أراء وقراءات

القسمة و النصيب.

بقلم / ياسر راجح

 

لم تكد عقارب الساعة المعلقة على الحائط تلامس الخامسة عصراً حتى أغلق حاسوبه ثم نهض تاركاً مكتبه المزدحم بالفواتير و الشيكات و الدفاتر متجاهلاً تعليمات المدير المالي له بالبقاء ساعات عمل إضافية ليتمكن من تقفيل ميزانية العام الذي مضى لتوه.

و هل يستحق الأمر؟ كم سأربح علاوة على الراتب الحزين الذي أتقاضاه أخر كلَ شهرٍ طويل مثقلٌ بالأقساط والإلتزامات؟! , يلاالحمد لله , كل واحد بياخد رزقه , هيا كده الحياة .. قسمة ونصيب !

عام أخر سقط من عمري كورقةٍ صفراء يابسة في شجرة بلا ثمار , أيها الزمان مهلاً فما أسرع خطاك !

هكذا حدث صبري نفسه بينما كان يهم بمغادرة الشركة التي يعمل بها مسرعاً إلى الواحة ذلك المقهى البلدي الرخيص على أول الطريق المؤدي إلى سكن الشركة, حيث كان يعيش مع مجموعة من زملاء العمل في تلك المدينة الصناعية النائية, بعيدًا عن محل إقامته.

جلس وحيداً في احد اركان المقهى كما اعتاد ان يفعل كل مساء ينفض عن نفسه ما قد علق بها من غبار الأفكار و الهموم بعد يوم عمل طويل حافل بالضغوط و الأعباء .

خلع نظارته الطبية السميكة واضعاً اياها على المنضدة الموضوعة أمامه ثم فتح حقيبة يده المتهالكة الملقاة على الكرسي المجاور لها و بدأ في إلتهام ما تبقى بها من سندوتشات الفول التي اشتراها للإفطار صباح ذلك اليوم بينما حضر النادل سريعاً ليضع أمامه كوبًا من الماء البارد مردداً جملته المعتادة, الف هنا, أؤمر يا أستاذ.

جاء رده مقتضبًا , شاي بلمون وحجر .

على فجأة صوت النغمة الصادرة عن جواله فأخرجه من الحقيبة و نظر فيه سريعاً ثم أعاده إلى الحقيبة مرة أخرى دون أن يكترث ! , لم يكن الطالب مسجلاً لديه و قد إعتاد أن لا يرد على أرقامٍ غريبة لا يعرف أصحابها, هكذا علمته التجارب أن لا يتوقع مفاجئة أو خبر سار, فحتى مكالمات الأهل ليس ورائها من شئ غير خبر وفاة أو مرض أحدهم أو شكوى من مشكلة يبحث لها صاحبها عن حل.

إمتلئ المقهى بالزبائن شيئاً فشيئاً مع إقتراب موعد بث مباريات كأس العالم عندما عاد النادل واضعًا أمامه الطلبات في صمت, ثم إنصرف.

تصاعدت سحب دخان الشيشة من هنا و هناك ممتزجةً بصياح مشجعي كرة القدم المتراصين أمام شاشة العرض الكبيرة في مدخل المقهى و صوت المعلق الرياضي بلهجته المغربية المميزة و أصوات إرتطام زهر و كروت الطاولة

بصندوقها الخشبي أمسك هو الأخر بعصا الشيشة ليسحب منها نفسًا عميقًا حبسه داخل صدره قليلاً ثم بدأ يخراجه ببطئ كأنما يجتر إحباطات الماضي ليحيط برأسه الدخان من كل جانب , سافر بذاكرته بعيداً في الزمن, فتعالت داخله أصوات خفت إلى جانبها ضجيج المقهى فغاب وعيه في جوف الصخب المفعم بالغيوم , تذكر ما قالته زميلة عمله القديم, عبير, عندما جلسا سويًا بأحد المقاهي الراقية نوعًا ما ذلك المساء الشتوي المظلم البعيد,

صبري أوعى تفتكرني غبية أو مبفهمش , أنا من زمان حاسة بشعورك ناحيتي و مقدراه و بحترمه و يعز عليا أجرح شعورك أو أكسر بخاطرك, علشان كده وافقت أخرج معاك بعيد عن الشركة و جو الشغل , لازم أحط معاك النقط فوق الحروف , مش عايزاك تتعلق بيا أكتر من كده و تعيش على أمل صعب إنه يتحقق , أنا فاهمة ظروفك كويس و عارفة إنها متسمحش بالإرتباط, لا بيا و لا بغيري, لازم تفهم إن الحب ده مسؤلية قبل كل شئ مش مجرد مشاعر و أحاسيس بس , خلينا نتكلم بصراحة لو طلبت دلؤتي طلب تاني حتقدر تدفع الحساب؟

يا صبري الزمن بيجري بينا بسرعة و حياتنا قصيرة لا تحتمل تضييع الوقت في تجارب محكوم عليها بالفشل و أنا لسة أودامي حاجات كتير أوي عايز أعملها , الماجستير و الدكتوراة و متزعلش مني إرتباطي بيك مش حيساعدني أحقق اللي أنا عايزاه

كان ردها صادمً له بدرجة لم يكن يتوقعها , فصمت و لم يرد !

أرادت أن تمنعه من التمادي في الوهم لكنها بدلاً من ذلك حطمت بداخله شيئٌ ما لا يمكن إصلاحه حتى بمرور الزمن !

لم يعد هناك معنى لأي كلام يمكن أن يقال فنهض على الفور مناديًا النادل ليدفع إليه الحساب في خجل قبل أن يخرج معها مسرعًا إلى الطريق.

و بخطواتٍ مرتبكةً سارا معًا لمسافةٍ قصيرة بدت خلالها أكثر رقة, كأنما تواسيه :

معلش يا صبري إنت بردو حتفضل أخ و زميل , متزعلش إنت عارف المسائل دي بتبقى يعني قسمة ونصيب و مسيرك تلاقي الإنسانة المناسبة, أشوفك الصبح في الشركة باي باي .

لم تنتظر منه ردًا و أشارت لأقرب سيارة أجرة عابرة ,ثم قفزت بداخلها لتنطلق مسرعةً و تتبخر من أمامه فجأة كحلم من أحلام اليقظة !

ظل ليلتها ساهراً يفكر فيما حدث , لم يذهب إلى عمله صباح اليوم التالي , بدا له العمل كورقة توتٍ ليس إلا , مجرد ستر لا يكفي لتحقيق أبسط أحلام الإنسان!

و فيما زحف الليل في هدوء ليبدد نسيمه البارد المنعش غيوم الدخان و الأفكار, خفتت إضاءة المقهى, وهدأ من حوله الضجيج شيئًا فشيئًا مع نهاية المبارة و رحيل المتابعين لها, و هدأ بداخله ضجيج الذكريات .

شعر بالنعاس فنهض ليحاسب النادل الذي بدا منهمكاً في جمع الاكواب الفارغة و ترتيب كراسي المقهى المبعثرة عندما إنبعثت فجأة من المذياع المثبت على جانبٍ من المقهى صوتُ أغنيةٍ قديمة :

الورد من يوم وحدتي خاصم حبايبه كلهم

خاف من نصيبي و قسمتي ليكون نصيبه زيهم !

سار وحيدًا في الشارع الطويل مبتعداً عن الواحة فإنخفض في أذنه صوتُ المذياع تدريجياً حتى اختفى عندما غاب هو تماماً في ظلام الليل الحالك , فساد الصمت ولم يبق إلا السكون .

 

11 / 8/ 2021

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.