أطياف في المقهى القديم

بقلم / عصام زايد
في مساء هادئ، قررت العودة إلى المقهى الذي كنت أرتاده منذ زمن بعيد، لا أدري لماذا فعلت ذلك؟ هل هي عودة لسجن الذكريات ولنفس الفترة الزمنية التي مازلت أحتفظ بصورها وعبقها ودفء مشاعرها داخلي، المقاعد الخشبية تئن بنفس الأنين، ورائحة القهوة تحفظ سر السنين، كأن الزمن توقف هنا، لم يغادر قط. قلت في داخلي: ما أعجب الأماكن! نحن نرحل وتبقى هي، تحفظ أنفاسنا كأنها وديعة حية من الماضي.
دخلت المقهى متسلحا برائحة افتقدتها طويلا وجلست على الكرسي ذاته الذي اعتدته يواجه الشارع. أراقب منه العابرين؟ كأنني أراهم الآن يمرون واحدا تلو الآخر، لمحت بائع الفستق بضحكته الماكرة، وهو يلوح بلعبته القديمة “جوز ولا فرد”، فارتسمت ابتسامة لم أشعر بها منذ زمن.
كثير من الرواد والأصدقاء غيبهم الموت أو أبعدتهم الهجرة إلى أراض متفرقة، لم يعد حولي إلا قلة ممن حافظ عليهم الزمن لوقت الاحتياج، التفت للمقاعد الخاوية حول طاولتي فرأيتهم جميعا جالسين، كما تركتهم آخر مرة، يضحكون، يرمون النرد، ويعيدون لي ضحكات لم تنطفئ. لحظة واحدة كفيلة أن تلغي الغياب، وأن تزرع في القلب وهم الحضور.
جلست وانفعلت بينهم كما كنا نفعل وحاسبت على المشاريب كما العادة فقد كنت دوما الخاسر الأكبر في ألعاب النرد، تبادلنا الذكريات وكيف كبر الأبناء وعدد الأحفاد ثم خرجنا نجر أقداما أثقلها العمر نتمشى على كورنيش الإسكندرية ، نأكل الترمس والحلبة والفول المقدد، ونعرج على الحلواني المعروف لنحلي بفطائر السكر الساخنة، ثم نعود إلى البحر؛ تصفعنا رياحه، ويرشنا رذاذ موجه، وتملأ رائحة اليود أنوفنا. نتقاذف بفوارغ الذرة المشوي ونقيم مسابقات المشي.
حياتنا كانت بسيطة، والفسحة رخيصة، والضحكة من القلب، عندما يتوافر المال أول الشهر نذهب للمعمورة أو المنتزه أو نجلس في كافيه بترو أمام الطابية أو استريا وايليت في محطة الرمل وعندما ينفذ المال، نعاود التمشي على الكورنيش الذي ينتظرنا كما ينتظر العاشق حبيبته فهجرنا له كان يوماً أو يومين، بمبلغ بسيط كنا نمضي أمتع الأوقات، كم كانت أيامنا رخيصة وغالية في آن واحد، اليوم يصرف الأبناء الغالي والنفيس، ورغم ذلك تخرج الضحكة مصطنعة، والنفوس لا تشبع مهما امتلأت، والفسحة لم تعد كما كانت والزمان يبتلعنا بصمت.
التفت خلفي الطريق خاو، والمقهى غارق في عتمته. مددت يدي إلى جيبي فلم أجد سوى فراغ بارد. على الطاولة ما زالت أكواب القهوة كما تركناها، لكن المقاعد بلا أصحاب. أدركت أنني كنت أحادث أطيافا لا وجود لها، وأن الضحكات التي ملأت أذني لم تكن إلا صدى من زمن بعيد. يتشبث بي كما يتشبث الموج بالرمال، تعود دائماً، لتغذي القلب بدفقة من حنين بكر لم تعكره الأزمات، يحمل صدى الضحكات، ويترك على الرمل أثرا باهتا، كحلم يزورك قبل أن يرحل، كنبضة قديمة لم تمت، تظل خفية في عمق القلب، تنبض كلما ناداك الحنين.
يا ذكرياتي، أنتِ الدواء والجرح معا كلما حاولت الهروب منك، عدت إلي في صورة ضحكة أو رائحة قهوة أو صفعة موج. عندها فقط فهمت: الحنين لا يعيد الغائبين، إنه يتركنا نجلس وحدنا أمام فراغ يزداد اتساعا.