الاجتماع الواحد فإن الفوارق بينهم تذوب ، سواء فوارق الفقر والغنى ، فوارق المناصب والجاه والقبيلة ، فوارق اللون والعرق ، فإن هذا يحقق الوحدة الحقيقية بين الشعوب خاصة عندما يجلس الرئيس جانب المرؤوس والفقير بجانب الغني .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :{ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر }.( رواه مسلم )

3. تحقيق مخالفة المشركين واعداء الامة :

لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلبية المشركين ، حيث كانوا يزيدون في التلبية بقولهم : ((لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك )).
وكان المشركون يقفون في المزدلفة وخالفهم ووقف في عرفات بأمر من ربه عز وجل .قالت عائشة رضي الله عنها 🙁 كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحُمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله- تعالى – نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها وذلك قوله عز وجل :{ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [ سورة البقرة :199] (متفق عليه) .
كما خالف النبي صلى الله عليه وسلم المشركين بعدم النزول في وادي مُحسّر وذلك لأن الله تعالى قد حبس الفيل في هذا الوادي ولأن قريشاً كانت تنزل فيه وتفتخر بأنسابها وأحسابها فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الصحابة بالإسراع ولم ينزل في الوادي ولم يفعل ما كانت تفعله قريش .ولا شك ان هذاكله يدعو كل مسلم رجل كان او امراة إلى الاعتزاز بدينه ومخالفة المشركين في أعمالهم .
4. ملابس الاحرام والكفن

تتشابه ملابس الاحرام مع الكفن الذي يغادر به الانسان الحياة الدنيا ، وليس فيه أي جيوب يضع فيها مالا أو مالا او منصبا ، وانما هي ملابس بسيطة للغاية يتساوى فيها الغني والفقير ، فيتذكر الانسان الموت والخروج من الحياة بلا أي متاع ، فتكون أبلغ عظة له في الرجوع الى الله والالتزام بدينه وشريعته وحبه لأهله ووطنه وعشيرته ، وحبه لكل الناس ، لكن الفارق بين لبس الاحرام ولبس الكفن أن لبس الاحرام يستطيع الانسان الى الرجوع الى حياته العادية بعد خلعه ، أما لبس الكفن فهيهات ان يستطيع خلعه ويعود للحياة ..
5. الحج تذكرة بيوم القيامة

إن حركة الحجاج المنطلقة في اتجاه واحد من منى إلى عرفات يوم التروية ، ثم الى عرقات ثم الاحتشاد والنفرة من منى إلى المزدلفة ثم الرحيل من المزدلفة الى منى في توقيت واحد ثم إلى منى وهم يسيرون في وقت واحد وفي اتجاه واتجاه واحد يجعل المسلم يتذكريوم القيامة الذي شببه الله تعالى في قوله:{ يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون *خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون }[ سورة المعارج :43-44 ] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ( أي :يقومون من القبور إذا دعاهم الرب تبارك وتعالى لموقف الحساب ينهضون سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون.
وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك :إلى علم يسعون .
وقال أبو العالية ويحيى بن كثير :إلى غاية يسعون إليها ) [1] والفارق هنا أن الحجاج لا ينتابهم الخوف ولا الهلع ، الذي ينتاب الناس يوم القيامة إلا من استثناه الله تعالى من عباده المؤمنين . وما أروع قول الله تعالى حينما شبه حال الناس يوم القيامة كأنهم سكارى من شدة الخوف والهلع :{ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم *يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } [سورة الحج :1-2].
6. تحقيق تقوى الله وتوحيده

يقول الله تعالى في وجوب اجتناب المعاصي والآثام و الرفث والفسوق والجدال في الحج فقال سبحانه وتعالى : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب } [ سورة البقرة:197] .
ولا يتحقق ذلك إلا باتباع اوامر الله ويحففون مايرددونه في الحج : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .
وهذا هو التوحيد القولى الذي تحقق مع التوحيد الفعلي باتباع اوامر الله والانتهاء عما نهى عنه سبحانه وتعالى .
نسأل الله تعالى ان يرزق المسلمين الرشد والصواب والعودة الى صفاء دينهم والارتقاء بشعوبهم حتى تتحقق لهم العزة والكرامة وتحرير مقدساتهم وتعود الى ريادة العالم من جديد

د.محمد النجار 20-08-2018م الاثنين (يوم عرفات) 09 ذوالحجة 1439هـ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق