البحث العلمى

مفهوم الكون الكبير .. (31) الأرض أو الكرة الأرضية

الحلقة الثانية: الكرة الأرضية في القرآن الكريم

بقلم: د.سعد كامل 

 

البحث القرآني حول مفهوم الكون:

قام الباحث بتجميع الآيات القرآنية حول المفاهيم المرتبطة بالكون الكبير، وقد نتج عن هذا البحث تجميع آيات من أكثر 700 موضع من الكتاب الكريم (أكثر من 1400 آية إجمالا)، ومن ثم قام الباحث بتصنيف الآيات التي تتناول السماوات والأرض بمعنى الأرضين السبع (150 موضعا) والآيات التي تتناول السماء (120 موضعا) قام بتصنيفها إلى موضوعات تفصيلية، وقد تمت مناقشة تلك التفاصيل في مقالات سابقة من هذه السلسلة، ومن الجدير بالذكر أن لفظة الأرض قد وردت في القرآن الكريم 458 مرة، وقد قام الباحث بحصر نحوا من 150 موضعا في الكتاب الكريم تتضمن لفظ الأرض بمعنى “الكرة الأرضية”، وقد ذكرنا في المقال السابق أن هذه المواضع يمكن تصنيفها إلى عدة مجموعات كما يلي:

1)   آيات تتناول صفات عامة للكرة الأرضية:

تقوم الكرة الأرضية بالنسبة للبشر بمقام البيت الذي يعيشون فيه، كما تعتبر المستقر لأجسادهم بعد الموت، ويظن معظم البشر أنها أكبر شيء في الكون، بينما القليل جدا من البشر يدركون أنها ليست إلا كوكبا صغيرا من الكواكب التابعة لأحد نجوم إحدى المجرات في الكون المدرك، والكون المدرك لا يمثل بدوره إلا أقل من ثلاثة أجزاء من مليون جزء من الكون الكبير الذي يضم السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش العظيم. … من هنا نجد أن تركيز القرآن الكريم على وصف العديد من جوانب ومكونات تلك الكرة الأرضية التي هي دار الاختبار والاستعداد للحياة الحقيقية في يوم القيامة، نجد أن ذلك التركيز يعتبر من دلائل الرحمة الإلهية في الاعتناء بذلك المخلوق المميز على هذا الكوكب المميز.

من هنا يمكننا أن نلمس تمييز الخالق عز وجل لذلك الكوكب الصغير ولسكان ذلك الكوكب من بني آدم، فنجد آيات القرآن الكريم تصف بعض الصفات العامة لكوكب الأرض مثل مد الأرض وتذليلها للبشر، ومكانتها عند البشر، مع ذكر بعض ما عليها من مخلوقات (جدول 1)، ونقتطف من تفسير بعض هذه الآيات ما يلي:

جدول (1) ((لو الجدول لا يظهر: فضلا اضغط على الفراغ أعلى هذا الكلام))

-جعل الله تبارك وتعالى الشكل الشائع في الأجرام السماوية هو الشكل الكروي، فالكرة الأرضية شبه كروية الشكل، وبقية كواكب وأقمار المجموعة الشمسية بل والشمس نفسها كروية الشكل أيضا، والقليل من الأجرام السماوية مثل المذنبات تبتعد عن الشكل الكروي ويكون لها ذيلا طويلا بسبب طبيعة تكوينها وحركتها، ويعتبر علماء الفلك وعلوم الأرض أن الشكل الكروي لكوكب الأرض هو الذي يحقق “مد الأرض” المذكور في الآية 3 من سورة الرعد: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا)، فالشكل الكروي هو الشكل الهندسي الوحيد الذي يجعل المتحرك على سطح الكرة الأرضية يشعر أنها ممدودة بلا نهاية، في حين انه في الشكل الهرمي أو المثلثي أو المستطيل سيعترض المتحرك عليها حوافا وانقطاعات عند حدود تلك الأشكال فلن تكون ممدودة، ولعل الحجم الهائل للكرة الأرضية يجعل الدارس يشعر أنها مسطحة حيث أنه من المعروف هندسيا أن أي قطعة من محيط الدائرة الكبيرة تبدو مستقيمة الشكل.

-أما فيما يخص تثبيت القشرة الأرضية بالرواسي وهي سلاسل الجبال العظيمة، فمن المعروف في العلوم الجيولوجية أن تلك الرواسي تتكون عبر مئات أو آلاف الملايين من السنوات، مع دورات من ترسيب الصخور في البحار القديمة التي ما إن تمتليء بالرواسب حتى تنطوي رواسبها بالحركات الأرضية فتتكون الجبال المنثنية الضخمة (مثل جبال الألب والهيمالايا)، وتتعاقب مع هذه الدورات دورات أخرى من أجسام الصخور النارية والمتحولة المندسة من أعماق القشرة الأرضية بين الصخور السطحية، وفي النهاية تبرز قمم تلك الجبال عاليا بينما تغوص أجزاء كبيرة منها في أعماق القشرة الأرضية لتعمل على تثبيت تلك القشرة وتثبيت الكرة الأرضية عموما من أن ترتج وتترنح مع دورانها حول محورها، كما أن سقوط الأمطار والسيول على منحدرات تلك الجبال ينتج عنه تكوين الأنهار والمجاري المائية مع ضفافها من المسطحات الطينية المذللة للزراعة ونمو النباتات، فكل ذلك من صنع الخالق سبحانه وتعالى لتذليل الأرض لمعيشة البشر على سطحها: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) سورة الملك.

-أما عن أهمية الكرة الأرضية للبشر فقد بدأت مع هبوط أبو البشر آدم (عليه السلام) مع زوجه من الجنة بعد مكيدة إبليس اللعين لهما، وقد جاء ذلك في قوله تعالى من سورة الأعراف: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25))، فالأرض كل الأرض (الكرة الأرضية) مستقر ومتاع للبشر فهي مستقر فوق الأرض أو تحتها (كما جاء في تفسير ابن كثير)، والأرض على ضخامتها فهي صغيرة جدا بالنسبة لملك الموت، فقد قال القرطبي في تفسيره: روي عن مجاهد :”أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث شاء”.

-وتضم عملية تجهيز الكرة الأرضية لاستقبال الإنسان للعيش عليها، تضم انتشار الأشكال المتنوعة من الكائنات الحية (حيوانات أو نباتات) في جنبات الأرض لفائدة هؤلاء البشر كما جاء في سورة الرحمن: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)) والأنام هي جميع الخلق كما ذكر ابن كثير في تفسيره، وقد أشار قوله تعالى في سورة الأنعام إلى أن تلك الدواب هي أمم مثل البشر: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)).

2)   آيات تتناول بعض أفعال البشر على الكرة الأرضية:

تتفاوت أفعال البشر مع حركتهم في الحياة على الكرة الأرضية تفاوتا كبيرا، فالمهمة الأساسية لهم هي الخلافة، لكن بعضهم يسعى في الأرض فسادا وظلما واستكبارا، بينما القليل من البشر هم من يصلحون في الأرض ولا يتكبرون، وتتعدد صور أفعال البشر على الأرض لذلك يستعرض القرآن الكريم تلك الأفعال في 68 من الآيات الكريمة (جدول 2 و 3):

أ‌) الاستخلاف: تمثل الآية 30 من سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) بداية قصة تكليف البشر بعمارة الكرة الأرضية وذلك في الحوار الإلهي مع الملائكة، وتلك الخلافة أو الاستخلاف هي عبارة عن قيام البشر بعمارة الأرض جيلا بعد جيل بحيث يخلف كل منهم الآخر كما جاء في تفسير ابن كثير للآية 165 من سورة الأنعام: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ )، وقد كلف الله سبحانه وتعالى نبيه داوود بالعدل لأنه نبي وخليفة كما جاء في الآية 26 من سورة ص: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى).

جدول (2) ((لو الجدول لا يظهر: فضلا اضغط على الفراغ أعلى هذا الكلام))

ب‌) التمكين في الأرض: نعمة تمكين الصالحين من الحكم في الأرض تعتبر من أفضل نعم الله عليهم وذلك لما فيها من الأجر العظيم، وذلك كما جاء في الآية 41 من سورة الحج: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، وهذا هو ديدن نبي الله يوسف عليه السلام الذي وصفه الحق تبارك وتعالى في الآية 56 من سورة يوسف: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57))، ونلاحظ أن الآية 57 تشير إلى أن أجر الآخرة أفضل من أي منصب في الدنيا ولوكان حكم بلد كبير مثل مصر.

ج) السير في الأرض للاعتبار: يتميز النص القرآني بالشمول حيث يضم أخبار السابقين للاعتبار، وأحكام الدين للتطبيق، وأنباء يوم الدين للاستعداد، لذلك نجد العديد من الآيات تشير إلى السير في الأرض للاعتبار بالأمم السابقة، وقد أحصى الكاتب 12 آية حول هذه النقطة (انظر جدول 2) منها قوله تعالى في سورة آل عمران: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137))، قال ابن كثير في تفسيره حول هذه الآية: “أي جرت السنين عليهم ففاز المؤمنون، ودارت الدائرة على الكافرين”.

د)  الإفساد في الأرض: تعتبر مشكلة الإفساد في الأرض من أكبر مشكلات البشرية تعقيدا وتأثيرا في أحوال البشر على سطح الكرة الأرضية، ففي ظل ذلك الإفساد تقع مصائب وويلات يعاني منها المستضعفين على أيدي الطغاة والمتجبرين، كما أن ذلك يحقق الأجر والثواب للمصلحين الذين يواجهون الفساد والمفسدين تعويضا من المولى تبارك وتعالى للمصلحين على التضحية بأعمارهم على الكرة الأرضية في مواجهة هؤلاء الأشرار، فهناك ترتاح القلوب وعند الله تجتمع الخصوم، وقد أحصى الكاتب 23 موضعا في القرآن الكريم (جدول 3) تتناول معاني الإفساد في الأرض (أو في الكرة الأرضية)، ولنأخذ جولة بين آيات القرآن الكريم حول ضروب الفساد والإفساد في الأرض:

-أسوأ صور الإفساد في الأرض هي: الكفر والشرك والعمل بالمعاصي، كما جاء في قوله تعالى من سورة البقرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12))، وقد ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره مؤكدا على أن صلاح الأرض والسماء بالطاعة.

-والفسق من الإفساد في الأرض كما جاء في قوله تعالى من سورة البقرة: (…وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)).

-والحرابة من الإفساد في الأرض كما جاء في قوله تعالى من سورة المائدة: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)).

-والسرقة كذلك كما جاء في سورة يوسف: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73))، والتكبر أيضا من الإفساد في الأرض كما جاء في سورة القصص ضمن ذكر قصة قارون: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)).

-والتجبر والطغيان في الأرض أيضا من الإفساد كما جاء في سورة الإسراء: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)).

-وتتعدد الأمثلة من إفساد الأمم السابقة كما يرويها القرآن الكريم مثل إفساد ثمود قوم صالح عليه السلام ضمن قوله تعالى من سورة النمل: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)) وكان من إفسادهم قتل الناقة ومحاولة قتل نبي الله صالحا عليه السلام، وكذلك إفساد مدين قوم شعيب عليه السلام الذي ورد في سورة الأعراف: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)) وكان من إفسادهم خسران الميزان وظلم الناس.

-ويتجلى العدل الإلهي في أن الله تعالى لا يساوي بين المفسدين والمصلحين، فللمصلحين عند ربهم جنات النعيم، أما المفسدين فلهم عذاب الجحيم كما جاء في قوله تعالى من سورة ص: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)).

-ومن المضحكات المبكيات أن المفسدين في الأرض ينظرون إلى المصلحين على أنهم هم من يسعون في الأرض فسادا، كما جاء على لسان فرعون عند قيامه بشيطنة نبي الله موسى عليه السلام، وذلك ضمن قوله تعالى من سورة غافر: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)).

هـ)  الاستكبار والعلو في الأرض:

يمكن اعتبار الاستكبار والعلو في الأرض من ضروب الإفساد في الأرض، لكن القرآن الكريم خصص لهذا النمط من الأفعال البشرية على الكرة الأرضية 15 موضعا من الآيات الكريمات (جدول 3)، ونرى المنهج القرآني يوضح طريق الخير كما في قوله تعالى من سورة الفرقان: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63))، كما يذكر القرآن الكريم عدة أمثلة للاستكبار والعلو في الأرض نختار منها ما يلي:

  • يذكر القرآن الكريم الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق في عدة مواضع منها قوله تعالى في سورة فصلت: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15))، وكذلك في سورة القصص: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)).

 

  • كما يوضح القرآن الكريم أن من مظاهر الاستكبار في الأرض الظلم والشرك وقطع الرحم كما في قوله تعالى من سورة الشورى: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)) كما ذكره ابن كثير في تفسيره.

 

  • ويوضح القرآن الكريم أن الاستكبار هو السبب في الصد عن سبيل الله كما جاء في سورة فاطر: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43))

جدول (3) ((لو الجدول لا يظهر: فضلا اضغط على الفراغ أعلى هذا الكلام))

  • كما أن مصير الضالين هو الخلود إلى الآرض، والاستسلام للشياطين، كما جاء في قوله تعالى من سورة الأنعام: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)).
  • من هنا كان ديدن الصالحين هو نصيحة قومهم وأبنائهم بعدم التخايل والاستكبار في الأرض، كما جاء في موعظة لقمان لابنه في قوله تعالى من سورة لقمان: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18))، فهل يمكن لأي مؤمن عاقل أن يحب ما لا يحبه الله تعالى من الكبر والخيلاء؟

3)   حالات نفسية واجتماعية للبشر على الكرة الأرضية:

الكرة الأرضية هي مستقر البشر في هذه الحياة الدنيا، لذلك تأتي الآيات القرآنية لوصف بعض الحالات الاجتماعية والنفسية للبشر على الأرض بمعنى الكرة الأرضية، وقد أحصى الكاتب 25 موضعا من الكتاب الكريم تتناول تلك الحالات (جدول 4) منها الآية 79 من سورة المؤمنون: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) وهذه الآية توضح أن الله تعالى هو الذي خلق البشر وذرأهم أي نشرهم على الأرض ثم يبعثهم منها في يوم الحشركما قال ابن كثير في تفسيره، كما يعتبر السفر في الأرض من الأنشطة البشرية التي قد يعتريها أحكاما تختص بها كما جاء في سورة المزمل: (…عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ… الآية (20)).

جدول (4) ((لو الجدول لا يظهر: فضلا اضغط على الفراغ أعلى هذا الكلام))

وتؤكد آيات الكتاب الكريم على حقيقة أنه مهما كانت قوة الكافرين فإنهم لن يعجزوا الله في السماوات ولا في الأرض، كما جاء في قوله تعالى من سورة فاطر: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)) انظر تفسير ابن كثير للتوسع.

ومن الحالات الاجتماعية للبشر على الكرة الأرضية الحروب التي تؤدي إلى اقتصاص أجزاء من أراضي دولة لصالح غيرها من الدول المناوئة لها، وذلك كما في قوله تعالى من سورة الرعد: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)) ومثال ذلك الفتوحات الإسلامية في عهد الراشدين كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، ومن أفعال البشر على الأرض أيضا الموالاة فنجد القرآ ن الكريم يحذر من موالاة الكافرين لأن في ذلك فتنة للضعفاء كما في قوله تعالى من سورة الأنفال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)).

ومن الحالات النفسية التي يمر بها البشر مع تقلبات الحياة على الأرض الضيق والهم، ويذكر القرآن الكريم ذلك في عدة مواضع منها حالة الهزيمة في غزوة حنين التي جاءت في قوله تعالى من سورة التوبة: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25))، ومنها حالة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك والتي جاءت في قوله تعالى من سورة التوبة: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)).

وفي ختام هذا المقال يؤكد كاتب هذه السطور على الفضل الإلهي الكبير فيما يخص رعاية البشر الذين يسكنون تلك الكرة الصغيرة التي تكاد لا يكون لها وزن في هذا الكون الواسع، وذلك لأن الكرة الأرضية التي يسكنها بني آدم -عليه السلام- تأخذ مكانتها من إيمان ساكنيها بالرب المعبود خالق الكون الكبير، وقد رأينا أن كلمة الأرض تتعدد معانيها في القرآن الكريم كما ذكرنا في المقال السابق من هذه السلسلة، ومن ضمن هذه المعاني تأتي الأرض بمعنى الكرة الأرضية في نحوا من 150 موضع من القرآن الكريم .وقد استعرض هذا المقال بعض المعاني التي تشير إليها الآيات المصنفة في الجداول (1 إلى 4). وتتضمن:

1)  صفات عامة للكرة الأرضية.

2)  بعض أفعال البشر على الكرة الأرضية (مثل: الاستخلاف والتمكين والإفساد والاستكبار والسير في الأرض للاعتبار).

3)  حالات نفسية واجتماعية للبشر على الكرة الأرضية.

ونلتقي في المقال القادم لاستكمال الحلقة الأخيرة عن الكرة الأرضية التي سوف تتضمن استكمال موضوعين آخرين عن الكرة الأرضية في القرآن الكريم:

4)     الأرض بمعنى التربة,

5)    الأرض بمعنى الموقع أو جزء محدد من الكرة الأرضية.

المراجع:

  • مراجع التفسير والحديث الشريف المذكورة في النص.

بقلم: د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا – الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.