الصراط المستقيم

هل يثبت بدء شهر رمضان بالحساب الفلكى ؟

 

 

وقع الخلاف فى هذه المسأله منذ أواخر القرن الهجريّ الأوّل ،

ومن أسباب الاختلاف وجود لفظةٍ في حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه فإن غمّ عليكم فاقدروا له » [ متفق عليه] .

 

ففى هذا الحديث علّق النبي  بداية صيام رمضان والشّروع في الإفطار برؤية الهلال ، وأمر عند تعذّرها في حالة الغيم بالتّقدير ، فقال صلى الله عليه وسلم : « فإن غمّ عليكم فاقدروا له » ، وقد اختلفوا في المراد من هذه العبارة على قولين:

 

الاول: بتقدير الهلال بالحساب الفلكيّ

ونسب هذا القول إلى مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير من التّابعين وأبي العبّاس بن سريجٍ من الشّافعيّة وابن قتيبة من المحدّثين.

 

وقال ابن عبد البرّ : لا يصحّ عن مطرّفٍ ، ونفى نسبة ما عرف عن ابن سريجٍ إلى الشّافعيّ لأنّ المعروف عنه ما عليه الجمهور.

 

ونقل ابن رشدٍ عن مطرّفٍ قوله : يعتبر الهلال إذا غمّ بالنّجوم ومنازل القمر وطريق الحساب ، قال : وروي مثل ذلك عن الشّافعيّ في روايةٍ ، والمعروف له المشهور عنه أنّه لا يصام إلاّ برؤيةٍ فاشيةٍ أو شهادةٍ عادلةٍ كالّذي عليه الجمهور.

 

وعن مطرّفٍ أيضًا أنّ العارف بالحساب يعمل به في نفسه.

 

أمّا ابن سريجٍ فاعتبر قوله صلى الله عليه وسلم : « فاقدروا له » : خطاباً لمن خصّه اللّه تعالى بعلم الحساب ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : « فأكملوا العدّة » خطاباً للعامّة.

 

وبيّن ابن الصّلاح ما قصده ابن سريجٍ من المعرفة بالحساب فقال : معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلّة ، وأمّا معرفة الحساب فأمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد.

فمعرفة منازل القمر تدرك بأمرٍ محسوسٍ يدركه من يراقب النّجوم ، وهذا هو الّذي أراده ابن سريجٍ ، وقال به في حقّ العارف بها فيما يخصّه.

وقد اختلف النّقل عن ابن سريجٍ في حكم صيام العارف بالحساب عند ثبوت الهلال عنده ، ففي روايةٍ عنه أنّه لم يقل بوجوب ذلك عليه ، وإنّما قال بجوازه ، وفي روايةٍ أخرى عنه لزوم الصّيام في هذه الصّورة.

 

وقال القشيريّ : إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع من الأفق على وجهٍ يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلاً ، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السّبب الشّرعيّ ، وليس حقيقة الرّؤية مشروطةً في اللّزوم .

 

والمعتمد في المذهب الحنفيّ أنّ شرط وجوب الصّوم والإفطار رؤية الهلال ، وأنّه لا عبرة بقول المؤقّتين ولو عدولاً ، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشّرع ، وذهب قوم منهم إلى أنّه يجوز أن يجتهد في ذلك ، ويعمل بقول أهل الحساب.

 

ومنع مالك من اعتماد الحساب في إثبات الهلال ، فقال : إنّ الإمام الّذي يعتمد على الحساب لا يقتدى به ، ولا يتبع.

 

وبيّن أبو الوليد الباجيّ حكم صيام من اعتمد الحساب فقال : فإن فعل ذلك أحد فالّذي عندي أنّه لا يعتدّ بما صام منه على الحساب ويرجع إلى الرّؤية وإكمال العدد ، فإن اقتضى ذلك قضاء شيءٍ من صومه قضاه.

 

وذكر القرافيّ قولاً آخر للمالكيّة بجواز اعتماد الحساب في إثبات الأهلة.

أمّا الشّافعيّة فقال النّوويّ : قال أصحابنا وغيرهم : لا يجب صوم رمضان إلاّ بدخوله ، ويعلم دخوله برؤية الهلال ، فإن غمّ وجب استكمال شعبان ثلاثين ، ثمّ يصومون سواء كانت السّماء مصحيةً أو مغيّمةً غيماً قليلاً أو كثيراً.

وفي هذا حصر طرق إثبات هلال رمضان في الرّؤية وإكمال شعبان ثلاثين ، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب ، وقد صرّح في موضعٍ آخر برفضه ، لأنّه حدس وتخمين ورأى اعتباره في القبلة والوقت.

ولا يعتمد الحنابلة الحساب الفلكيّ في إثبات هلال رمضان ، ولو كثرت إصابته.

 

والقول الثانى : بالمنع من اعتبار الحساب.

وقد فسّر أصحاب هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم : « فاقدروا له » بتفسيرين

 

الأوّل : حمل التّقدير على إتمامهم الشّهر ثلاثين.

 

الثّاني : تفسير بمعنى تضييق عدد أيّام الشّهر.

 

التّفسير الأوّل : جاء عن عبد اللّه بن عمر أنّه يصبح مفطراً إذا كانت السّماء صاحيةً وصائماً إذا كانت مغيّمةً لأنّه يتأوّل قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أنّ المراد منه إتمام الشّهر ثلاثين.

 

وإلى هذا المعنى ذهب أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وجمهور السّلف والخلف ،فحملوا عبارة :« فاقدروا له » على تمام العدد ثلاثين يوماً.

 

وها هو البخاريّ قد أتبع حديث عبد اللّه بن عمر فى كتاب الصوم من صحيحه – باب قول النبي اذا رايتم الهلال فصوموا – بروايةٍ أخرى عنه جاء فيها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الشّهر تسع وعشرون ليلةً فلا تصوموا حتّى تروه ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» .

وأتبعه في نفس الباب بحديث أبي هريرة ، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين » .

 

وقال ابن حجرٍ : قصد البخاريّ بذلك بيان المراد من قوله « فاقدروا له»

 

وأيّد ابن رشدٍ تفسير البخاريّ وعلّله بأنّ التّقدير يكون بمعنى التّمام ،

ودعم رأيه بقوله تعالى : “قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ” [الطلاق/3، 4] أي تماماً.

التّفسير الثّاني : بمعنى تضييق عدد أيّام الشّهر : فسّر القائلون به « اقدروا له » بمعنى ضيّقوا له العدد من قوله تعالى : “وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ” [الطلاق/7]، والتّضييق له أن يجعل شعبان تسعةً وعشرين يوماً.

 

وممّن قال بهذا الرّأي أحمد بن حنبلٍ وغيره ممّن يجوّز صوم يوم الشّكّ إن كانت السّماء مغيّمةً.

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب ، الشّهر هكذا وهكذا » “يعني مرّةً تسعةً وعشرين ومرّةً ثلاثين” [البخاري – كتاب الصوم – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لانكتب ولانحسب]

 

قال ابن حجر فى فتح الباري:

قوله :”لانحسب”

وَالْمُرَاد بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَاب النُّجُومِ وَتَسْيِيرهَا , وَلَمْ يَكُونُوا يُعْرَفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْر الْيَسِير , فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْره بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَاب التَّسْيِير وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ , بَلْ ظَاهِر السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي ” فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ” وَلَمْ يَقُلْ فَسَلُوا أَهْل الْحِسَاب , وَالْحِكْمَة فِيهِ كَوْنُ الْعَدَدَ عِنْدَ الْإِغْمَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ فَيَرْتَفِعُ الِاخْتِلَاف وَالنِّزَاع عَنْهُمْ , وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَهْل التَّسْيِير فِي ذَلِكَ وَهُمْ الرَّوَافِضُ , وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوَافَقَتُهُمْ . قَالَ الْبَاجِي : وَإِجْمَاع السَّلَف الصَّالِح حُجَّة عَلَيْهِمْ . وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعَ وَلَا ظَنٌّ غَالِب , مَعَ أَنَّهُ لَوْ اِرْتَبَطَ الْأَمْر بِهَا لَضَاقَ إِذْ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْقَلِيل.أ.هـ

 

وجمهور الفقهاء على عدم اعتبار الحساب في إثبات شهر رمضان ، بناءً على أنّنا لم نتعبّد إلاّ بالرّؤية.

 

قال ابن القيم: [زاد المعاد – طبعة الرساله (ج 2 / ص 36)]

وكان من هديه صلى الله عليه و سلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما صام بشهادة ابن عمر وصام مرة بشهادة أعرابي واعتمد على خبرهما ولم يكلفهما لفظ الشهادة فإن كان ذلك إخبارا فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة فإن لم تكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما.

وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صامه ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم وكان يفعل كذلك فهذا فعله وهذا أمره ولا يناقض هذا قوله : ” فإن غم عليكم فاقدروا له ” فإن القدر : هو الحساب المقدر والمراد به الإكمال.أ.هـ

 

والحمد لله رب العالمين…

د / سيد العربى…

يتبع….

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى