الصراط المستقيم

لماذا أسْلَمْتْ؟.. (4) ابنة نبلاء بريطانيا ايفلين كوبولد توصي بكتابة سورة النور على قبرها

بقلم / الدكتور محمد النجار 

في ذروة ظهور الإمبراطورية البريطانية واحتلالها لدول العالم الإسلامي واعتبار نفسها صاحبة حضارة تنظر باستعلاء  للعالم العربي والإسلامي على أنهم مجرد شعوب همج متخلفين لايستحقون الحياة ، وبينما امتدت الإمبراطورية البريطانية في أرض المعمورة – حتى كان يُطلق عليها “الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”   بإحتلالها مناطق شاسعة في قارتي آسيا وإفريقيا  بما فيها دول كثيرة في العالم العربي والإسلامي ، فإنها لم تكتفِ بنهب خيرات شعوبهم وسرقة ثرواتهم ، بل حاولت طمس معالم دينهم الإسلامي وتشويه صورته في قلوب أبناء المسلمين ، وإطفاء أنواره في كل أرض الله . إلا إن إرادة الله قدرت أن تخرج إمرأة في قلب المجتمع البريطاني نفسه ومن أرقي طبقاته ” طبقة النبلاء” لتدافع عن الإسلام ورسوله وشريعته ، وتشهد أن الإسلام هو الحل الوحيد لكل مشاكل العالم ..

الليدي إيفلين كوبولد (زينب) في العشرينيات من القرن الماضي

إنها ، الليدي “إيفيلين كوبولد Lady Evelyn ” ، التي فاجأها بابا روما  يوماً بسؤالها : هل أنت كاثوليكية؟ ففاجأته بل فجعته  بتلقائيةِ  قولِها : أنا مُسلمة..

ونعرص لكم القراء الأعزاء تفاصييل قصة إسلام تلك الشابة البريطانية:

طفولة “إيفلين كوبولد” في الجزائر

وُلدت الليدي “إيفلين كوبولد” (Lady Evelyn Cobbold)  في “أدنبرة”-   عام 1867م لإسرة بريطانية من  طبقة أرستقراطية  راقية ، والدها المستكشف  “إيرل دونمورالسابع” المشهور  بكثرة أسفاره إلى دول عديدة  مثل الصين وكندا، وشمال افريقيا  ، وكانت والدتها  وصيفة للملكة فيكتوريا ومولعة بالسفر أيضا معها..

وتبعا لسفريات والدها الاستكشافية ، قضت ((إيفيلين كوبولد)) معظم طفولتها   في شمال افريقيا خاصة “في الجزائر” ، وانخرطت مع الأطفال الجزائرين ، ولعبت معهم ، وتأثرت بهم ، فكانت تهرب من مربيتها “الدادة” وتذهب معهم الى المساجد ، فتعلمت اللغة العربية ، وتأثرت روحيا بالصلاة والصيام وروح الإسلام في طفولتها  ، فشكلت هذه الحقبة الزمنية هوية تلك الطفلة مبكرا وزَرَعَتْ الإسلام مبكرا في فطرتها وقلبها ومشاعرها .

تقول ايفلين في مذكراتها  : هناك – في الجزائر – تعلمت  اللغة العربية، وكان الهروب من مربيتي  ، وزيارة المساجد  مع أصدقائي الجزائريين مصدر سعادتي، أصبحت لا شعوريا مسلمة بقلبي” .

وسبحان الله ،، كانت الجزائر دائما  بشعبها المسلم الأصيل  مصدر إلهام روحي لكل من نزل فيها وعاش بين أهلها ، وأذكر منهم الدكتور مراد هوفمان صاحب كتاب الاسلام كبديل ،  والدكتور  روجيه غارودي. صاحب كتاب أمريكا طليعة الانحطاط والاسلام هو الحل ..

رحلة زواج  بمصر

في إحدى رحلات والدها ، التقت في القاهرة مع رجل الأعمال”جون كوبولد” ، وكان هذا اللقاء بالقاهرة سببا في زواجها من هذا الشاب .

الليدي إيفلين كوبولد (الحاجة زينب) في منطقة سهوبها الاسكتلندية صورة في الأربعينات أو الخمسينات

صدمة بابا الفاتيكان : أنا مسلمة

عند زيارة الليدي إيفيلين لروما عاصمة إيطاليا ، التقت  بابا الفاتيكان – وهو يعلم تلقائيا أنها مسيحية بحكم أنها بريطانية – لكن أراد أن يعرف مذهبها  ، ففاجأها بسؤال : هل أنت كاثوليكية ؟؟

فأجابته  تلقائيا دون تفكير : ” أنا مسلمة”…

لم تكن هذه مفاجأة عادية للبابا ، بل كانت مفاجأة مفجعة ، ولم تكن مفاجأة للبابا  فقط ، بل كانت مفاجأة لليدي إيفيلين نفسها ، حيث لم تكن تفكر في الإسلام بشكلٍ ظاهر ، فأحدثت مفاجأة  سؤال البابا لها إيقاظا لمشاعرها  نحو الإسلام من جديد ، وكانت بداية الشعلة التي أضاءت حياتها باعتناق الإسلام ، واختيار اسم “زينب” ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إسما لها ، وأصبحت الليدي زينب .

تقول ايفيلين: “تملكني شعور لا أزعم معرفته، كما أنني لم أفكر في الإسلام لسنوات عديدة مما أشعل شرارة البحث فعزمت على قراءة ودراسة الإيمان”.

وهذا يوضح جوابها حينما  كانت تُسأل كيف أصبحت مسلمة؟

فكانت تجيب بأنها لا تدري الكيفية، إذ يبدو لها أنها كانت مسلمة طوال عمرها… فالإسلام دين الفطرة…

وكتبت في مذكراتها: “غالبًا ما يسألني الناس متى ولماذا أصبحت مسلمة، لا أملك إجابة واضحة، لأني لا أعرف اللحظة الدقيقة التي أشرق فيها إسلامي، يبدو أنني كنت مسلمة على الدوام”.

الليدي إيفيلين أول بريطانية تحج

الليدي إيفلين بملابس الحج

قررت الليدي إيفيلين إتمام أركان الإسلام ، وذلك بالحج إلى بيت الله الحرام عام 1933م ، وكان عمرها ((65))عاما ، وقد “سُجلت” كأول إمرأة بريطانية تذهب الى الحج ، وتُتمم المناسك ،  وقد شرعت في رحلة الحج  في هذا السن المتقدم ، وتأثرت كثيرا بهذه الرحلة المقدسة .

أول من حج بالسيارة

بينما كان عدد السيارات محدودا في عام 1933  ، وكان الحجاج يأتون إلى الأراضي المقدسة في مكة والمدينة بوسائل النقل البدائية عن طريق الإبل.  فكانت  الليدي إيفيلين أول من حج بالسيارة عام 1933 ، وكان يرافقها سائق ومرافق لحمايتها، كما استعانت بالمطوف ليدلها على أركان الحج…

صورة لباص الحجاج في بدايات استخدامه، وكانت الليدي إيفلين أول غربية تحدثت عنه

الليدي ايفيلين في المدينة المنورة

تأثرت الليدي إيفيلين  برحلتها الى المدينة المنورة ، وزيارتها لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وقد وصفت في يومياتها عن الرحلة جمال المسجد النبوي الشريف ومناراته  وأعمدة المسجد وزخارفه، وزيارتها لمسجد قباء ومسجد القبلتين، جبل أحد في كتابها  عن رحلة الحج.

تسلقت الى غار حراء رغم عمرها ((65))

تحدثت الليدي إيفيلين عن  رحلة الحج  في مكة ، ورؤيتها  لمنظر الكعبة المهيب ، والطواف ، والحجر الأسود.

وحاولت زيارة كل الأماكن التي وردت في السيرة النبوية  في مكة المكرمة حتى أنها وهي في الخامسة والستين من عمرها ، تسلقت :جبل النور” بارتفاع       642 متر ومنحدر شديد  حتى وصلت إلى غار حراء الذي نزل في الوحي أول مرة على النبي صلى الله عليه وسلم .

صورة للمسجد الحرام في العشرينيات من القرن الماضي

وكتبت في يومياتها عن رحلة الحج:

“كثيرًا ما أفكر في حجي إلى الأراضي المقدسة، ويخيل لي أحيانًا أنني كنت أحلم، ولكن أوراقي أمامي تؤكد لي أن حجي لم يكن حُلُمًا، وإنما كان أمرًا واقعًا. إن الزمن لن يمحو من ذهني وذاكرتي المشاهد التي رأيتها في مكة والمدينة، وما وقعت عليه من قوة الإيمان، وجمال الإخلاص، وحب الخير للناس والأعداء على السواء… مما كان يجعل ذلك كله في قلبي اطمئنانًا لم أكن أحسه قبل اليوم أبدًا”.

“وإذا لم أقم مجددا برؤية أرض العرب، فإننى سأظل أعتز بهذه الأيام الرائعة التى قضيتها فى مكة بما تضمه من مشعل للإيمان ، وفى المدينة بما تضمه من سلام وآمان” .

وقد سَجْلَتْ رحلتها في كتابها القيّم : “إسلام نبيلة إنجليزية وحجها إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة”.

كتاب الليدي إيفيلين كوبولد Lady Evelyn باللغة الانجليزية

 الليدي إيفيلين سفيرة الإسلام في الغرب

كانت رحلة الليدي إيفيلين البريطانية مثيرة للإعجاب ، فقد جمعت بين رحلة الحج الإيمانية التي جددت بها دينها كمسلمة ، ورحلة معرفية واقعية عن الإسلام ، ومشاعر وروحانيات المسلمين وخضوهم وخشيتهم لله في مهبط الوحي بمكة المكرمة ، ومدينة السلام بأنوار نبيها ورسولها محمد صلى الله عليه وسلم في  “المدينة المنورة”.

ومن خلال  مشاعرها المفعمة بالإيمان بعد رحلة الحج ، كتبت  الليدي إيفيلين كوبولد تعريفا عن حقيقة  الإسلام  وتاريخه وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصحيحا  لكثير من المفاهيم الخاطئة و التصورات المشوهة عن الدين الإسلامي وشريعته ،  وشددت على حقوق المرأة في الاسلام التي لم تنل مثلها أي إمرأة في كافة الديانات والشرائع السماوية والارضية الأخرى، وكشفت الافتراءات الظالمة ضد الإسلام بأنه دين  يهمل المرأة ويقلل من شأنها .

وكانت ليدى أيفيلين محبة للقرآن الكريم، فكتبت عنه  قائلة: ((إن الفخامة التى يتسم بها بيانه، وتنوع الصور المتضمنة، وروعة مفرداته، تميز النص القرآنى عن غيره من النصوص الدينية)).

وظلت تدعو  إلى الإسلام واحترام الحضارة الإسلامية  في الوقت الذي كانت فيه دول المنطقة العربية والإسلامية لاتزال  تخضع للنفوذ والحكم البريطانى.

الغرب مدين للإسلام

وأوضحت الليدي إيفيلين فى كتاباتها  أن الغرب في حضارته الحديثة ((مدين)) لحضارة الإسلام وعلومه في مجالات الطب والعلوم.

المسلمون أول من أقاموا المستشفيات

وأضافت اليدي إيفيلين  : ((سيظل محفوظا في التاريخ أن الأطباء المسلمين كانوا أول من شيد المستشفيات لمعالجة المرضى فى أقسام مختلفة وفقا لطبيعة المرض)).

وللعلم فإن المسلمين سبقوا غيرهم بعدة قرون في المجال الصحي ، ويُذكر أن المسلمين هم أَوَّل من أسسوا  المستشفيات في العالم ..

ويذكر التاريخ أن أول  مستوصف في الإسلام أمر بإقامته النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة  أثناء غزوة الخندق سنة (5 هـ – 627 م) لعلاج  وتضميد جراح المصابين ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم  أن يتم نقل “سعد بن معاذ”  رضي الله عنه  إلى “خيمة رفيدة الأسلمية” التي كانت بمثابة أول طبيبة في الإسلام تقوم بعلاج المرضى ، وكان ذلك بمثابة أول مستشفى حربي متنقل.

وكان تأسيس أوَّل مستشفى إسلامي في خلافة الوليد بن عبد الملك، الذي تولى الخلافة عشر سنوات فقط  من سنة (86 هـ/705م حتي96هـ/715م) وكانت متخصصة في علاج مرض الجذام.  وتم فيما بعد إقامة مستشفيات عديدة تعتبر قلاعا للتعليم في كافة العلوم ، كما أنها بمثابة أوائل الكليات والجامعات التي أُقيمت  في العالم .

أوصت بكتابة سورة النور على قبرها لقد أطال الله عمر السيدة ايفيلين كوبولد حتى تجاوزت الخامسة والتسعين من عمرها ، وكانت وصيتها الأخيرة  بأن :

(((( يُصلى عليها باللغة العربية ، وتدفن ورأسها متوجهة للكعبة ، وأن يُكتب على قبرها سورة النور.. وأن تدفن برأس هضبة بسهول اقطاعيتها في اسكتلندا)))).

 

وفاة الليدي ايفيلين كوبولد


صورة جنازة الليدي إيفلين في السهوب المتجلدة

توفيت السيدة إيفيلين كوبولد بعد رحلة حياتها الطويلة في دار “إينفيرنيس” للرعاية في عام 1963.

أوصت بكتابة سورة النور على قبرها لقد أطال الله عمر السيدة ايفيلين كوبولد حتى تجاوزت الخامسة والتسعين من عمرها ، وكانت وصيتها الأخيرة  بأن :

(((( يُصلى عليها باللغة العربية ، وتدفن ورأسها متوجهة للكعبة ، وأن يُكتب على قبرها سورة النور.. وأن تدفن برأس هضبة بسهول اقطاعيتها في اسكتلندا)))).

سورة النور مكتوبة على قبر الليدي ايفيلين كوبولد

وتم تنفيذ وصيتها كاملة حيث دُفنت  في المكان الذي إختارته في  رأس هضبة بسهول إقطاعيتها في اسكتلندا ، وكتابة سورة النور على قبرها .ومرفق صورة لقبرها مكتوب عليه فعلا سورة النور”الله نور السماوات والأرض….”.

د. محمد النجار
الاثنين 13 ديسمبر 2021
الموافق 9 جمادي الاولى 1443

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.