مأساة أهالي شرق المدينة بكفر البطيخ .. أزمة الأرض بين الحق والقانون

في قلب محافظة دمياط، وتحديدًا في منطقة شرق المدينة بمركز كفر البطيخ، يعيش الأهالي مأساة ممتدة منذ عقود. قصة الأرض التي بدأت كحلم للفلاحين الذين زرعوها بعرقهم منذ ستينيات القرن الماضي، تحولت إلى أزمة قانونية وإدارية معقدة، تهدد حقوقهم وتضعهم في مواجهة قرارات متضاربة بين أجهزة الدولة. هذه القضية ليست مجرد نزاع على ملكية، بل هي نموذج صارخ لمعاناة المواطن البسيط أمام البيروقراطية، وتكشف عن ثغرات في إدارة ملف الأراضي الزراعية والعمرانية في مصر.
بداية الأزمة – قرار وزاري وتخصيص الأرض
في عام 1980 صدر القرار الوزاري رقم 546 لسنة 1980 بتخصيص مساحة 6.5 ألف فدان من أراضي الإصلاح الزراعي بمحافظة دمياط لإنشاء مدينة دمياط الجديدة. وبموجب القرار، انتقلت ولاية الأرض من هيئة الإصلاح الزراعي إلى جهاز تعمير دمياط الجديدة، الذي قام لاحقًا ببيع جزء من هذه الأراضي للفلاحين عام 2006، بعد أن كانوا يزرعونها منذ عام 1961. تم تحرير عقود بيع رسمية بعد سداد كامل الثمن، ما منح الأهالي شعورًا بالاستقرار والملكية الشرعية.
الكارثة الزراعية وتحول النشاط
لكن في عام 2014، واجهت هذه الأراضي أزمة كبرى حين فقدت مقومات الزراعة نتيجة انقطاع وسائل الري والصرف، ما أدى إلى تبوير مساحات واسعة. تحت ضغط الحاجة، بدأ بعض الأهالي في البناء على أجزاء صغيرة من الأرض، بتوجيه غير رسمي من موظفين في جهاز التعمير. ورغم أن نسبة التعدي لم تتجاوز 10% من المساحة المباعة، فوجئ الأهالي بفسخ التعاقد معهم دون إنذار مسبق، بحجة تغيير النشاط من زراعي إلى عمراني.
مأزق القوانين المتضاربة
مع صدور القانون 144 لسنة 2017 الخاص بتقنين أوضاع الأراضي المستصلحة والمستزرعة، تقدم الأهالي بطلبات تقنين، رغم أن القانون لا ينطبق عليهم لأنهم اشتروا الأرض وسددوا ثمنها بالكامل. ثم جاء القرار رقم 262 لسنة 2018 ليحدد كردون مدينة دمياط الجديدة، ويعيد الأراضي إلى ولاية الإصلاح الزراعي وأملاك الدولة الخاصة. ورغم ذلك، استمر الأهالي في تقديم طلبات تقنين طبقًا للقانون 182 لسنة 2018، وسددوا القيمة الإيجارية حتى عام 2025، في محاولة للحفاظ على حقوقهم.
صدمة الأهالي – رفض التقنين وتهديد المزاد
المأساة بلغت ذروتها حين رفضت محافظة دمياط التعامل مع طلبات التقنين للأرض الفضاء، معتبرة أنها ملك للدولة ولا يجوز الاعتراف بوضع اليد عليها. ووفقًا للوائح الإصلاح الزراعي، يتم حصر هذه الأراضي واستردادها وبيعها في مزاد علني. وهنا يطرح الأهالي سؤالًا مشروعًا: لماذا قبل جهاز التعمير طلبات التقنين عام 2017 وحصل على رسوم الفحص والمعاينة، إذا كانت القوانين تمنع ذلك؟ أليس هذا نوعًا من التدليس على المواطن الذي وقع عليه الضرر مرتين؛ مرة بفسخ عقد الشراء، ومرة برفض تقنين الأرض؟
بين المزاد والحق المشروع
اليوم، يواجه الأهالي خطر فقدان أرضهم التي دفعوا ثمنها من تعب السنين والسفر للخارج، لصالح مزادات علنية قد تشعل نزاعات بين واضعي اليد والمشترين الجدد. يتساءل المواطنون: لماذا لا يتم بيع الأرض لواضع اليد مباشرة إذا كانت النية هي البيع لصالح خزينة الدولة؟ أليس من الأجدى إيجاد حل يحفظ حق المواطن والدولة معًا، بدلًا من إشعال صراعات قد تصل إلى حد سفك الدماء؟
دعوة إلى حل عادل
قضية أهالي شرق المدينة بكفر البطيخ ليست مجرد نزاع محلي، بل هي قضية عدالة اجتماعية وحقوق مواطنين دفعوا ثمن الأرض وسددوا التزاماتهم كاملة. الحل العادل يجب أن يوازن بين حق الدولة في الحفاظ على أملاكها وحق المواطن في أرضه التي اشتراها بعقود رسمية. إن إيجاد تسوية قانونية منصفة هو السبيل الوحيد لتجنب المزيد من الأزمات، وحماية السلم الاجتماعي في محافظة دمياط.
رمضان عبد الفتاح النجار
كاتب وباحث






