بقلم /ا. د. نادية حجازي نعمان
حفلنا بالكثير من النظريات التي فسرت التعلم وعنيتْ بالسلوك الإنساني ، من هذه النظريَّات النظرية السلوكيَّة التي درست سلوكَ الإنسان،من أجل فهم السلوك الإنساني، وتلتها النظريَّة المعرفية القائلة بأنَّ الإنسانَ كِيانٌ مُفكر، وليس كالحيوان، بل يحكم سلوكه غالبًا التفكير والمعرفة . تلتها الكثير من النظريات في التفكير والتعلم القائمة على المعنى والاكثر واقعية ….. وهكذا تعاقبتِ الكثيرُ من النظريَّات العلميَّة حتى نشأت نظريَّة الفوضى (وهي من النظريات المثيرة جدًّا، التي انتشرت حديثًا، ولاقت اهتمامًا واسعًا ، لتفسيرها الكثيرَ من الأمور التي توقَّفت النظرياتُ العلمية السابقة عند تفسيرها، ولم تَجد مُقنعًا يُبرِّر حدوثها، ولتزيل الكثير من الغموض حولها، وأصبح من الممكن إيجادُ الصِّلة بين الأمور المتباينة، أو توقع الرابط بينها ، وترى هذه النظرية ان الفوضى والتعقيد في السلوك الانساني التي نراها هي تسير وفق نسق محدد بعكس ما تبدو عليه .
فالمراقب لحركات النَّحل أو سلوكه يَلْحَظُ التردُّدات العشوائيَّةَ التي يُمارسها دون نظام ظاهر، حركات مُستقيمة وأخرى ملتوية دائرية أو اهتزازية، سريعة أو بطيئة، لا يبدو بينها أيُّ ترابُط، ولكن ما كشفه العلمُ من أنَّ هذه الرقصاتِ والحركات العشوائية ما هي إلاَّ لغة منظمة يتواصل بها أفرادُ الخلية تُحدد من خلالها مكانَ الغذاء الذي وجدته، ورُبَّما نوعه، فهذه الفوضى الظاهريَّة في حركات النَّحل هي في الأَصْل تنظيم بديعٌ في الحركة، فلكلٍّ منها هدف محدد واضح لكل فرد منها.
وهي وإنْ كان بِها جانبٌ فلسفيٌّ، إلاَّ أنَّ الجانب الآخر من علم الفوضى هذا يهتمُّ بإيجاد أنماط محددة من الترتيب داخلَ الفوضى الظاهرة، فلو أمعنا النظر بهذه العشوائية لوجدنا نوعًا من النمط المتكرر بشكلٍ دَوري منتظم، مع ما يبدو عليه الحال الظاهري من فوضى. فقد يجهل البعض طريقة تفكير الاخرين او النسق الذي يسيرون عليه من خلال تفكيرهم ، لكن لو امعنا النظر بالظروف والبيئة والزمان والمكان والموضوع لا استطعنا ان نفهم تفكير الاخرين او التنبؤ بها .
وما اود قولة هنا : أن السلوك الانساني في ظل النظرية الجديدة ليس عشوائي أو تلقائي كما هو ظاهرا ، إنما هو تقنية منظمة جدا تسير وفق منطق وأسباب ، حتى ما تسمى العفوية هى اختلاجات نفسية أو إيعازات للعقل الباطن ، وهذه النظرية أسلوب جيد لدراسة السلوك واستقراء التفكير والذهاب الى ما وراء التفكير ، كما يمكن اشتقاق تقنيات جديدة في التفكير تساعد في في الاستفادة المثلى من الفوضى .
ففي ضوء هذا المفهوم الفوضوي يصبح من الصعوبة بمكان التنبؤ بنتائج السلوك طالما انه يمكن ان تكون هناك آثار بعيدة قد تنتج عن تغييرات بسيطة تطرأ على موقف معين . ويرى أصحاب هذا الفكر انه أمر كارثي ان تكون هناك مرجعية واحدة في حياة الفرد تتحكم بسلوكه وتصرفاته وذلك بسبب كثرة التغييرات التي تطرأ على الشواش الذي قد يصاحبها ويؤدي بها الى مسارات لا يمكن التنبؤ بها .