الصراط المستقيم

نفحات إيمانية من سورة الرحمن

اعلان

بقلم /حاتم السروي

القرآن الكريم هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، من قال به صدق ومن عمل به أُجِر ومن حكم به عدل، وهو الفصل ليس بالهزل، فيه خبر ما قبلنا، ونبأ ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وقد عدد الله نعمه في سورة الرحمن فكان أولها أنه علم القرآن، وأَكرِم به من علم، فالقرأن مأدبة الله والسادة العلماء يقولون: خذ من القرآن ما شئت لما شئت، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: “ما فرطنا في الكتابِ من شيء” فالقرآن هو النور المبين، ومعانيه أعمق من كل أفكار الفلاسفة، وبلاغته أقوى من كل مآثر الشعراء والأدباء، ومن أراد اللغة فعليه بالقرآن، ومن أراد الفقه فعليه بالقرآن، ومن كان همه رضا الله فلا يسلك إلا سبيل القرآن.

وسورة الرحمن سورة جليلة القدر جَمَّة الفوائد عظيمة المعاني، وفيها تعداد لنعم الله الكثيرة “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها” وأول النعم في سياق الآيات المباركة بهذه السورة هو القرآن فالنعمة فيه مزدوجة وتشمل إنزاله أولاً وتعليمه ثانيًا، ثم تذكر لنا السورة نعمة خلق الإنسان، وتعليمه البيان يعني التعبير عن حاجته بكلامه، والبيان أيضًا يعني الأدب فهو البيان اللغوي الراقي الذي يغذي الوجدان وينمي الثقافة ويهذب المشاعر ويمتع النظر والسمع والقلب، فالأدب نعمة من الله على بني آدم، والآية هنا واضحة في دلالتها على فضل الأدب، والبيان الصادق عن المبادئ السامية له تأثيرٌ قوي على الناس، فهو يسوقهم إلى الخير بسلطان الكلمة وفعلها في النفوس.

وتحدثنا السورة أيضًا عن استسلام كل ما في الكون لله سبحانه الذي لا يعجزه شيء فهو القدير الذي خضع له الجميع إما طوعًا أو كرها، وتعلمنا أن العدل نعمة يتوجب علينا حفظها وصيانتها، وتدعونا إلى التأمل في الأرض التي وضعها الباري جل شأنه للأنام وفي ثمارها التي نتغذى عليها وبها تقوم حياتنا وتصح أجسادنا ونحصل على الطاقة اللازمة لكي نعمل ونسعى، وفي البحر وسفنه العملاقة الشبيهة بالجبال آيات ذكرتها لنا السورة، وفي فناء العالم الذي هو عبرةٌ لكل معتبر، وفي البعث والحساب، وفي عذاب جهنم ونعيم المتقين.

ما أجلها وما أجملها من سورة، وحسبك أنها افتتحت باسم الرحمن، وهو في الأصل على ما يذكره السادة العلماء صيغة للمبالغة في الرحمة، ورحمة الله على الإنسان إنعامٌ وإحسان، وفضل الله ليس كمثله فضل، فهو الذي تعطف على خلقه أولاً بإيجادهم من العدم، وثانيًا بأن يسر لهم سبل الراحة والسعادة في الدنيا كما هدى بعضم إلى الإيمان وتلك رحمةٌ كبرى، وثالثًا تفضل بإسعاد المؤمنين به في الآخرة.

وقوله عز وجل “خلق الإنسان” والخلق هو الصنع على غير مثالٍ سابق، فالله خلق الإنسان يعني أنشأه من العدم وجعل من الطين وهو الجماد نفسًا حية لها جسد ظاهرٌ في الصورة وروحٌ بها تكون الحياة ومنها يكون الفهم والإحساس، كما أن الله كون ذرية آدم في أرحام أمهاتهم وجعل خلقهم أطوارا، طور العلقة وهي الدم المتجمد، ثم طور المضغة وهي قطعة اللحم، ثم كون داخل اللحم عظامًا، وكسا العظام لحمًا؛ بحيث أن لكل عظمٍ ما يلزمه من اللحم الذي يغطيه فيكتمل الخلق، وبعد أن يخرج الإنسان من رحم أمه يتدرج في مراحل الحياة من الطفولة إلى الشباب ثم الكهولة وبعدها الشيخوخة.

وقوله سبحانه “الشمس والقمر بحسبان” يعني أنهما يجريان بحسابٍ مقدر ونظام في غاية الإحكام لنعلم عدد السنين ونصنع التقويم الذي نيسر به أمورنا ونؤرخ به لوقائع الأيام، وأما قوله “والنجم والشجر يسجدان” فالمتبادر إلى الذهن أن النجم هنا هو الذي يبدو في السماء، غير أن بعض العلماء فسروه بأنه النبات الذي ليس له ساق كالأعشاب والبقول، فيكون بينه وبين الشجر مقابلة إذ الشجر هو النبات الذي له ساق سواءً كان الساق صغيرًا أم كبيرا، وقال أبو يحيى محمد بن صمادح التجيبي في مختصره على تفسير الطبري: “والنجم: قيل عُنِيَ به كل ما نجم من نبات الأرض فانبسط عليها ولم يكن على ساق.”(1)

ومعنى السجود في الآية الكريمة هو الخضوع والانقياد فالنجم من النبات والشجر يسجدان أي ينقادان لحكم الله، و”السماء رفعها” والأصل أن كل ما علاك فسماك فهو سماء، ولذا سميت سماءً من السمو، وقد رفعها الله لمنفعة عباده وجعلها سقفًا على الأرض، والسماء التي نراها هي الغلاف الجوي وفوائده معلومة للدارسين فهو يقي الأرض من الآشعة الكونية الضارة وهذا من فضل الله ورحمته.

والله عز وجل “وضع الميزان” وهو العدل، وشدد علينا ألا نطغى في الميزان بإشاعة الظلم، والظلم ظلماتٌ يوم القيامة، وبه تفسد حياة الناس، وتشيع البغضاء وتسود الكراهية، يقول الشاعر:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا.. فالظلم ترجع عُقباهُ إلى الندمِ

تنام عينك والمظلوم منتبهٌ.. يدعو عليك وعين الله لم تَنَمِ

ويعلمنا الدين الحنيف أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فهي مستجابةٌ لا محالة، وإذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك.

“وأقيموا الوزن بالقسط” وهنا لفتةٌ كريمة إلى ضرورة الأمانة في وزن البضائع ولو كان الأمر يسيرًا ما ذكره الله بوضوح هكذا في سورة الرحمن، وفي سورة المطففين أيضًا، بل إن الله رتب في سورة المطفيين ويلًا لكل من لم يتق الله في الميزان، والويل هو الهلاك والثبور، والبعض يفسره بأنه وادٍ في جهنم.

“والأرض وضعها للأنام” أي مهدها للخلق وجعل فيها فجاجًا سُبُلا، حتى يسعى فيها البشر ويأكلوا من رزق الله، وحتى يزرعونها فتنبت لهم ما يغذيهم، والمعنى أنها مُسَخَّرةٌ للناس يتصرفون فيها كيف أرادوا لمصلحتهم، والفاكهة معروفة وهي من نعم الله عز وجل وفيها من الفوائد ما لا حصر له، “والنخل ذات الأكمام” والأكمام جمع كِم بكسر الكاف وهو الغلاف الذي يكون فيه البلح في أول تكونه، وقال التجيبي رحمه الله في مختصره على تفسير الطبري: ” ذات الأكمام أي: ذات الليف الذي يكون عليها، وقيل الطلع في كمامه”(2) والطلع هو الثمر وثمر النخل هو البلح الذي يستحيل تمرًا ثم يصبح رُطَبا.

“والحب ذو العصف والريحان” الحب من النبات هو ما يكون  له سنابل مثل القمح والذرة، وهو أيضًا الشعير والبُر، والعصف هو الورق، والريحان ما كانت له رائحة زكية، أو هو الحب الذي يؤكل، فيكون المعنى أن الله يمتن علينا بالنبات الذي له ورق ومنه حبٌ نأكله.

“فبأي آلاء ربكما تكذبان” الخطاب هنا للمثنى وهما الإنس والجن وذلك لقوله تعالى في السورة لاحقًا: “سنفرغُ لكم أيها الثقلان” والتكذيب هو جحود نعمة الله وفي الآية تعريضٌ بالمشركين وسخرية منهم لأنهم جحدوا أفضال ربهم عليهم.

وفي خلق الإنسان آيةٌ كبرى إذ أنشأه الله من صلصالٍ كالفخار والصلصال هو الطين اليابس غير المحترق الذي له صوت يسمى الصلصلة، وهكذا أودع الله الحياة في الجماد وجعل فيه العقل والحس والسمع والبصر، ثم رزقه من الطيبات، وقد خلق الجان من قبله، والمارج الذي خلق الله منه الجن والمذكور هنا في الآيات الكريمة هو لسان اللهب وأحسنه إذ هو صافٍ لا دخان فيه، فتبارك الله أحسن الخالقين.

وهكذا تمضي السورة الكريمة في حديثها الشائق عن قدرة الله ونعمائه، في براعة أسلوب وحسن عبارة ووضوح معنى، وألفاظٍ آسرة، ومعمارٍ لغوي أنيقٍ جذاب، وهذه السورة الكريمة تسمى عروس القرآن، ومن لم يكفه القرآن معلمًا فلا علمه الله، فاللهم ارزقنا تلاوة كتابك الكريم أبدًا ما أحييتنا، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • مختصر الطبري لأبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، طبعة مكتبة الصفا بالقاهرة /1430هـ – 2009 م ، صـ531.
  • نفس المصدر السابق.

 

 

اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى