الصراط المستقيم

طرقات على باب التدبر

سورة الأعلى

اعلان

كتب/دكتور محمد علي يوسف.

سورة الأعلى هي السورة الوحيدة في القرآن التي بدأت بالأمر بالتسبيح

سور كثيرة بدأت بتسبيحات بصيغة الماضي أو المصدر لكن في سورة الأعلى يأتي التسبيح بصيغة الأمر
سبِّح
نزه ربك
عظمه واعرف قدره
ولقد ارتبط فيها الأمر بالتسبيح بصفة من صفات الله وهي العلو واسم من أسمائه وهو الأعلى
والتسبيح هو التنزيه عن كل نقص وعيب
ومن النقص الدنو في أي صفة أو فعل فالسورة تغرس في نفس المؤمن هذا التعظيم والتنزيه من خلال ترسيخ صفة العلو في كل ما له شأن بالمولى ﷻ سواء في صفاته او في أسمائه وهذا يعد أهم ما تدور حوله السورة وتلخصه مقدمتها
ترسيخ معنى علو الله وعظمة صفاته وتنزيهها عن أي نقص
وهذا يظهر من بداية السورة إلى منتهاها
من أول آية يكلمنا ربنا عن التسبيح ويربط ذلك باسمه الأعلى
ثم تستمر السورة في عرض تجليات ذلك العلو
إن ربك هو الأعلى في كل شيء
الأعلى في خلقه وتسويته “الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ”
الأعلى في تقديره والأعلى في هدايته لخلقه “وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ”
الأعلى في رزقه لعباده “وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ”
الأعلى في إحاطة سلطانه بكل شيء ونفاذ مشيئته على كل شيء حتى الذكر والنسيان “سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه”
الأعلى في علمه بكل شيء “إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ”
الأعلى في تشريعه لخلقه وتيسيره عليهم “وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ”
هذا العلو الكامل في كافة الصفات الذاتية والفعلية ينبغي أن يتذكره المتدبر وأن يذكر به الدعاة والمصلحون دائما
“فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَ”
إن ذلك هو معيار الفلاح الذي طريقه التزكية والتطهر من دنس المعاصي والبعد عن الله
ولا يكون ذلك إلا بالذكر والعبادة وإدراك هذا العلو الإلهي على كل شيء “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ”
وينتفع بهذا التذكير أهل الخشية
” سَیَذَّكَّرُ مَن یَخۡشَى”

وذكر الخشية يتناسب مع قيمة العلو التي ترسخها السورة والعظمة التي تغرسها آياتها في القلوب واختيار لفظ الخشية له دلالة تختلف عن دلالة الخوف
ذلك لأن الخشية ترتبط بالعلم والتعظيم وإدراك هذا العلو الرباني هو المورث لتلك الخشية
إن الخشية تعبر عن حالة تنعكس عن الشعور بعظمة الخالق وهيبته وتعظيم مقامه وهذه حالة لا تحصل إلا لمن عرف الله وتعلم عنه وتذكر قدرته وقوته وذاق لذة القرب منه
” إنما يخشى الله من عباده العلماء ”
بينما يغلب على معنى الخوف التألم النفسي من العقاب المتوقع وحمل همه
من هنا ندرك مرة أخرى التناسب بين قيمة العلو والعظمة الربانية وبين قول الله تعالى: “سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ”
وهذا التذكر هو السبب الرئيس للنجاة من النار التي يصلاها أولئك الذين يجتنبون هذه التذكرة ويرفضون الإقرار بهذا العلو ومقتضياته
“وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ”
لكن أهم مقتضيات حدوث هذا الإقرار وتلك التذكرة = ألا يؤثر المرء شيئا على مرضاة الرب الأعلى وآخرته التي يعلو نعيمها أيضا
يعلو على كل متاع الحياة الدنيا الزائلة “بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ”

وتختم سورة الأعلى ببيان أهمية التعظيم والتنزيه وهما القيمتان اللتان تدور حولهما جل آيات السورة من خلال التذكير بصفة العلو وأن ذلك عنصر رئيسي وركيزة أساسية احتوتها الرسالات السابقة ودعا إليها الأنبياء من قبل النبي محمد ﷺ
ويضرب هنا المثل بما احتوته الصحف الأولى خصوصا تلك التي بعث بها رسولان من أولي العزم من الرسل أحدهما جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأولى الناس به وبملته الحنيفية وهو نبي الله إبراهيم عليه السلام والآخر هو نبي الله موسى الذي أرسل الذي استخلفت قبل أمتنا
أمة بني إسرائيل
تلك الأمة التي لا يخفى من خلال سور القرآن كيف أنها لم تعظم بالشكل المطلوب ومن ثم؛ نزع منها التفضيل وانتقل الاستخلاف إلى أمة أخرى يفترض أن تقوم على هذا الأساس العقدي الراسخ
أساس التنزيه والتعظيم والإقرار بعلو الله ﷻ
لذا كان تكرار تلاوة هذه السورة من أعلى المعدلات في سنة النبي ﷺ
كان يقرأ بها في وتره بعد القيام
وفي الجمعة كان يقرأ بها هي وقرينتها الغاشية
وكذلك في العيدين وإذا اجتمع العيد والجمعة يقرأ بهما
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (رواه مسلم)
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم »، ولما نزلت: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾.. قال: « اجعلوها في سجودكم» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَه والدارمي، وحسنه الألباني
وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال :” فَلَوْلَا قَرَأْتَ بـ: ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى))، ((وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا))، ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى))] (متفق عليه).

وعن سيدنا عَلِيٍّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى “.رواه أحمد
وكيف لا يحبها وهي تحوي كل هذا التعظيم والتنزيه والحديث عن علو مولاه وحبيبه ﷻ
بالطبع سيحبها
وسيحبها كل من يحبه ويعظمه ويسبحه
يسبح الأعلى.

 

اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى