الصراط المستقيم

لماذا فشلت وستفشل الدعوة إلى التجديد الديني؟

 

‏ بقلم / حاتم السروي ‏

هذا السؤال الذي جعلته عنواناً للمقالة، إجابته قد تتطلب منا العودة إلى الوراء إثنا عشر قرناً ويزيد ‏من عمر الزمان، فإنه بعد الفتنة التي حدثت في عهد المأمون ومن بعده المعتصم والواثق وهي فتنة ‏خلق القرآن. جاء الخليفة المتوكل فأخرج الإمام أحمد بن حنبل من محبسه فقد كان محبوساً في ‏السجن ثم حبسه الواثق في داره وفي السجن جلد وعذب وكان مذهبه مذهب السلف وهو التمسك ‏بالآثار والنصوص والأحاديث إن صحت. وما لم يتكلم فيه الرسول ولا صحابته كان يكف عنه ‏وكان يغلب عليه الحديث وأصوله في الفقه هي نفسها أصول إمامه الشافعي وكان في صفات الله ‏يفوض فإذا سأله السائل ما تفسير “الرحمن على العرش استوى” قال تفسيرها قراءتها.‏

‏ ثم مات الإمام أحمد وكان لا يزال في المعتزلة رمق، فإنهم لم ينتهوا إلا في القرن السادس ‏الهجري، ومنهم خرج أبو الحسن الأشعري وكان فيهم رأساً، ثم بدا له أن يؤسس مذهباً وسطاً ‏يوفق فيه بين المعتزلة ومذهب أهل السنة؛ ومن هنا كان المذهب الأشعري الذي حاول التوفيق بين ‏طرفي الصراع وهو الصراع الذ كان حادًّا وعارمًا كما يبدو لنا من التاريخ، فخرج المذهب ‏الأشعري خليطًا من عقلانية المعتزلة والتزام أهل الأثر بالنص، ولقي هذا هوىً عند الشافعية فإن ‏مذهبهم الفقهي كان هو الآخر خليطًا بين الأحناف أهل الرأي والقياس، وبين المالكية وإمامهم كان ‏صاحب حديث وهو مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة الذي صنف الموطأ.‏

‏ وظل المذهب الأشعري ينتشر ويزدهر بفضل انضمام بعض الشخصيات العلمية الكبيرة له من ‏الفقهاء والمحدثين، وبفضل تأييد بعض الحكام ودعمهم، وبفضل مرونته ولا شك فهو مذهب ‏انسيابي لا يغضب أحداً!. وظل طلاب الفقه يحرصون على تقليد الشافعي في الفقه والأشعري في ‏الاعتقاد، وكان للأحناف مذهبٌ في الاعتقاد يسمونه الماتريدية نسبةً إلى (أبي منصور الماتريدي ‏وهو من علماء ما وراء النهر وقد شرح كتاب “الفقه الأكبر” في علم التوحيد لأبي حنيفة) وإنك لا ‏تجد فرقاً يذكر بينه وبين الأشاعرة فاختلافه عنهم يعتبر يسيراً ويمكن جبره بسهوله، ولكن يبدو أن ‏الأحناف كانوا حريصين على تمييز أنفسهم لاعتبارات التعصب المذهبي واختلافهم مع الشافعية، ‏وقد عرفوا أو عُرِفَ أكثرهم باعتدادهم بالمذهب، حتى لقد قال الكرخي: “كل أثر ليس عليه ‏أصحابنا فهو منسوخ أو مؤول”!.‏

‏ ورغم توافر آلة الاجتهاد عند علماء الشافعية الكبار أمثال (العز بن عبد السلام وسراج الدين ‏البلقيني وأبو شامة صاحب كتاب الباعث في إنكار البدع والحوادث حتى أن الفزاري قال عنه: ‏‏”عجبت لأبي شامة كيف قلد الشافعي”) رغم بلوغهم هذه الدرجة فإنهم لم يجتهدوا ولم يخرجوا ‏عن قول الشافعي رحمه الله لأن عصرهم كان يرفض الخروج على المذاهب الفقهية الأربعة، ‏وكان الحكام والأغنياء والموسرون وأصحاب الجاه يبنون المدارس ويرتبون الراواتب لفقهاء ‏المذاهب، فلو تخلى الفقيه عن مذهبه الذي تعلمه وأفتى به لتخلت عنه الدنيا وتخلى عنه العامة ‏والحاكم وخُرِب بيته.. ومع هذا تجد في ثنايا الكتب وبين السطور خروجات عن المذهب الشافعي ‏في الفقه والأشعري في الاعتقاد..فتجد الغزالي مثلاً يود لو كان مذهب الشافعي في طهارة المياة ‏مثل مذهب مالك، فإن الشافعي يشترط لبقاء وصف الطهارة في المياه إذا وقعت فيها نجاسة أن ‏تكون المياه قد بلغت قلتين وهما خمسمائة رطل عراقي تقريباً، فيما كان مالك أكثر تيسيراً حيث قد ‏ذهب إلى أن الماء قليله أو كثيره لا ينجس إلا إذا غيرت النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه.. ‏

وفي الاعتقاد تجد فخر الدين الرازي وهو من كبار الأشاعرة يورد إشكلات على نظرية الكسب ‏الأشعرية ويقول في النهاية: ” وعند التحقيق يظهر أن الكسب إسمٌ بلا مسمى” ثم نجد إمام ‏الحرمين الجويني يعدل نظرية الكسب ويقول أن الله يعلم الذنب قبل وقوعه بعلمه السابق المحيط ‏بكل شيء والأزلي قبل كل شيء، ولكنه لا يجبر العبد عليه؛ فللعبد قدرة تؤثر في مقدورها وبهذا ‏أثبت للعبد القدرة ولله سبحانه القدر، فإن كل شيء بتقديره سبحانه، ومع هذا فكيف يؤخذ العبد ‏بالذنب لو لم يكن له اختيار ولا قدرة؟؟ ولو قلنا أن القدرة تقارن الفعل ولا تؤثر فيه فهذا ليس ‏بشيء، ولكنها حيلة من حيل الأشاعرة وانعكاس لمذهبهم التوفيقي الذي يحمل ما يثير العجب بقدر ‏ما يحمل ما يثير الإعجاب.‏

وفي الصفات الإلهية تجد الأشاعرة بين التفويض كما هو عند أحمد بن حنبل وبين التأويل، فإذا ما ‏ورد في الأحاديث على وجه القطع أن الله في السماء، ترى بعضهم يقولون هو كما ورد ولكن ‏السماء ليست مكانًا بل إن لها هاهنا معنى لا نعرفه، وإنما يعرفه الله وحده، والله أعلم بذاته ‏وصفاته، وما علينا إلا التسليم، وفي المقابل تسمع بعضهم يقول إن السماء هنا معناها السمو ونحن ‏نثبت صفة العلو للباري جل شأنه على أنه علو المكانة وارتفاع الرتبة، ثم يواجههم إشكال وما ‏أكثر الإشكالات التي تواجههم، وهو إشكال يُثار تلقائياً كلما تأولوا معنى السماء وقالوا أن الله ليس ‏له مكان، وهذا الإشكال بسيط بيد أنهم لا يستطيعون دفعه إلا بشق الأنفس، فما هو؟ لا شيء غير ‏أن أي إنسان سنياً كان أو غير سني، مسلماً كان أو نصرانياً عندما يدعو الله ينظر إلى السماء ولا ‏يتلفت يميناً ولا شمالاً، ولا يستطيع دفع هذه الضرورة التي تدفعه تلقائياً إلى النظر للسماء ورفع ‏يديه إليها. ويحكى عن الجويني أنه لما ذكر الهمداني عنده هذا الإشكال لطم رأسه وصرخ وقال: ‏حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.. ‏

ثم خبا ضوء الأشاعرة وانفض سامرهم، والأمر نفسه كان ينطبق على المذاهب، وانكب الفقهاء ‏على قراءة المذاهب -دون التزام بمذهب معين- والترجيح بينها وبدأوا يتركون التقليد لأنه أضعف ‏الفقه ونفر منه الناس وجعلهم يدخلون أبنائهم في المدارس العمومية نظراً لصعوبة الفقه ومادة ‏التوحيد وسائر العلوم الشرعية التي جعلها أصحابها طلاسم لا تفيد في معرفة الدين ولا تنفع ‏صاحبها في دنيا الناس.‏

‏ وترك علماء الاعتقاد مذهب الأشاعرة والجدليات الغريبة بين الفرق وبدأنا نستشعر نهضة علمية ‏إسلامية، ثم تراجع كل شيء وعدنا إلى نقطة الصفر وتم إجهاض رسالة وطريق الإصلاح بسبب ‏نفر من العلماء الجامدين، وأيضاً بسبب بعض أصحاب السلطة الذين رأوا في المصلحين خطراً ‏عليهم فكالوا لهم التهم وأتعبوهم بالسجن والتضييق واضطروا كثيراً منهم للسفر والهجرة، ثم بَهَت ‏التعليم الديني في مصر ودخل في طور الخمود والركود وتراجع كثيراً، وظن ضعفاء البصيرة ‏وبعض السطحيين أن سبب ضعف الحركة العلمية هو ترك تقليد المذاهب وعدم الاهتمام بمذهب ‏الأشعري إلا في إطار كونه تراثاً علمياً وهو بالفعل ليس أكثر من ذلك، فكان أن أعاد هؤلاء فكرة ‏التمذهب وجعل مذهب الشافعي أو غيره كالدين، وبهذا يصبح لكل منطقة دينها، فدين أهل الصعيد ‏المالكي، ودين أهل الوجه البحري الشافعي، ودين سكان القاهرة هو الحنفي، وتعصب البعض ‏للشافعي حتى كأن للإسلام رسولان فأولهما هو سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ‏وثانيهما هو محمد بن إدريس الشافعي!!.‏

حسناً هل لنا أن نسألهم وهم يعرفون أن المذاهب لم تستقر ولم تنتشر ولم تتمكن إلا بعد وفاة ‏أصحابها وبعد تدوينها في الكتب يعني في القرن الرابع الهجري فإن قالوا في الثالث قلنا لا بأس ‏فهل معنى هذا أن المسلمين كانوا على ضلالة قبل المذاهب الفقهية؟؟ وهل كانوا على ضلالة قبل ‏مذهب الأشعري؟ وهل كانوا على ضلالة قبل الطرق الصوفية التي بدأت بوادرها في القرن ‏السادس الهجري وانتشرت في القرن السابع؟؟ وإذا لم يكن التعصب للمذاهب بدعة فما هي ‏البدعة؟ إنهم يجعلون إمام المذهب كصاحب الشرع فكيف يُقبل هذا؟ لكل ما سبق أقول وقد أكون ‏مخطئاً أن الوضع الحالي الذي عليه المهتمون بالعلم الديني والذي ينبئ عن تقليدٍ عقيم وعن فهمٍ ‏سقيم وتهميش لفقه المقاصد وجوهر الرسالة المحمدية وفي الوقت ذاته عدم فهم الواقع كما ينبغي ‏وينبي قبل هذا عن هزال المعرفة الدينية، إن هذا الوضع لن يصل بنا إلى أي تجديد من أي نوع، ‏والحل في يد الأزهر الشريف فليس لنا مؤسسة دينية ترعانا غيره، فإما التجديد الحقيقي وإما ‏الهزيمة الفكرية الحقيقية‎.‎

المراجع :

1- الباعث على إنكار البدع والحوادث بتحقيق عادل عبد المنعم أبو العباس..طبعة دار ابن سينا. 2- ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين، طبعة مكتبة الأسرة 3- فقه السنة للشيخ سيد سابق 4- الرسالة الحموية للشيخ ابن تيمية 5- تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده لتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.