تقارير وتحقيقات

كورونا …. دروس مستفادة في إدارة الأزمات

اعلان

بقلم : د.نهى سعيد

دكتوراه الفلسفة في إدارة الأعمال وإدارة أزمات

للحديث عن إدارة الأزمات في ظل أزمة فيروس كورونا من المهم أولا تحديد المرحلة التي تمر بها الأزمة، فأي أزمة تمر بثلاث مراحل رئيسه كالتالي :

المرحلة الأولى : الإنذار المبكر  أي قبل حدوث الأزمة فعلياً على أرض الواقع، ويكون التعامل المناسب في هذه المرحلة الإستعداد واتخاذ كافة التدابير اللازمة لمنع حدوث الأزمة أو على أقل تقدير التخفيف من أثارها وأضرارها حال حدوثها، وفي هذه المرحلة يمثل التجاهل والتهوين من أهم مسببات حدوث الأزمة وتسارع وتيرة أحداثها وفقدان السيطرة ، أما في حالة أخذ الأمر على محمل الجد واتخاذ الإستعدادات اللازمة فان ذلك من شانه تخفيف حدة الأزمة حال حدوثها وفي بعض الأحيان قد يؤدي منع حدوثها أي ان تنتهي الأزمة قبل حدوثها .

وبتطبيق ذلك على أزمة كورونا نجد ان بعض الدول خرجت الأمور عن السيطرة بها نتيجة التجاهل أو التهوين في بداية الأمر حيث استمر المواطنين في ممارسة عاداتهم الاجتماعية بشكل طبيعي دون الأخذ بالإجراءات  الاحترازية ما أدي إلى سرعة الانتشار والتزايد في الحالات المصابة بمتوالية هندسية.

أما في مصر (حفظ الله مصر وشعبها من كل شر)

نجد انه مع ظهور اول إصابة كانت هناك مستشفيات مجهزة للحجر الصحي (وهذا امر لا يحدث في ليلة وضحاها) ما يعني الاستعداد المبكر كما تم اتخاذ كثير من الإجراءات الاحترازية في المطارات والمنافذ البرية والبحرية ، ما ادى إلى تيسير إمكانية التقصي وتتبع أصل أي حالة تُكتشف وكذلك حصر المخالطين لها للحد من الانتشار

وتوضح معدلات الإصابة وكذلك معدلات الشفاء انه تم التعامل مع مرحلة الإنذار المبكر بدرجة مناسبة من الاستعداد .

المرحلة الثانية في دورة حياة الأزمة هي مرحلة حدوث الأزمة وهي المرحلة التي نعيشها حاليا في ظل أزمة كورونا، وتتمثل طريقة التعامل مع الأزمة في هذه المرحلة في المواجهة، وهنا يجب الإشارة الي أهمية الاستجابة السريعة للأحداث وان نحاول قدر المستطاع ان نسبق الأزمة بخطوة أي أن تكون قراراتنا للمواجهة استباقية وتتوقف قدرة الدول أو المنظمات في هذه المرحلة على مدى جودة استعداداتها في المرحلة السابقة، أما ان  لم تكن استعدت في المرحلة السابقة فذلك يعني انها تركت الأزمة تسبقها بخطوة أو خطوات ما يعني انها لن تتمكن من التعامل مع الأزمة الا برد الفعل على ما تمليه عليها الأزمة، فان لم نكن اتخذنا الاستعداد المناسب في المرحلة السابقة لما تمكنا في المرحلة الحالية ( التي تمثل ظهور حالات مصابة بالفيروس) من التقصي المدروس وتحجيم انتشار الفيروس .

ومن الأمور المؤثرة جدا في هذه المرحلة ( مرحلة حدوث الأزمة) ما يعرف بخطاب الأزمة، بالإضافة الي كيفية التعامل مع الشائعات

ففي ظل الأزمات يجب مراعاة الحالة النفسية والمعنوية للأفراد (المواطنين علي مستوي الدولة أو العاملين على مستوى المنظمات) وحالة القلق والغموض وعدم الاستقرار .

ويجب ان يتضمن خطاب الأزمة النقاط التالية :

  1. توضيح الأمور بشفافية دون تهوين أو تهويل (تقوم وزارة الصحة المصرية بنشر إعداد المصابين والمتعافين والوفيات يوميا ) .
  2. التأكيد على ان حماية الأرواح وسلامة النفس البشرية تأتي في المقام الأول أيا كان حجم التكلفة أو الخسائر المادية، لكن يجب مراعاة ان يصاحب هذا الحديث قرارات واجراءات فعلية على ارض الواقع للحفاظ على سلامة البشر (وقد حرصت الدولة المصرية على القيام بهذا الدور بفاعلية ليس فقط بالقول ولكن باتخاذ حزمة من القرارات التي من شانها حماية المواطنين وتوفير أساسيات الحياة الكريمة ) .
  3. تحديد الأدوار أي ان نوضح للمواطنين دورهم في مواجهة الأزمة (وفي هذه الأزمة يتم التأكيد على ان دور المواطن ان يبقى بالمنزل ليحمي نفسه وأسرته وبلده ويفسح المجال لأجهزة الدولة للتعامل مع الأزمة) .
  4. كما يجب ان يتضمن خطاب الأزمة شكر الفئات التي تتحمل العبء الأكبر  في التصدي للازمة ( وهذا ما قام به الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما وجة الشكر لجميع العاملين بالقطاع الطبي أطباء وممرضين واشاد بانهم الجنود والأبطال في هذه المعركة) .
  5. كما يجب مراعاة عدم تجاهل الشائعات فالرد على الشائعات وتوضيح الحقائق في هذه المرحلة من الأمور المؤثرة في التعامل مع الأزمة للحفاظ على نسيج المجتمع وروح معنوية مرتفعة، فضلا عن ان تجاوز الأزمة سيتم بتضافر جهود كل الأفراد فكل دور لأي فرد وان صغر حجمة فهو مؤثر، وفي أزمة مثل هذه مجرد بقاء الأفراد في منازلهم له عظيم الأثر في تجاوز الأزمة والحد من تفاقمها (سلوك المواطنين في إيطاليا ساعد على سرعة انتشار الفيروس) .

وعلى مستوى المنظمات يجب الإشارة إلى أن وقت الأزمة هو الوقت الذي يعيد فيه العاملين تقييم قادتهم، فان شعروا بأن الحفاظ على سلامتهم وأرواحهم في وقت الأزمة جاء في المقام الأول كان ذلك حافزاً لهم بعد الأزمة لبذل أفضل ما لديهم في العمل لزيادة شعورهم بالانتماء لمكان العمل، أما إذا شعرت العمالة بان حياتهم وسلامتهم الشخصية ليست ضمن أولويات القادة وقت الأزمة هنا تفقد الحماس للعمل وتشعر بعدم التقدير وحتى من كان منهم يعمل بجد وحريص على خلق قيمة لمكان العمل قبل الأزمة سيفقد ذلك الشعور وسيسود أسلوب العمل بالحد الأدنى الذي يعفي من المساءلة،وسيجد البعض لنفسة العذر لاستحلال التحايل وعدم الالتزام .

وفي الأزمة الحالية ضربت الحكومة المصرية مثالا رائعاً في الحرص على المواطنين واتخاذ قرارات غير مسبوقة من شانها حمايتهم وضمان استقرار حياتهم قد تكون فجاءت البعض .

وعلى مستوى الجهاز الإداري للدولة نجد عديد من المصالح والإدارات التي حرصت على سرعة تفعيل قرارات الحكومة حرصا على سلامة العاملين بالدولة واتصفت بالمرونة والقدرة على استيعاب الهدف والمغزى الحقيقي من تلك القرارات وهو حماية المواطنين عاملين أو مترددين على تلك المصالح .

 لكن للأسف وعلى النقيض تماما اظهر بعض المدراء في بعض الجهات (دون ذكرها) بيروقراطية وتعنت شديد لا يتناسب مع وقت الأزمة أو أي وقت اخر.

فعلى سبيل المثال بالنسبة لقرار تخفيض عدد العاملين نجد القرار الصادر من رئاسة الوزراء وكذلك التعليمات الصادرة من رؤساء بعض المصالح الحكومية ورد بها التناوب بين العاملين دون تحديد نسبة معينة وترك الأمر لكل جهة وفقا لما يتناسب وطبيعة عملها وعدد العامين بها، ما يمثل ثقة في حسن تقدير كل مسؤول بتلك الجهات التنفيذية، لكن عندما نجد أن احد المدراء  يتمسك بان يتم التناوب يوم ويوم بنسبة ٥٠٪؜ وان كان عدد العاملين في الإدارة فردي يطلب من البعض التطوع لحضور أيام أضافية ليكون إجمالي عدد الحضور يوميا لا يقل عن نسبة 50% ، أو ان يطلب احد المدراء من مرؤوسيه (عند طلب العمل من المنزل حيث تسمح طبيعة  عملهم بذلك) الحضور لمقر العمل ثم عمل ثم تقديم طلب للانتقال لأداء مأمورية ليعود إلى المنزل وذلك يوم بعد يوم، ظنا منه انه ييسر على مرؤوسيه  في حين ان هذا التصرف يوضح انه لا يدرك المعنى الحقيقي للقرار الذي يهدف إلى تقليل الاختلاط أي تخفيض أعداد الناس في الشوارع وفي المواصلات وليس في أماكن العمل فحسب، والرسالة التي تصل للمرؤوسين هنا انه لا قيمة لسلامتهم والشعور بعدم التقدير.

والحقيقة ان مثل هذه النوعية من المدراء توضح ان الأولوية لديهم تكون للنواحي الشكلية والحضور والانصراف (البيروقراطية) وليس صالح العمل ولا الحرص على سلامة البشر .

فضلا عن تعنت عديد من المدراء في جهات متعددة في منح الإجازة الاستثنائية، ما دفع الد عم الفني للوظيفة العامة بناء على الشكاوى الواردة اليه من مختلف المصالح الحكومية بالتعنت في تطبيق الإجازة الاستثنائية، إلى إصدار تعليمات بان يتم تقديم طلبات الحصول على تلك الإجازة بالبريد دون الانتقال لمقر العمل، ثم اصدر الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة تعليمات بذلك .

كما صدر عن مجلس الوزراء كتاب دوري برقم ( 9878 ) بتاريخ 24 مارس 2020م إلى جميع السادة الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة ورؤساء شركات القطاع العام ورؤساء شركات قطاع الأعمال العام، يفيد أن يكون الحضور للعمل في مقار وزاراتهم ومحافظاتهم وهيئاتهم وشركاتهم والوحدات التابعة لها في حدود أقل عدد ممكن .

المرحلة الثالثة وهي الأخيرة في دورة حياة الأزمة تتمثل في نهاية الأزمة أو ما بعد الأزمة والتعامل المناسب في هذه المرحلة يتمثل في اعادة تقييم الأوضاع وأسباب حدوث الأزمة وأسباب النجاح في تجاوزها أو الإخفاق في احتوائها، لتدعيم نقاط القوة وعلاج نقاط الضعف استعداداً للمستقبل، كما يتم استخلاص الدروس المستفادة من الأزمة.

ومهم أيضا في هذه المرحلة خطاب ما بعد الأزمة لطمأنة الجميع وتعويض المتضرر وتفعيل الآليات التي تمنع تكرار الأزمة في المستقبل، والاعلان عن عودة الحياة إلى طبيعتها .

وفي الختام أسأل الله أن يحفظ مصر ويفرج الكرب عن العالم أجمع فهو أرحم الراحمين .

 

الوسوم
اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق