أراء وقراءات

مفهوم الكون الكبير ..(11) المُلك والمَلَكوت

بقلم: د.سعد كامل

حقائق الكون الكبير مقابل آمال الفيزيائيين:

تدور الكثير من النقاشات في دهاليز الفيزياء الحديثة حول أهم معطيات ذلك العلم (خصوصا حول تطبيقات ونظريات الفيزياء النظرية)، ومن أبرز تلك الحوارات ما يرتبط بالآفاق المتوقعة لتطور معطيات علوم الفيزياء في العقود والقرون القادمة، ويتضمن ذلك: أفكار الأكوان المتعددة، وما نتج عنها من آمال الانتقال بين تلك الأكوان!!! وأحلام وآمال السفر عبر الزمن، وآمال الانتقال الفوري للسفر عبر الكون الشاسع، وتوقعات الوصول إلى مصادر غير عادية للطاقة لزوم ذلك السفر بسرعات تضاهي سرعة الضوء، إضافة إلى تحولات المادة إلى طاقة عند الانطلاق بسرعة الضوء… وغير ذلك الكثير من الآمال والأحلام التي يعتبرها البعض حاليا من المستحيلات لكن يتمنى واضعوها أنها من الممكن أن تتحقق في المستقبل.

فإذا توقفنا للتفكير حول هذه الآمال المادية التي يحلم بها ذلك الإنسان الضعيف، المنبهر بأبعاد الكون المنظور الشاسعة التي تحتاج إلى آلاف الملايين من السنوات لقطعها (بافتراض تحقق آمال السفر بسرعة الضوء)، فلننظر إلى قوله تعالى في سورة الرحمن ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33))، فهذه الآية  التي تشير –كما جاء في مختصر تفسير ابن كثير- تشير إلى استحالة هروب الجن والإنس من أقطار السماوات والأرض يوم الحشر، فهي تذكر أيضا أن الأمر أكبر من مجرد السفر عبر أبعاد الكون المدرك الواسعة، بل يتعداه إلى أبعاد السماوات السبع التي تفوق أبعاد الكون المدرك بثلاث عشرة مرة! … لذلك تؤكد الآية الكريمة أن ذلك السفر مرهون بسلطان الله سبحانه وتعالى.

وقد ذكرنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة أن أعظم هذه الآمال قد تحققت وفق سلطان الخالق العظيم سبحانه وتعالى، وذلك ضمن رحلة المعراج –الواردة في الأحاديث الصحيحة-، فالسفر عبر الكون قد تحقق، والانتقال اللحظي قد تحقق، لكن لم ترد أية آثار حول السفر عبر الزمن، ولا عن الأكوان المتعددة، ولا عن تحول المسافر –صلى الله عليه وسلم- إلى طاقة عندما سافر بسرعات تفوق سرعة الضوء بملايين المرات … هنا تبرز الكثير من الأسئلة:

-متى ستستفيد البشرية من رحلة المعراج؟ التالية لرحلة الإسراء برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، والتي تعتبر من التراث البشري الذي نحتاج إلى الاستفادة منه، وإلى توظيفه ضمن التفكير العلمي الحديث لضبط أبعاد وحدود ذلك التفكير.

-متى سينهض المسلمون من غفوتهم ليقولوا للعالم أننا نحمل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ ذلك الرسول الذي رأى ما لم يراه غيره: رأى جنة المأوى وما فوقها…. ولئن رأى غيره ما رآه لتاها، وقد وردت الكثير من الأحاديث المتواترة الصحيحة في وصف تلك الرحلة المقدسة.

وقد تناولت آيات سورة النجم المذكورة في بداية هذا المقال أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قد رأى من آيات ربه الكبرى، وقد جاء في مختصر تفسير ابن كثير لتلك الآيات ما يلي:

1) روى النسائي، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى والرؤية لمحمد؟

2)  وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟

3) وروى الإمام مسلم والإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أِنْتُهْىَ به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يُعْرَجُ به من الأرض فيُقْبَضُ منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيُقْبَضُ منها.

4)  وعن قوله تعالى (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16))، قال ابن مسعود أيضا: فراش من ذهب، قال وأُعْطِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المًقْحِمَات (أي الذنوب التي تورد أصحابها النار ما لم يقع في الشرك).

5)  وعن مجاهد قال: كأن أغصان السدرة لؤلؤاً وياقوتاٌ وزبرجداً، فرآها محمد صلى الله عليه وسلم، ورأى ربه بقلبه. وقال ابن زيد: قيل يا رسول الله أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله عز وجل.

6) وقوله تعالى (مَا زَاغَ الْبَصَرُ) قال ابن عباس: ما ذهب يمينا ولا شمالا، (وَمَا طَغَى) ما جاوز ما أُمِرَ به، ولا سأل فوق ما أُعْطِيَ.

 

7) وقوله تعالى (لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)) كقوله: (لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا… الآية (1) سورة الإسراء) أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا القاطعة.

فهذه الآيات تشير إلى أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قد رأى من آيات ربه الكبرى، نعم قد رأى… ومن الذي رأى غيره صلى الله عليه وسلم؟ فهل رأى ربه –على خلاف حول الكيفية وعن وقوع تلك الرؤية العظيمة-، لكنه رأى الكون الواسع الذي وردت أحاديث وروايات عن وصف مكوناته وما فيه (السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والماء والعرش واللوح المحفوظ والبيت المعمور والملائكة)، ورأى سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، فهذه الرؤية تعتبر من خصوصياته صلى الله عليه وسلم.

وجاء في مختصر تفسير ابن كثير أيضا حول قوله تعالى من سورة المؤمنون: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86)) قوله: أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات؟ ومن هو رب العرش العظيم يعني الذي هو سقف المخلوقات؟ كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سماواته هكذا” وأشار بيده مثل القبة.

فهذه الآيات والروايات تفيد أن الكون يتكون من العالم السفلي الذي نعيش فيه (أو الكرة الأرضية) والعالم العلوي بما فيه من السماوات والأرضين وما بينهما من الخلق والملائكة… انتهاءاً إلى العرش الذي هو سقف المخلوقات، فلا شك أننا على الأرض إن كانت لدينا القدرة على رصد ومتابعة مكونات الكرة الأرضية، وبعض مكونات العالم العلوي من مجرات الكون المدرك، فإن ما خلا ذلك من العالم العلوي ليس لنا عنه أية مصدر للمتابعة والرصد إلا بما ورد في الوحي المبين. ويقترح الباحث اعتماد نموذج السمان (2017) عن بنية السماوات السبع والأرضين السبع المذكور في مقال الكون وأبعاده، مع بعض التعديلات (شكل 1).

بناء على ما تقدم فإن هذا المقال من سلسلة مفهوم الكون الكبير يهدف إلى تجميع بعض التفاصيل الواردة في النصوص الشرعية حول مكونات الكون أو ما جاء به الوحي عن مُلْكِ الله عز وجل، وسوف تتناول المقالات التالية مناقشة بعض التفاصيل حول العرش والكرسي واللوح المحفوظ… وينوي الباحث أن يفرد مقالات أخرى لبعض مكونات الكون العظيم مثل السماوات السبع والأرضين السبع والملائكة.

شكل (1): مخطط مقترح للكون بشكل تخيلي يقترحه الباحث لتمثيل ما جاء به الوحي عن مُلْكِ الله عز وجل، مع قائمة الموضوعات العامة لمقالات  بحث مفهوم الكون الكبير، ومنها المقال الحالي عن الملك والملكوت.

((لو الشكل غير ظاهر فضلا إضغط على الفراغ أعلى هذا الكلام))

المُلْكِ والمَلَكُوْتِ:

جاء في سورة يس قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83))، يقول مختصر تفسير ابن كثير: “هذا تنزيه وتقديس للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وإليه ترجع العباد يوم المعاد فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المنعم المتفضل، ومعنى قوله سبحانه: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء) كقوله عز وجل: (تبارك الذي بيده المُلك) فالمُلك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، ومن الناس من زعم أن (المُلك) هو عالم الأجساد، و(الملكوت) هو عالم الأرواح، والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.”  وقد ورد في مختصر تفسير ابن كثير حول قوله تعالى من سورة الملك: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) قال: “إن الله تعالى يمجد نفسه الكريمة مخبرا أنه هو المتصرف في جميع مخلوقاته”. وفي ذلك دلالة قاطعة على أن المُلك مبني بشكل أساسي على توحيد الخالق تبارك وتعالى، فهو سبحانه الخالق المتصرف في جميع المخلوقات ولا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لقهره وحكمته وعدله. وقد وردت إشارات عديدة في القرآن الكريم حول مفهوم المُلك والمَلَكُوت نذكر منها ما يلي:

  • جاء في سورة الأنعام قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75))، يقول مختصر تفسير ابن كثير: “أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله عز وجل في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه”… ويقول: “وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس حول هذه الآية: أنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخفي عليه شيء من أعمال الخلائق، فيحتمل أن يكون كشف له عن “بصره” حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن “بصيرته” حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة”.
  • وجاء في مختصر تفسير ابن كثير أيضا حول قوله تعالى من سورة الأعراف: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)): “أي أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السماوات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، فيؤمنوا بالله ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان”.
  • ويتناول مطلع سورة الطور بعض مكونات الكون الواسع، ويرى الباحث أنها تذكر بعض عناصر المُلك أو الملكوت في صيغة القسم الإلهي بأعظم المخلوقات على وقوع العذاب للكافرين والمشركين: (والطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8))، جاء في مختصر تفسير ابن كثير حول هذه الآيات ما يلي: “يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة، إن عذابه واقع بأعدائه وأنه لا دافع له عنهم، والطور هو الجبل الذي يكون فيه أشجار مثل الذي كلم الله عليه موسى، وما لم يكن فيه شجر فلا يسمى طوراً، إنما يقال له جبل. (وكتاب مسطور) قيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الكتب المنزلة، التي تقرأ على الناس جهارا، ولهذا قال: (في رق منشور)،

o وقوله تعالى: (والبيت المعمور)، ثبت في الصحيحين من طريق مالك ابن أبي صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء: ((ثم رُفِعَ بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم)) يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، وهو كعبة السماء السابعة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه. والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة، والله أعلم.

o وقوله تعالى: (والسقف المرفوع) عن علي قال: يعني السماء، ثم تلا: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32)) سورة الأنبياء، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي واختاره ابن جرير، وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني أنه سقف جميع المخلوقات، وقوله تعالى: (والبحر المسجور) قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر”.

يتضح من النصوص الشرعية المذكورة أعلاه أن المُلك هو الملكوت، وأنه يشير إلى قدرة الله عز وجل في خلق ذلك المُلك الكبير، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه وهو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وما بينهما من الخلق والملائكة الكرام، وأنه سبحانه خالق العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وأنه تبارك وتعالى خالق الماء الذي تحت العرش بقدرته وجلاله…. ولنا في المقالات القادمة بإذن الله تطوافة سريعة حول بعض ما ورد من نصوص شرعية عن العرش والكرسي واللوح المحفوظ والسماوات السبع والأرضين السبع، وذلك قبل الانتقال إلى المجموعة الثالثة من المقالات حول خلق الكون، وبالله التوفيق.

بقلم: د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا – الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.