الصراط المستقيم

واجب الوالدين في تربية الطفل على الصوم

بقلم :الدكتور محمد النجار

الصيام تربية للنفس وتزكية للروح ، وهذا مقصد من مقاصد الشريعة في تربية الابناء ، ورغم ان الصوم غير مفروض على الصبيان (أي الصبية من البنين والبنات) إلا أنه يجب تعويد الاطفال علي الطاعة وحملهم عليها حتى إذا بلغ الطفل الحُلم يكون أمر الصوم معتادا عليه وغير ثقيل على نفسه .
لذا فإن الطفل إذا أدرك ومَيَّزَ وجب على والديه أن يأمراه بالعبادات والطاعات والأخلاق الفاضلة.
وقد أحسن من قال:

وينشأ ناشـــيء الفتيان منا ==== على ما كان عَوَّده أبوه

وكانت الصحابيات رضوان الله عليهن ، يصنعن اللُّعْبة للطفل من القطن أو الصوف ، ويأمرونه بالصيام فإذا بكى أو طلب الطعام أعطوه هذه اللعبة تلهيه وتسليه حتى لا يفطر ، بل يتم صيامه ويحين موعد الافطار ، ويكون بذلك قد تتدرب عمليا على الصيام واصبح الصيام غريزة في قلبه وعقله يستحيل عليه بعدها تفكيره في الافطار في رمضان بدون عذر شرعي مهما كانت المغريات ، ومهما كان حوله من المفسدين والمفسدات، وهذا هو مقصد الشريعة .
وما نراه في شوارع بعض الدول العربية المسلمة من إفطار شباب متبجح في نهار رمضان دون أي ضرورة إلا من سوء تربية الوالدين في عدم تعويد أبناءهم على الطاعات والصلوات والصيام وغيرها من الاخلاق الفاضة التي لم يتلقونها في نشأتهم ولم يتربوا عليها في طفولتهم.

المستند الشرعي في أمر الصبي بالصوم :

ورد في الصحيحين ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ )):
مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ )).
فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُهُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، وَنَذْهَبُ إلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ مِنْ الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إيَّاهُ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ. أَخْرَجَاهُ البخاري ومسلم.

قال الامام الشوكاني : يُستحب أَمْر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه، وقد قَالَ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
السن الذي يؤمر فيه الطفل بالصوم :
تختلف بداية عمر الطفل الذي يُؤمر فيه بالصوم باختلاف بنية الطفل.
ويُؤمر الطفل بالعبادات اذا بلغ سبع سنين ، تبعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
” مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع”. رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يعودون أبناءهم على الصوم وهم صغار، ففي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ الأنصارية قالت: (فكنا نصومه “عاشوراء” بعد ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار).
وهذا مستند الحكم الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم.
واخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي تَحْدِيدِ السِّنِّ الَّتِي يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ عِنْدَهَا بِالصِّيَامِ، فَقِيلَ: سَبْعُ سِنِينَ، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.
وقال الامام الأوزاعي: إذا أطاق صيام ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن حُمِل على الصوم. ومذهب الجمهور أنه لا يجب الصوم على من دون البلوغ. انتهى باختصار.

هل يتم معاقبة الطفل إذا افطر في رمضان؟

ينبغي أمر الصبي (ذكر أو انثى) بالصيام حتى يعتاده، والوقت الذي يبدأ فيه ذلك يختلف باختلاف بنية الولد، وقد حدَّه بعض العلماء بعشر، وبعضهم بسبع. جاء في المغني مع الخرقي: وإذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ به يعني أنه يلزم الصيام يؤمر به ويضرب على تركه ليتمرن عليه ويتعود، كما يلزم الصلاة ويؤمر بها.
وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه عطاء والحسن وابن سيرين والزهري و قتادة والشافعي. انتهى.
وقال النووي في المجموع: قال المصنف والأصحاب: وإذا أطاق الصوم وجب على الولي أن يأمره به لسبع سنين بشرط أن يكون مميزا ويضربه على تركه لعشر، لما ذكره المصنف. انتهى.
هل يجوز للوالدين منع الطفل من الصوم شفقة عليه؟
لا ينبغي للوالدين أو ولي أمر الصبي منعه من الصوم شفقة عليه إذا كان يطيق الصيام دون مشقة، جاء في فتاوي الشيخ ابن عثيمين: نعم يؤمر الصبيان الذين لم يبلغوا بالصيام إذا أطاقوه، كما كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفعلون ذلك بصبيانهم.
وقد نص أهل العلم على أن الولي يأمر من له ولاية عليه من الصغار بالصوم، من أجل أن يتمرنوا عليه ويألفوه، وتتطبع أصول الإسلام في نفوسهم حتى تكون كالغريزة لهم، ولكن إذا كان يشق عليهم أو يضرهم فإنهم لا يلزمون بذلك، وإنني أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض الآباء أو الأمهات وهي منع صبيانهم من الصيام اشفاقا عليهم ، على خلاف ما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون .
والحقيقة أن رحمة الصبيان تكمن في أمرهم بشرائع الإسلام، وتعويدهم عليها وتأليفهم لها فإن هذا بلا شك من حسن التربية وتمام الرعاية، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: إن الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته ـ والذي ينبغي على أولياء الأمور بالنسبة لمن ولاهم الله عليهم من الأهل والصغار أن يتقوا الله تعالى فيهم، وأن يأمروهم بما أمروا أن يأمروهم به من شرائع الإسلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق