الفن والثقافة

لأ..إزاى

قصة قصيرة بقلم / المهندس أيمن سلامة

“الصبُّ تفضحه عيونه .. وتنم عن وجدٍ شئونه” كلمات رائعة للشاعر الراحل العظيم أحمد رامى، وصف بها المشاعر الدفينة التى تستعر تحت الرماد بداخلنا لكنها لا تظهر للعلن، فقط تصدر عنها إشارات خفية أحياناً وظاهرة أحياناً أخرى، ونحاول جاهدين كبح جماحها، ولكن القدرة على إخفائها تختلف من شخصٍ لآخر،  فالبعض قد لايستطيع مقاومتها فتظهر آثارها للعلن ويلمسُها الجميع من حولهم، و تدفعه للتضحية بكل الإعتبارات والمسئوليات والسعى وراء تحقيق ما يربو اليه، والبعض يظل جاهداً يقاومها فى صمت، وإن طفت على السطح إشاراتُها رغماً عنه.

من هنا بدأت حكاية.. “شريف” الذى عاد على عجلٍ من سفره سعيـاً خلف رزقه لتأمين حياةٍ كريمة لأسرته، وقد حضر حزيناً مضطرباً ليحضر مراسم العزاء بعد وفاة والدته التى كانت أغلى ما فى الحياة بالنسبة له، وتوجه مباشرة من المطار إلى سرادق العزاء الذى أقيم فى منزل العائلة بـإحدى قرى محافظات الدلتا وبعد تبادل التحية وكلمات التعازى مع الأخوة والأقارب .

وقف فى طابور طويل يستقبل المعزين ويردد عبارات التعازى المتبادلة مع الحضور، ورفض أن يرتاح بعد طول السفر حتى انتهى السرادق وانصرف الجميع، واصطحبه أحدُ أقاربه ليرتاح ولتناول طعام العشاء فى منزل العائلة فمضى معه، وهناك وجدَ زوجته بين قريباته من سيدات العائلة اللاتى بادرنه بعبارات العزاء وأسرعن لتجهيز طعام العشاء له، لَـكِنْ واحِدةً مِنهُن بعينها كانت قد جهزت له الطعام بالفعل وكانت فى انتظاره، وقدمت له الطعام بنظرات خفية فهم معناها، وبعد إنتهائه من تناول الطعام، طلب القهوة من زوجته لكنه فوجئ بردها أنها متعبة كما أنها لا تذكر مقدار السكر الذى يُـضاف عادةً إلى قهوته، وأسرعت المرأة الأخرى بالرد قائلة “لأ..إزاى مش فاكرة..أنا عملت القهوة خلاص”.

نظر شريف إلى تلك المرأة وهو يدرك تلك المشاعر الدفينة التى تظهر على إستحياء من خلال إهتمامها به، ونظر لزوجته وابتلع غُصة فى حلقه وهو يشعر أنها لا تُكن له أى مشاعر دافئة برغم كل ما بذله من جهدٍ فى توفير الحياة الكريمة لها، وكتم بداخله مشاعر حُزنٍ عميق، فالبعدُ لم يكن يوماً عائقاً أمام العاطفة والإهتمام .

دارت الأيام واستقر به الحال فى مدينته الصغيرة، وافتتح مشروعا تجاريـاً بالمشاركة مع أحد أصدقائه، وقام بتوظيف عددٍ من الموظفات اللاتى يتطلبهن العمل، وأيضا العديد من الشباب لتوزيع منتجات المشروع، ولاحظ ذات يوم النظرات والمشاعر المتبادلة فى الخفاء بين السكرتيرة وأحد الشباب الذى كان يجتمع به مصادفةً فى مكتبه، وتكرر المشهد القديم القابع فى ذهن شريف عندما أحضرت السكرتيرة لهما القهوة بدون أن يـُطلب ذلك منها، ولما تعجب من معرفتها بقهوة الضيف الجالس معه أجابت “لأ إزاى.. أنا عارفه قهوته”.. يالله..إنها نفس الكلمات التى سمعها وقبعت فى ذاكـرته مع إختلاف تفاصيل الموقف.

مع مرور الأيام زادت الفجوة بينه وبين زوجته، فلقد كان زواجـاً بارداً لا يحمل بين جنباته شئٌ من الدفء، بل كان إختلافُ الطباع هو سيدُ الموقف والطلاق الصامت الغير معلن هو حالهما، حاول جاهداً أن يستميل مشاعرها نحوه، لكنها لم تُـقـدِر أى شئ بذله من أجلها، وصارحته أنها لا تُــكنْ له أى مشاعر، فاغتالت كلماتـُـها ما بقى داخله من دفء، ومضى يتصالح مع الأيام لعلها تمضى مُسالمةً حِفاظاً على الوضع الاجتماعى ولِـلـم شمل الاسرة.

صار الصمت الداخلى الـمُغلف بجفاء المشاعر بينهما هو الوضع المتعارف عليه، حتى كان حادثـاً أَلـمَّ بأحدِ أقـاربه، فوجـئ بها تفزعُ بشدة وتُـلـِحُ فى طلب ذهابها معه لزيارة المريض، لكنه شعر بالغيرة من طلبها ورفض الأمر، فكان رَدُها على الرفض يبدأ بنفس الكلمات العالقة فى ذِهنِه والتى لها ما خلفها “لأ .. إزاى”.

المهندس أيمن سلامة

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: