الصراط المستقيم

رمضان مدرسة الصبر..

كتب د/ محمد النجار

عندما نتأمل دروس شهر رمضان ، نجد ان شهر رمضان يمثل مدرسة الصبر للمؤمنين الحقيقيين .. وأن صوم شهر رمضان صياما حقيقيا يمثل تدريبا عمليا على الصبر, والتعود عليه .
ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( الصوم نصف الصبر ))[أخرجه الترمذي].
ويتمثل الصبر في ثلاثة أنواع :
1. صبر على طاعة الله
2. صبر عن محارم الله
3. صبر على أقدار الله المؤلمة.
والمتأمل لهذه الثلاثة أنواع للصبر يجدها كل مجتمعة في الصوم , فإن فيه صبراً على طاعة الله
إن هذا التعب والألم الناشئ عن أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه, كما قال تعالى في المجاهدين :
((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة120 وأجر الصيام يضاعفه الله اضعافا كثيرة للصائمين ، ولا يعلم هذا الجزاء إلا هو سبحانه وتعالى , فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِلَّا الصَّوْمَ ، فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ) رواه مسلم (1151))..
قال ابن رجب – رحمه الله – في الحديث : ” فعلى هذه الرواية يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة, فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلّا الصيام فإنّه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد, بل يضاعفه الله عز وجل أضعافاً بغير حصر عدد, فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر : 10] ”
ومن هنا يتبين مدى ارتباط الصوم بالصبر ، والاجر العظيم الذي كتبه الله للصابرين على الصيام
والصبر مدرسة لاكتساب اخلاق الاسلام الرفيعة .
وقد ذكر الله الصبر واجر الصابرين في اكثر من موضع في القرآن الكريم , وأثنى على أهله القائمين به, ووعدهم بالأجر الجزيل لهم. قال تعالى : {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ} النحل: 127
وقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} الشورى: 43 وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ واتقوا الله لعلكم تفلحون} آل عمران:200
وقال : {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} البقرة : 155 . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه : «ومن يتصبر يصبره الله وما أُعطي أحد عطاءاً أعظم ولا أوسع من الصبر ».

والمؤمن الصائم يتعلم دروسا كثيرة من الصيام والصبر عليه :
_يتعلم المؤمن عندما يترك طعامه وشرابه وشهواته عند صومه التحكم في نفسه وكيفية لجم شهواتها وغيها.
_يتعلم كيف لا يقابل الاساءة بالسيئة وكيف يتحكم في نفسه عند الغضب ، فلا تضطرب نفسه ، ولا يحزن قلبه ، ولا ينفلت لسانه ، وما أعظم المثل الذي ضربه الله تعالى في صفة قابيل وهابيل عندما لم يقابل الاخ المُساء اليه فقال :
{لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ…} [المائدة:28].
ولذلك تجد الصائم المحتسب، هادئ النفس ، ساكن الجوارح لا يثور لأتفه الأسباب ، لأن صيامه لله وصبره بالله, وجزاءه على الله.
_ تطهير القلب والجوارح من الغل والحقد وسيء الخصال ، فلا يؤذ الصائم جيرانه ، ولا أقاربه وأحبابه، انه الفرصة التي يتعلم منها المسلم كيف يضبط جوارحه ،فشهر الصوم كفيل بأن يعلمك الحلم والأناة (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ).
_ينشأ مع الصوم والصبر ، تعويد الانسان على خشونة العيش ، فيتدرب المسلم على كيفية مواجهة الازمات الاقتصادية التي قد تطرأ على حياته، فكثير ممن تربوا على الرفاهية اضطربت حياتهم مع اول ازمة اقتصادية واجهتهم، وحوادث الانتحار في الغرب وما استجد على المسلمين حديثا تشهد بمدى خطورة تلك الثقافة التي لاتعرف المعنى الحقيقي للصوم و الصبر على الحياة .
_ رمضان يربي الإنسان على احتقار الدنيا والنظر للباقي وتقديمه على الفاني ، فرمضان شهر النفقة والإحسان فرمضان يربي الإنسان على الجود والكرم ، ورسولنا كان أجود ما يكون في رمضان

_إن الأمة الصائمة صياما حقيقيا ، والمحتسبة الاجر من الله وعنده ، تتعلم الإنضباط من الصبر على النظام, و تحرير افرادها من أسْر العادات،فتستطيع مقاومة الازمات ، والزود عن الارض والمقدسات ، لأنها أمة قوية بإيمانها بربها ، وتشعر بمعية الله معها …
فما أشد حاجتنا إلى الصبر, وتوطين النفس على المكاره.
_ اننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، أمة خاتم الانبياء والمرسلين ، وعلينا مهمة الدعوة الى الله واصلاح البشرية اجمع ، ولن تتحقق الدعوة لاصلاح البشرية إلا بالدعوة الى الله ، والصبر على البشرية حتى تفهم طبيعة الدعوة الى الخير.
و تعظم همة الداعي إلى الحق والإصلاح بقدر صبره, وبقدر ما يتوقعه من مآسي الحياة التي تواجهه من فقد محبوب, أو نزول شر و مكروه. فالصبر ضروري لأهل الحق في دعوة النّاس, كما إن الصبر ضروري في انتظار النتائج.
كما يجب على امة محمد صلى الله عليه وسلم الدفاع عن مقدساتها وحرماتها ، واذا لم تتسلح بالصير والايمان ، فكيف لها ان تحمي مقدساتها وتزود عن حرماتها إذا لم يتعلم شبابها الصبر في مواجهة اعدائها . فالصوم كان حليف المسلمين في انتصاراتهم في كثير من معاركهم ..

_أخيرا.. فإن الصبر من أعظم الأخلاق, وأجل العبادات..وأعظم انواع الصبر هو الصبر على امتثال أمر الله, والإنتهاء عمّا نهى الله عنه, وبهذا نستحق اعظم الثواب.
نسأل الله أن يبلغنا شهر رمضان ، وأن يرزقنا أحسن الاخلاق ، وان يرزقنا الصواب في الفكر والقول والعمل وان يرزقنا شهادة في سبيله أو موتتة في بلد حبيبه صلى الله عليه وسلم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق