الفن والثقافة

سافوريا

اعلان

 

هو ده يا افندم ،كانت تلك العبارة التى قالها صاحب محل الدهب المسروق كافية لكى تغير مجرى حياة أحد المتهمين فى القضية ،ويبدأ بعدها فى قضاء مدة داخل السجن ،زادت المدة بعد زيادة المشاكل التى تعرض لها داخل السجن جراء إعترافاته أثناء التحقيق والتى اعتبرها شركائه فى الجريمة بمثابة الخيانة لهم ،ونظراً لنحافته وقصر قامته فقد تعرض لأنواع عدة من محاولات الإنتقام ،ولكنه تصدى لكل تلك المحاولات برغم صغر جسمه ،مما جعل زملاء السجن يطلقون عليه اسم سافوريا.

نسى سافوريا إسمه الحقيقى ،فلم يكن يسمعه إلا نادرا ،فى المناسبات الرسمية فقط ،أو فى جلسته مع زملائه المقربين من قدامى المساجين أمثاله،أما المساجين الجدد فقد كانوا يخشونه،ويتناقلون الحكايات التى تصفه بأنه من عتاة المجرمين ،والحقيقة أنه بعد إرتكابه لجريمته الاولى والاخيرة فى بداية شبابه ،لم يرتكب أى شئ بعد ذلك .

كان من الممكن أن يخرج  سافوريا ليعيش حياته العادية ،لكن تورطه فى العديد من المشاكل للدفاع عن نفسه داخل السجن ،ضاعف مدة سجنه عدة مرات لم يعد يذكرها ،وانسلت سنوات عمره تباعاً،وقد اعتاد على الحياة داخل السجن ،وانقطعت عنه أخبار أُسرته بالخارج ، ونسيه جميع  أهله ،كما نسى هو الجميع .

عاش سافوريا حياته داخل حياة من حوله ،يستقبل الجدد من السجناء ،ويحميهم فى بعض الأحيان من سيطرة القدامى ،ويوُدِعُ من إنتهت مُدَّتهم ،ويحل مشاكل البعض منهم ،بالتفاهم أحياناً ، والقهر أحياناً أُخرى ،كان سافوريا يعتقد أن ما يقوم به مع السجناء الجدد حتى يتجنبوا المصير الذى صار اليه ،ولا تضيع سنوات أعمارهم فى صراعات لاطائل من ورائها ،هو رسالته فى الحياة .

يعرفه الجميع سواء المسجونين أو السجانين ،وعرفهم جميعا ،فهم كل عالمه الذى يعرفه،وذات صباح تجمع المساجين فى ساحة السجن وبدأ الشاويش فى الإعلان عن أسماء المفرج عنهم من المسجونين للبدأ فى إجراءات الافراج عنهم ،وتعالت صيحات الفرح تليها أحضان التهنئة بعد قراءته لكل إسم ،ولا يغادر أحدهم المكان الى عنبر الإفراج إلا بعد أن يصافح سافوريا،واستمر الشاويش فى ندائه ،حتى وصل الى إسم ..سيد عبدالتواب البحر ،فلم يرد أحد ،وأعاد الشاويش النداء مرات عدة ،فلم يجيبه أحد ،وصمت الجميع لفترة ،حتى علا صوت أحد قدامى المساجين قائلا ..ده اسم سافوريا.. ياشاويش،فتعجب الشاويش قائلاً مش بترد ليه ياسافوريا…إنت نسيت إسمك ؟؟ إنت مش نفسك تخرج من السجن ؟؟ .

،لم ينطق سافوريا بكلمة ، و ظل صامتاً من الصدمة التى جاءت مباغته ،ورفض أن ينتقل إلى عنبر الافراج ،وظل على حالته واجماً ،يفكر.. فهو لم يكن مستعداً لهذا اليوم من قبل ،ولا يدرى إلى أين سيذهب ،ولمن سيلجأ فى الخارج ،فلم يكن له اخوة ،كما أنه لم يتزوج ليكون اسرة وأبناء ،لقد عاش حياته كلها تقريباً داخل السجن ،وصار عالم السجن هو عالمه الوحيد الذى يعرفه .

تصاعد الموقف ،واستدعاه مأمور السجن ،وتفهم المأمور تَـخَوَّف سافوريا من المجتمع خارج السجن ،و طمأنه ووعده بالمساعدة لإيجاد فرصة عمل خارج السجن لدى معارفه ،لكن سافوريا أصرَّ على أنه إذا خرج من السجن سيموت ،وطلب من المأمور أن يتركه فى السجن ليموت وسط أصدقائه ،فهم كل مالديه فى الحياة ،وماجدوى خروجه الآن بعد أن تقدمت به سنوات العمر ،ولم يعد لديه الكثير من الوقت  ليبدأ حياة جديدة وحيدا فى عالم لم يتعود عليه ،وتعجب المأمور من طلبه ،ولكنه وافق على طلب سافوريا أن يمضى ليلته الاخيرة مع زملاء العنبر القدامى .

احتفل الجميع بخروج سافوريا على طريقتهم الخاصة ،ولكن سافوريا أمضى ليلته الأخيرة واجماً لا يغمض له جفن،حتى كان الصباح وانتهت إجراءات الإفراج ،و تجمع المفرج عنهم فى ساحة الخروج فى إنتظار النطق بأسمائهم ليجتاز كل منهم باب الخروج إلى الحرية ،وأخذ الشاويش يقرأ الأسماء تباعاً ، ومع كل إسم ،يخرج أحدُهم تودعه صيحاتُ التهنئة ،وتستقبله صيحاتُ الفرح ،وأحضان الشوق من الأهل والأحباب ،حتى وصل إلى إسم سيد عبدالتواب البحر ،فلم يرد أحد ،وأعاد الشاويش النداء ،فلم يرد..فقال الشاويش : تانى ياسافوريا….وتساءل الشاويش متعجبا .. .هو فين الجدع ده…؟؟.. والتفت الجميع يبحثون عن سافوريا، فوجدوه جالساً على الارض ،مستنداً برأسه على الحائط ،فهزه أحد زملائه قائلاً …ياسافوريا …رد على نداء الشاويش ..عشان تخرج ؟؟؟ لكن سافوريا لم يرد على نداء الشاويش …فقد رد على نداء السماء وخرجت روحه الى بارئها .

الوسوم
اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق