الصراط المستقيم

ثورة رمضان الروحية(6) ..نزول الكتب السماوية في رمضان

بقلم / الدكتور محمد النجار

شهر رمضان لم يكن معلوماً في الإسلام فقط ، بل كان معلوما قبل الإسلام ، حيث كانت نن وقد وقعت فيه أحداث عظام ، فهو شهر مبارك مليئ بالخيرات ، ولهذا أنزل الله عز وجل كتبه على رسله في هذا الشهر المبارك “شهر رمضان” .

قال الله تعالى :

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون))البقرة183.

فالصيام لم يكن خاصاً بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل كان مفروضا على من قبلنا .

ولمكانة شهر رمضان عند الله ، تم تشريف الكتب السماوية بنزولها في شهر رمضان ، فكان تنزيل أشرف الكتب السماوية على الإطلاق  وهو القرآن الكريم في شهر رمضان ، وقال ابن كثير في تفسيره يمدح شهر رمضان بأن اختاره الله  لإنزال القرآن العظيم، كما اختاره لتنزيل الكتب الإلهية التي نزلت على الأنبياء .

فقد روى أحمد عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :      (( أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ)) رواه البيهقي 

وقد مدح ابن كثير في تفسيره مكانة شهر رمضان ، بأن الله اختاره من بين الشهور لإنزال القرآن العظيم، وإنزال الكتب الإلهية   على الأنبياء فيه ، لما روى أحمد عن واثلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان.

تعريف التوراة 

هي الكتاب الذي  أنزله الله عز وجل على موسى عليه السلام، والذي أرسله الله عز وجل إلى بني إسرائيل.

وقد أنزل الله التوراة على موسى بعد نجاته هو وقومه ، وإغراق الطاغية الجبار فرعون ..

فرعون الطاغية الجبار المستبد

يذكر القرأن الكريم قصة فرعون مصر  في أكثر من موضع ، ويذكر جبروته  واستبداده وقهره لشعبه ، يقتل ابناءهم ويستحيي نساءهم ، واستعلاءه عليهم حتى وصل به غروره بإدعاءه  الألوهية فقال لشعبه : أنا ربكم الاعلى ..

(( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين))سورة القصص4

وقد أمهله الله حتى وصل الى قمة الجبروت والطغيان ، فأرسل له النبي موسى وأخاه هارون يدعوانه الى الله ..

(((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى))) طه44

وقد سَلَّح الله موسى بمعجزات هائلة كدليل على صحة رسالته وإرسال الله له الى فرعون وقومه :

((وَما تِلكَ بِيَمينِكَ يا موسى(17) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمي وَلِيَ فيها مَآرِبُ أُخرى(18)قالَ أَلقِها يا موسى(19) فَأَلقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسعى(20) قالَ خُذها وَلا تَخَف سَنُعيدُها سيرَتَهَا الأولى((21)) سورة طه 17-21.

ورأى فرعون معجزات موسى  الهائلة ومن أهمها العصا التي أكلت كل انتاج كبار سحرته  وما جاءوا به من أشياء مخيفة مُرعبة .

(((قالوا يا موسى إِمّا أَن تُلقِيَ وَإِمّا أَن نَكونَ أَوَّلَ مَن أَلقى(65)قالَ بَل أَلقوا فَإِذا حِبالُهُم وَعِصِيُّهُم يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّها تَسعى(66) فَأَوجَسَ في نَفسِهِ خيفَةً موسى(67) قُلنا لا تَخَف إِنَّكَ أَنتَ الأَعلى(68)وَأَلقِ ما في يَمينِكَ تَلقَف ما صَنَعوا إِنَّما صَنَعوا كَيدُ ساحِرٍ وَلا يُفلِحُ السّاحِرُ حَيثُ أَتى(69)فَأُلقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالوا آمَنّا بِرَبِّ هارونَ وَموسى(70)))) سورة طه65-70.

هذه كانت معجزة هائلة رآها فرعون بعينه لكن الطغاة الجبابرة المستبدين دائما أغبياء ، يغترون بجنودهم وأجهزة أمنهم وأجهزة إعلامهم الذين يزينون لهم الباطل والوهم بأنهم أصحاب القوة والجبروت ولا أحد يقدر عليهم .. فاغتر فرعون بجنوده وطارد موسى وأصحابه حتى وصلوا شاطئ البحر الأحمر ، وحُوصر موسى من كل الجهات ، ولم يبق  أمامه  سوى البحر ، فاستخدم موسى معجزته الإلهية “العصا” ، فضرب بعصاه البحر ..

(((فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ))) سورة الشعراء63.

(((وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)))البقرة 50

فانشق لموسى جسر عظيم يبدأ من تحت أقدام موسى وجنوده وينتهي بهم الى الشاطئ من الناحية الآخرى ، فاستطاع موسى وقومه أن يعبروا به البحر ووصلوا الى شاطئ الأمان في سيناء ..

وانظر الى قول الله وإعجازه ((وجاوزنا ببني اسرائيل البحر)) ..

انتبه لكلمة(((وجاوزنا))) ، يرجع الفعل الى الله نفسه ، فإنه إعجاز إلهي . يصف الله جل جلاله المشهد ، فجاوز ببني اسرائيل البحر بقدرته وعظمته وبنصره وتأييده ، فقد  انقذ موسى والمؤمنين معه.

فماذا فعل فرعون في محاولته للحاق بموسى وقومه؟

استبد الغباء بفرعون ، وزادت نزعته الانتقامية كعادته (وعادة كل الطغاة الجبابرة المجرمين) ، وأغراه  الإعجاز الإلهي بهذا الجسرالذي كان نجاة لموسى وقومه.. فالجسر لايزال منصوبا على البحر ، والأمواج هادئة ، فأمر جنوده بعبور الجسر فورا ، وهو معهم حتى وصلوا الى وسط البحر ، وما أن وصلوا الى هذه البقعة في عرض البحر إلا  وزادت سرعة رياحه ،  وارتفعت أمواجه ، وجاءت العواصف من كل اتجاه ، وما هي إلا لحظة واحدة إلا وتأرجح الجسر ، واختل توازنه ، وانقلب في وسط البحر فابتعلت الأمواج الهادرة الجنود بكل أسلحتهم وأجهزتهم و قوتهم وإعلامهم ، وصرخ فرعون صرخة استغاثة بائسة رغم كل أوسمة القوة والنياشين وأنواط الأسلحة التي كانت تغطي صدره ..

صرخ فرعون وسط تلك الرياح الهائجة والأمواج العاتية  ..

إنها صيحة الهلاك  وأدراك الموت لا محالة فقال   :

((( آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)))…

أعلن إيمانه وسط تلك الأمواج العاتية التي كانت تجره الى أعماق البحر ..

أعلن أنه آمن بالله بعد أن كان يقول : أنا ربكم الأعلى..

إنها لحظة نهاية طغيانه واستعلاءه وقهره وجبروته..

فكم قهر من العباد ؟.. وكم سفك من دماء الأبرياء؟ .. وكم هدم من البيوت على رؤوس الأحياء؟ ,, وكم انتهك من الأعراض والحرمات؟؟ ..

إنا  لحظة الغرق التي  استنشق فيها الفرعون الجبار الماء بدل الهواء ،، استنشق فيها الألم بعد أن قتل آمال شعبه .. إنها اللحظة الفاصلة في حياة كل طاغية جبار مستبد ..

مومياء فرعون

وجاءه النداء بقوة القهر له من السماء :

((((((((((آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)))))))))).

النداء من الله لفرعون في اللحظة النهائية لحياة الجبار المتكبر، قال اللهُ لِفَرعونَ: آلآنَ تتوبُ يافرعون ؟؟؟  آلآنَ تؤمِنُ باللهِ، وتستسلِمُ له بعد فواتِ الأوانِ؟؟  وقد عصيتنيَ قبلَ نزولِ عذابِي بك، وكنتَ مِن المُفسِدينَ في الأرضِ الذين ظَلَموا العبادَ، وأضَلُّوهم، وصَدُّوهم عن سبيلِ الله  ؟!

ثم يكون القرار الآلهي المُعجز الى يوم الدين لتشهده كل الأمم ، ويشهده كل الجبابرة والطغاة والمستبدين وقاهري الشعوب وخونة الأوطان :

(((((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ))))))92 سورة يونس

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ…..

انه القرار الإلهي بهلاك الفرعون الجبار .. وإخراج  جسده  بما عليه من دروع الحرب والنياشين  والأوسمة العسكرية وكل الزخارف التي زخرف بها صدره كأنه بطل حقيقي .. سنجعلك آية وعبرة لكل أمم الدنيا لترى قدرة الله في هلاكك وأنت وسط جنودك وقوادك وزباينتك.. وسترى الأمم على مدار التاريخ  سوء عاقبتك وعاقبة كل مجرم طاغية أذل شعبه وخان وطنه ، وانتهك حرمات الله ..

إنها العاقبة السوداء لا محالة لكل من طغى وبغى مثل فرعون وجنوده في كل المجالات ..

وللحديث بقية في الحلقة القادمة (7) بإذن الله

د.محمد النجار

الأحد 16رمضان1443هـ

الموافق 17 ابريل 2022

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.