آراء وقراءت

لماذا أسْلَمْتْ؟.. (3) إسلام السفير والمفكر الألماني مراد هوفمان

اعلان

بقلم/ الدكتور محمد النجار

اهتزت له اوربا والغرب كله عند اعتناقه الاسلام ، وحدثت ضجة كبرى عندما أصدر أول كتابين له عن الإسلام .. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد الامريكية الشهيرة والتي تعد أحدى أصعب جامعات العالم في قبول الطلبة ، وعمل سفيرا لألمانيا في الجزائر والمغرب ، وشغل منصب مدير معلومات حلف شمال الاطلسي إنه المفكر والدبلوماسي الألماني الدكتور “ويلفريد هوفمان”.

نجاة من حادث مُمِيت

يقول مراد هوفمان : في مقتبل حياتي ، كنت عائدا من نيويورك الى جورجيا عن طريق “الاوتو- ستوب” ، بجوار السائق ، وفجأة ظهر أمامنا من حيث لاندري ظل شبح ، فارتعشت قدم السائق بجواري على دواسة البنزين،ولم يستطع أي من الجانبين أن يفرمل. وفي صباح اليوم التالي ظهرت الصحيفة المحلية تحمل عنوانا((حادث تصادم في المواجهة)). وعندما فحصني الاطباء في المستشفى وجدوا كسراً في فكي العلوي ، وقطعا في شفتي السفلى، وكسر 19 من أسناني ، وقد انخلعت ذراعي اليمنى من مكانها ، وحدث ثقب عميق في ركبتي اليمنى ، ولكنى لم أصب بارتجاج في مخي او بصدمة نفسية . كانت فرصتي للنجاة في هذا الحادث تعادل تلك التي كان يمكن أن احظى بها فيما لو أني قفزت من الطابق الخامس من مبنى مرتفع. سَأل الطبيب الجراح الذي يقوم بمحاولة ترميم وجهي الممزق وإعادته الى ماكان عليه ،سأل عما كان عليه وجهي قبل الحادث، وتمكنت بحركة رأسي أن اشير الى طقم ملابسي المخضبة بالدماء وفيه جواز سفري فيه صورتي . وأخذ الطبيب لبعض الوقت يجيل بصره على التوالي بين صورتي في جواز سفري وتقاطيع وجهي الممزقة ، ثم همهم مترددا بأنه يمكنني أن أجري جراحة تجميل بعد بضع سنوات. وأضاف بتحفظ وهو يحقنني بجرعة مورفين في أول ليلة لي بالمستشفى :
((ياعزيزي إن المرء لا ينجو في مثل هذه الحوادث! لعل الله قد ادخر لك شيئا في المستقبل)).

وبعد 29 عاما ، أي في 25سبتمبر عام 1980م استطعت أن أدرك هذا المعنى ، وهو اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام ، وحمدت الله أن جعلني من المسلمين ولا أغادر الحياة إلا وأنا مسلم .

مجازر الفرنسيين في الجزائر:

تربى مُراد هوفمان مُحبا للفنون ، والفن يهب الانسان حساً مرهفا ، وعندما بدأ هوفمان عمله في السفارة الألمانية في الجزائرعام 1961 ، إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر ، تأثر بشدة بما رآه من أفعال شنيعة للفرنسيين ضد الشعب الجزائري. ومن بين هذه المجازر مايلي:

تانكات نفط مشتعلة فوق رؤوس الجزائريين:

يقول : رأيت الفرنسيين يملأون السيارات الكبيرة ”تانكات نفط” ويشعلون فيها النيران ثم يدحرجونه على قرى المسلمين ليحرقوا بها الاف الجزائريين رجالا ونساء واطفالا ويدمرون الدور والمنازل والمزارع والمتاجر . وما أشبه اليوم بالبارحة من البراميل المتفجرة التي تم القاؤها على الشعب السوري لتحرق الاطفال والنساء والشيوخ وتقتل الحرث والنسل ..

رمي المُقَاوِمِين من أعلى جبل قسطنطينة 

كان الفرنسيون يتعاملون بوحشية مع أبناء الشعب الجزائري وبشكل خاص مع المجاهدين “المقاومين” للاحتلال ، ومن افعالهم الاجرامية ، كانوا يربطون المجاهدين الجزائريين بأكياس حجارة ضخمة ثم يدحرجون بهم من أعلى جبل في مدينة قسطنطينة “قمة لاساك بروش” ، فيتهشم رأس المجاهد وتتقطع احشاؤه وأمعاؤه بشكل بشع غير انساني .

الجزائريون ينقذون هوفمان وزوجته من جنود فرنسا

يقول هوفمان : كم مرة رأيت في الشوارع فرق خاصة يشَكَّلها الفرنسيون لاغتيال المعارضين للإحتلال من الشعب الجزائري ، يقتحمون الشوارع ويقتلون بدم بارد الشباب والشيوخ والنساء والاطفال. وفى إحدى المرات ، كانت زوجتى أُصيبت بإجهاض ، وتعرضت للنزيف ، وتعطلت سيارتي الصغيرة اثناء ذهابنا للمستشفى في الوقت الذي جاءت فيه فرقة عسكرية خاصة من الضباط والجنود الفرنسيين ، وبدأوا بإطلاق النار في كل جهة ،و يقتلون الناس عشوائيا ..، واعترضوني وعرفوا أنني لست جزائريا وكادوا يقتلونني وانقذني الجزائريون ، الذين وفروا الحماية لي ولزوجتي. عرق غير اعراقهم ودين غير دينهم ولغة غير لغتهم ، مما جعلني اسأل نفسي : ماذا يربطني بهؤلاء الجزائريين، لماذا دافعوا عنا ووفروا لنا الحماية غير المشاعر الانسانية ، فأنا من عرق غير عرقهم ، ولغتي غير لغتهم ، وديني غير دينهم.
وبعد فترة أهداني أحد الجزائريين نسخة من القرآن الكريم مترجمة بالفرنسية ، وكنت أتقن الفرنسية لكي أعيش في هذه البلاد (يقصد بالجزائر) ، كما اتقن اللغة الانجليزية.

أول آية رأيتها في القرآن الكريم

وعندما فتحت القرآن الكريم ، وأول ما وقعت عيني عليه كانت آية في سورة النجم :
(( أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) سورة النجم

((أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41))
إنها الآية القرآنية التي لفتت ذلك المفكر والدبلوماسي :
((أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))
تأثر الدكتور مراد هوفمان بالآية (( ألا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى)) ، فقال : صدمتني هذه الآية في البداية لأنني فهمت معناها خطأ ، على أن الانسان لا يساعد انسانا اخر ، بينما الأصل ان يساعد الناس بعضهم بعضا. وبعد التدقيق في فهم الآية بمعناها الصحيح أدركت أن الآية تحتوي على مبدأين دينيين يمثلان اساسا لفكر ديني سديد :

المبدأ الأول : ليس هناك خطيئة موروثة ، لا الإبن يتحمل خطيئة أبويه ، ولا الوالدان يتحملان خطيئة ابنهما. (وهي التي تقوم عليها المسيحية).

المبدأ الثاني : أن كل انسان مسئول امام الله عن نفسه ، ولا أحد مسئول عنه ـ لا قسيس ولا بابا ولا أي كان. إنها تستبعد تدخل أي واسطة بين الانسان وربه ، ليتحمل الوزر عنه (كما تزعم المسيحية أن يسوعا صُلب ليكفِّر عن سيئات البشر ) وهذه المقولة تنسف مكانة القساوسة الذين يدَّعون أنهم يتوسَّطون بين الله وعباده لكي يغفر لهم. ونفيُ وراثة الخطيئة يُفرغ التعاليم المسيحية من عدة عناصر جوهرية ، مثل : الخلاص والتجسيد والثالوث والموت على سبيل التضحية من أجل الغفران للآخرين .
ويقول :وطوال أيام طفولتي وشبابي كان يساورني شك في قضية التثليث: كيف يُرسل الإله ابنه لِيُقتل ويُصلب من أجل غسل خطايا الآخرين؟؟ انها قضية غير صحيحة !! وأن هذا الكتاب ((القرآن)) الذي في أيدي المسلمين لابد أن يكون حقا ، وأن الذي أنزله لابد أن يكون إلها حقاً .
وكانت هذه الآيات حلاً لكل القضايا التي تدور في عقلي ، ولا يمكن أن تكون هذه الآيات إلا من عند اله يعلم ما في قلوب الناس ، وقد أنزل الله هذه الآيات لي. ثم تعلمت القرآن الكريم وعرفت قضايا التوحيد ، وتعلمت من القرآن إخُوَّة الأنبياء ، وتعلمت معنى الإخُوَّة بين الناس ، وبما انني مُحب للفنون فقد قارنت بين هذه المعاني الراقية في القرآن الكريم وبين الجرائم الوحشية التي نفذتها فرنسا في الجزائر وقتلت اكثر من اثنين مليون جزائري بلا ذنب ودمرت بلادهم بالكامل بل يُقال انها قتلت اكثر من الرقم بكثير.. ،”ولم تعتذر” فرنسا عن جرائمها حتى الآن بينما يتم مطالبة بعض الدول الاسلامية بالاعتذار عن مزاعم لم يرتكبوها .

كل هذه الجرائم قد جسدت لي أن الاسلام دين حق ، وان القرآن الكريم هو كتاب الله ، وان محمدا رسول الله.

سلوك تاجر تُركي يدفع هوفمان لإعلان اسلامه

ظل الايمان حبيسا في قلب دكتور مراد هوفمان ، حتى زار تركيا وتعرض لموقف مدهش ، يقول عنه :
عندما زرت تركيا ، ونظرا لحبي للفنون رأيت عملا يدويا فنيا في واجهة احد المحلات ، حاولت شراء هذا العمل الفني إلا ان المحل كان مُغلقا ، فسألت المحل المجاور له عن ذلك العمل اليدوي ، فعرض عليَّ أعمالا لكنها لم تكن مثل ذلك الذي أعجبني ، فرفضت وقلت أُريد هذا المعروض في المحل المجاور، فقال: بسيطة ، وأخرج هذا التاجر مفتاحاً من درجه وفتح المحل المجاور ، وأحضر ذلك المعروض واستلم ثمنه ، وذهب بكامل المبلغ ووضعه في نفس درج المحل المجاور، فتعجبت لتلك الأمانة التي لا تصدر إلا من إيمان عميق في قلب ذلك التاجر المسلم. أدهشتني هذه الواقعة بشكل غير عادي، فأي أمانة هذه ، وأي ثقة في أن الرزق من الله لدى هؤلاء المسلمين.. وكانت هذه الحادثة محور التغيير في حياتي وأخذت القرار بإعلان اسلامي.

عقيدة التثليث في نظر هوفمان

كان من أسباب نفور هوفمان من المسيحية وجود أفكار تنطوي على الشرك بين عقائدها مثل ((ابن الله)) ، و((أم الله)) و((الثالوث المقدس)): الآب ، والابن ، والروح المقدس ، والخلاص من تبعات الخطيئة الأولى عن طريق التضحية بالذات الإلهية (صلب المسيح) ، والاسرار المقدسة)) . ويرفض القرآن التثليث بحزم .

ويحمل مراد هوفمان بشدة على المجتمع المسيحي الغربي : ((مجتمع الكحول – الخمور- والنيكوتين – ولحم الخنزير وما تؤدي اليه تلك الخبائث من مصائب : حوادث الطرق ، والطلاق ، والتليف الكبدي ، وانخفاض الانتاج ، وتبديد الموارد الاقتصادية، ويعرب عن سعادته لأنه استطاع الإقلاع عن الخمور بمساعدة الاسلام الذي يحرمها تحريما باتا ، بعد ان كان مدمنا لها وخبيرا فيها وذوَّاقة لها .
ويذكر هوفمان أن المسيحيين بدأوا بالإعجاب بالمسيح بعد وفاته ، ثم تطور ذلك الى تأليهه .
ويأخذ هوفمان على المسيحية وضع واسطة بين العبد وربه : ((فالطقوس الدينية لا تعترف بغير القداس الملزم الذي يقوم به القس كشعيرة دينية رسمية )). وفي مقابل ذلك يرفع الاسلام كل الحواجز بين العبد وربه ، فيصلى المسلم بمفرده أو خلف إمام دون فرق سوى مضاعفة الثواب في صلاة الجماعة. ويحيط الاسلام ابناءه في أثناء الصلاة بسياج من الرعاية حيث يُحرِّم المرور أمامهم ، ليستغرق كل في صلاته سواء كانت في محطة بنزين أو على رصيف أو فوق السقالات الشاهقة .

وهكذا ظهر له أن المسيحية تقوم في أصولها على عدد من الاساطير ، ويعتقد أن ((بولس))هو الذي حرف المسيحية وزيَّفها بعد أن صاغها ((برنابة)) ، ولم يكن المسيح فيها سوى رسول من رسل الله .
هوفمان : المسيحية من وجهة نظر اسلامية

يذكر د.مراد هوفمان في كتابه الاسلام كبديل :

اذا سمع مسلم اسم النبي محمد أو قرأه في أي نص كما في هذا الكتاب مثلا ، فإنه يدعو للنبي مُصَلِّياً عليه (عليه الصلاة والسلام)،كذلك يصلى المسلم على عيسى إن تلفظ باسمه أو سَمِعَهُ. قد يبدو هذا غريبا مفاجئاً للقراء ، الذي ليسوا على علم كافٍ بطبيعة الاسلام وفهمه لذاته ، ذلك أن الاسلام لا يَعُدُّ نفسه دينا جديدا في مقابل المسيحية لمجرد أنه “تاريخيا” ، جاء بعدها ، بل إنه يرى نفسه إكمالاً وتصحيحاً للدين الداعي الى الوحدانية المطلقة التي وصى بها ابراهيم ومَنْ بعده من الأنبياء ، كما نصت آيات كثيرة منها سورة الشورى :

((شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ، والذين أوحينا إليك ، وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..))اية 13.

من هذه الزاوية يمكن النظر الى الإسلام بصفته اقدم الديانات الداعية الى التوحيد ، وإن في الوقت ذاته أحدثَها تاريخيا . ولا يزعم الإسلام لنفسه الأحقية المطلقة التي تشجب غيرها من الأديان كما تفعل الكاثوليكية بموقفها من الديانات الأخرى 222 . بل إن الأمر أبعدُ من هذا ، فالإسلام يبني صرحه على أسس الديانتين السماويتين اللتين سبقتاه ، مشيدا بأنبياء الله ، معترفا ومؤكدا لجوهرهما الذي لم ينسخ بالوحي ، إن الاسلام حسب وصف (باول شفارتزناو) له ((رسالةُ الوحي الى الناس كافة في المعمورة كلها) .

ولنتدبر معا الآية(84)من سورة آل عمران((قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84 ((سورة ال عمران.
ويستكمل مراد هوفمان :
ليست صلاحية الاسلام ومشروعيته إذن ناتجة عن رفضه لليهودية والمسيحية ، وإنما من المقارنة الموضوعية بين الاديان الثلاثة، والواقع تم تلك الديانات الثلاث تربطها وشائج القربى ، بحيث ترى الفروق التي تفصل فيما بينها أقل بكثير من التي تفصلها عن البوذية والهندوسية مثلا .
بذا نتفهم موقف الاسلام في اعتباره عيسى (عليه السلام) نبيا من انبياء الاسلام .

هوفمان : مريم والمسيح في القرآن الكريم

يقول د مراد هوفمان :

يستقى الكثيرون معرفتهم عن منزلة عيسى ومريم وصورتهما في الاسلام من القرآن خاصة سورة سورة مريم 16-20 ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿16﴾ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿17﴾ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴿18﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿19﴾ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿20﴾)) سورة مريم
هذه الآيات البينات تجعل المسلم يتيقن أن الله سبحانه وتعالى خلق عيسى خلقا ، لا بالتناسل المألوف ، سبحانه: ((وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3))سورة الجن،وفي سورة الاخلاص((لم يلد ولم يولد)) فولدته أمه العذراء مريم مُؤيدا بروح القدس وبالمعجزات ((إذ أيدتك بروح القدس)) ويتيقن المسلم أن عيسى نشأ في بيئة يهودية عبدا صالحا مباركا نبيا ، وأنه ليس ابنا لله حاشا لله ، وأنه ليس ذا طبيعة إلهية أو جوهر مشابه لله ، أو تجسيدا للناسوت والألوهية في شخص واحد كما يزعمون((قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)) سورة يونس.

ويقول مراد هوفمان في كتابه الاسلام كبديل:

يؤكد القرآن الكريم أن عيسى رُفع ولم يُصلب ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا)) سورة النساء157
كيف يبدو في العالم الغربي الآن رفض الطبيعة الإلهية لعيسى ، والروح القدس كذات إلهية ، وبالتالي التثليث؟ أعتقد أنه في هذا المجال ، سيكسب الإسلام مؤيدينَ وأنصارا من المسيحيين .

إن مؤلف إنجيل يوحنا الموجود بين أيدينا- كائنا من كان- إنما يُحلق في هذه الأجواء التأملية متنفسا هواءها “السامي” ، ثم سطره في إنجيله قائلا :
((في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله . هذا كان في البدء عند الله .. )) .
وهذا يعني أن التثليث لم يكن في أصل المسيحية ، وانما التوحيد هو أصل العقيدة المسيحية ، والتثليث دخيل عليها ولم يكن من أصلها .
وعلى أي حال ، لم يًشر عيسى من قريب أو من بعيد الى التثليث ، بل اعتنق ككل اليهود والمسيحيين – مفهوم اليهود الصحيح عن الله .
هذا الإغراق والإفراط في تقديس مريم يَبْرأ منه الإسلام ، فما كانت وابنها سوى عبدين صالحين تقيَّين ، كعباد الله الصالحين ، لا أكثر ولا أقل من هذا ، أو كما يقول الله تعالى :((وجعلناها وابنها آية للعالمين))سورة الانبياء91 ، وقول الله تعالى ((صدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين))التحريم12
وقول الله تعالى((ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ، إنما اله واحد سبحانه))النساء 158. كما يُثبت القرأن رفع عيسى الى السماء ليس كما تزعم الاناجيل بعد موته المزعوم على الصليب((وقولهم إنا قتلنا المسيح))النساء157-158
ويقول هوفمان :
(( الآن ، وفي ايامنا هذه نتساءل : كيف ينظر الانسان المعاصر الى إنكار الطبيعة الإلهية للمسيح والروح القدس ، باعتبار ” الآب ، والاب ، والروح القدس” إلهاً واحداً كما يزعم القائلون بالتثليث ، أما أنا شخصيا ، فأرى نظرة الاسلام التي تنكر الطبيعة الإلهية لعيسى تلقى مؤيدين يزداد عددهم باستمرار من بين المسيحيين أنفسهم)) .

((إن مسألة تجسد  الله في عيسى أو حلول الذات الإلهية فيه ، فهي مبتورة ، تفتقر الموثوقية ، ولن يجد القارئ الموضوعي البسيط في أية ترجمة صحيحة للعهد الجديد أية جملةٍ أو كلمةٍ قالها عيسى يُستنتج منها ذلك الافتئات المنسوب إليه ظلما وعدوانا ، إن عيسى ليس الله ، وكل منهما منفرد في الانجيل بمكانته : الله الربُّ ، وعيسى العبدُ لا أكثرُ ولا أقل. حتى في انجيل يوحنا نفسه يقول عيسى : ((اذهبي الى اخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم)) .الاصحاح 20:17 ..

انتقاد هوفمان للديمقراطية الغربية

انتقد هوفمان الديمقراطية الغربية بشكل عام ، فقال : لم انتقد الديمقراطية في حد ذاتها ولكن الطريقة الغربية في الحياة والتي بدت طريقة مخدرة بشكل تام ، ، في الغرب أصبح هناك تأليه إما للدولة كما هو الحال في الاستالينية او الفاشية أو تأليه للفرد وكلاهما حالة من الشرك .
والواقع الذي نشاهده نرى أن العقلية الغربية التي تتزين بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان لا تريدها إلا لنفسها ، ولا تريد أن تمنحها لغيرها .

هوفمان وصراع الغرب والإسلام

يقول هوفمان :
بعض الناس يرونني منقسم الشخصية أو أعاني من الشيزوفرينيا ، لكن أراني غير ذلك ، أراني أبني الجسور وأحاول التقريب ، وصدق هنتجنتون في قوله بأن الشعور إذا ما حدث صراع بين الحضارات فإنه سيكون صراع بين الغرب والاسلام.

مقارنة هوفمان بين الاسلام والمسيحية

رأى هوفمان الإسلام بأنه الدين الذي لم تتعرض عقيدته لأي تشويه أو تزوير ، عقيدة تؤمن بالله الواحد الأحد الذي ((لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد)). يقول: ((لقد وجدتُ في الاسلام أصفى وأبسط تصور لله ، ولم تعد تساورني أدنى الشكوك في نبوة محمد )) .

عنصرية المسيحية وتسامح الاسلام :

يذكر هوفمان أن الأسبان بعد أن استعادوا بلادهم من ايدي المسلمين ، قاموا بتدمير كل المساجد بطريقة وحشية ،ولم ينج المبنى الرائع في قرطبة (قصر الحمراء) من التخريب إلا لوجود امكانية تحويله الى كاتدرائية ، وفي زمن لاحق في القرن 19 لقي مسجد الجمعة في الجزائر العاصمة المصير نفسه على ايدي المستعمرين الفرنسيين المسيحيين ،و لقيت مساجد المسلمين المصير التخريبي ذاته في بلاد اليونان والصرب بعد استقلالها عن الحكم العثماني ، وبعد تحرر الجزائر عاد المسجد الى أصله . وعل8ى النقيض من ذلك ، ترك المسلمون الكنائس المسيحية كما هي بعد فتح تلك البلاد ، وسمحوا ببناء كنائس جديدة ، وهذا التسامح مردُّه الى قول الله تعالى
((لا إكراه في الدين)) سورة البقرة256 . وقوله تعالى((ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة)) سورة الشورى
فلا عصبية قبلية ، ولا طبقية ، والولاء للإسلام والمسلمين ولا نقض للعهود والمواثيق .

ويقول هوفمان :
“ولنتدبر كيف اصبح المكي حاكما لكل قبائل المدينة ، بل وكيف اصبح بعده أبو بكر وهو ليس نبيا ، ولا من أكبر بطون مكة ، كذلك عمر بعده ، حاكمين ليس للمدينة فقط ، بل وللجزيرة العربية كلها ) . وزوج محمد زيدا مولاه من زينب بنت عمته ، وجعل بلالا الحبشي مؤذنا ، واصطفى سلمان الفارسي مستشارا له ، وقال : سلمان منا أهل البيت ” .

من قبائل متناحرة الى أمة واحدة

ويأخذ هوفمان عن المستشرق الاوروبي النمساوي “محمد أسد ” نظرته الى السُنة النبوية حيث يراها نقلة هائلة أحدثها الإسلام بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في حياة العرب : من قبائل متناحرة أمة واحدة ومجتمع واحد ، يربطه الدين برباط التضامن الأخوي المتين .

مراد هوفمان .. والشاعر الألماني جوته .. والإسلام

تأثر د.مراد هوفمان بالشاعر الكبير والفيلسوف الألماني الشهير (يوهان فولفجانج جوته) الذي أُعجب بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسس الدين الاسلامي ورفع راية التوحيد ، وربى البشر إيمانيا وسلوكيا ، وجاء ينشر المساواة والإخاء في العالم وانه تعامل مع الدنيا وليس مع السماء فقط . وقد مدح جوته الرسول صلى الله عليه وسلم وابنته فاطمة وعلى بن ابي طالب والصحابة اجمعين . وتعاطف “جوته” مع العرب وتراثهم الاسلامي ، وكتب عنهم في شعره .

يقول هوفمان: أن الشاعر جوته لم يكن مسلما ، ولم يؤمن بالمسيح لكن آمن بإله واحد. وقرأ القرآن وتعاطف مع المسلمين .
من أقوال الشاعر والمفكر جوته :
“اذا كان الاسلام هو دين الاستسلام لله .. فكلنا مسلمون” .
ويقول هوفمان :لكن في عصرنا الحاضر اصبح الغرب أقل تسامحا مع المسلمين ، وأقل تفاهما للإسلام، واذا ظهر احد في الغرب حاليا يتعاطف مع الاسلام سوف يتهجمون عليه في وسائل الاعلام ومن المجتمع بشكل كبير.

وسأكتب في حلقة منفصلة قادمة بإذن الله عن الشاعر والمفكر “جوته”.
بعض الناس يرونني منقسم الشخصية أو أعاني من الشيزوفرينيا ، لكن أراني غير ذلك ، وانما اراني أبني الجسور وأحاول التقريب ، وصدق هنتجتون في قوله بأن الشعورإذا ماحدث صراع بين الحضارات فإنه سيكون صراع بين الغرب والاسلام.

أخيرا ومن خلال قصة اسلام واعتناق المفكر والدبلوماسي الألماني دكتور مراد هوفمان أنه اعتنق الاسلام بمحض ارادته دون أي تدخل من المسلمين سواء بدعوته للإسلام أو ممارسة أي ضغط عليه ، بل اعتنق الاسلام نتيجة رؤيته المجازر البشعة من الجنود الفرنسيين لمسلمي الجزائر دون تفريق بين جندي او مدني أو طفل وامرأة وشيخ ، ورؤيته لعقيدة الجزائريين الذين يقاومون الاستعمار وفي نفس الوقت انقذوه من أيدي هؤلاء الجنود الفرنسيين رغم تشابه سحنته لسحنة هؤلاء الجنود الفرنسيين ، ثم معايشته للمسلمين في الجزائر والمغرب ، وهذا يبطل ما أشاعه المستشرقون وأعداء المسلمين بأن الاسلام انتشر بحد السيف .

إننا نؤمن بعقيدة الاسلام التي تضمن حرية كل فرد في اختياره لدينه الذي يتعبد به الله ، وقد نزلت هذه الآية في مكة ، يقول الله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾. سورة يونس69. ثم نزل في المدينة المنورة ما يؤكد هذه الحرية الدينية في الإسلام ، قول الله تعالى : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ سورة البقرة:256
كما نؤمن بالحوار بين الشرق والغرب ، والتقريب بين الشعوب على كلمة سواء بيننا ، دون تعالٍ من طرف على طرف، أو تحقيق مصالح لشعوب على حساب الشعوب الأخرى ، يجب أن نعمل جميعا لصالح الجميع بما يضمن العيش المشترك في أمن وأمان ورخاء واطمئنان بين ابناء البشرية أجمع .

د.محمد النجار 17-05-2020م الأحد24رمضان1441هـ

الوسوم
اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق