تطوير مهارات الشباب وسوق العمل… ضرورة لمواكبة عصر يتغير بسرعة

بقلم – السفيرة ماجي دميان
يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في سوق العمل، مدفوعة بالتطور التكنولوجي الهائل، وظهور اقتصاد رقمي جديد يعتمد على المهارات المتقدمة أكثر مما يعتمد على الشهادات التقليدية. وفي ظل هذه المتغيرات، يبرز سؤال جوهري: هل يمتلك الشباب اليوم المهارات القادرة على مواكبة هذا العصر وتلبية احتياجات المجتمع وسوق العمل، أم أن الفجوة تتسع بين ما يدرسه الشباب وما يتطلبه الواقع المهني؟
أولًا: الحاجة الملحّة لتطوير مهارات الشباب
لم يعد امتلاك شهادة جامعية كافيًا لضمان فرصة عمل مستقرة كما كان في السابق. فالسوق الحالي يحتاج إلى شباب يمتلكون مهارات متعددة منها:
التفكير النقدي وحل المشكلات.
الإبداع والابتكار.
القدرة على التكيّف والعمل تحت الضغط.
الكفاءة الرقمية والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة.
مهارات التواصل والعمل الجماعي.
هذه المهارات أصبحت شرطًا أساسيًا للنجاح في أي مجال، سواء في الوظائف التقليدية أو المهن الحديثة المرتبطة بالعصر الرقمي.
ثانيًا: التعليم الفني والمهني… البوابة الحقيقية لسد احتياجات سوق العمل
يسهم التعليم الفني والمهني بدور بالغ الأهمية في إعداد كوادر مؤهلة تلبي الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، خاصة في قطاعات الصناعة والصيانة والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والسياحة.
فالدول التي نهضت حديثًا اعتمدت بشكل كبير على التعليم المهني باعتباره أساسًا لبناء قاعدة صناعية قوية.
ويمتاز التعليم الفني بأنه:
يمنح الطلاب مهارات عملية مباشرة يمكن تطبيقها فورًا.
يخلق فرص عمل حقيقية في مجالات تحتاج إلى مهارات متخصصة.
يدعم الصناعة من خلال توفير عمالة مدرّبة وقادرة على تطوير الإنتاج.
يحد من البطالة عبر توجيه الشباب إلى مسارات مهنية مطلوبة.
ومع تطور التقنيات الحديثة، أصبح تطوير التعليم الفني ضرورة وليس خيارًا، عبر تحديث المناهج، وتوفير معامل تدريب حقيقية، وربط المؤسسات التعليمية بالمصانع والشركات.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي… قوة تغيّر قواعد اللعبة
لقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى جميع القطاعات: من الصناعة إلى التعليم، ومن الصحة إلى الإعلام، ومن الخدمات إلى الأمن السيبراني. ومع هذه الطفرة التقنية، تغيّرت قواعد سوق العمل بشكل كبير.
لكن السؤال: هل كان الذكاء الاصطناعي سببًا في خلق فرص جديدة للشباب، أم أنه ساهم في زيادة البطالة؟
1. فرص جديدة للشباب
الذكاء الاصطناعي لم يكن عاملًا سلبيًا بالكامل، بل فتح مجالات مهنية حديثة، مثل:
تحليل البيانات الضخمة.
البرمجة وتطوير الخوارزميات.
أمن المعلومات.
التسويق الرقمي وإدارة المحتوى.
تصميم وتطوير تطبيقات الهواتف.
هذه المجالات خلقت طلبًا كبيرًا على الشباب القادرين على التعلم السريع، مما يعني أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قوة دافعة لخلق وظائف في حال استعد الشباب له جيدًا.
2. ولكن… أثر أيضًا على الوظائف التقليدية
بالمقابل، أدّى الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء وظائف روتينية كثيرة أو تقليص الاعتماد على اليد العاملة، خصوصًا في:
المصانع ذات خطوط الإنتاج الآلية.
الوظائف الإدارية البسيطة.
أعمال التجميع والتعبئة.
ونتيجة لذلك، لجأ كثير من الشباب إلى العمل عبر الإنترنت كبديل، سواء في التجارة الإلكترونية أو العمل الحر أو تقديم الخدمات الرقمية.
رابعًا: العمل عبر الإنترنت… فرصة أم اضطرار؟
أصبح العمل عبر الإنترنت جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الجديد، ويمثل فرصة كبيرة للشباب القادرين على التعلم الذاتي.
لكنه في الوقت نفسه جاء نتيجة تراجع بعض الوظائف التقليدية، فاضطر الشباب إلى البحث عن بدائل مثل:
العمل الحر (Freelancing)
التسويق بالعمولة
صناعة المحتوى
التجارة الإلكترونية
تقديم الخدمات الرقمية
وقد تحولت هذه الأعمال من خيار إضافي إلى مسار وظيفي معتمد لدى ملايين الشباب في العالم العربي والعالم.
خامسًا: كيف نواجه التحديات؟
لمواجهة آثار التحولات التقنية وسد الفجوة في سوق العمل، نحن بحاجة إلى:
تحديث المناهج التعليمية بما يتوافق مع معطيات العصر.
دعم التعليم الفني والمهني وربطه بالصناعة الوطنية.
تدريب الشباب على مهارات المستقبل، وخاصة الرقمية.
تشجيع ريادة الأعمال والابتكار.
إقامة شراكات بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل.
نشر ثقافة التعلم المستمر مدى الحياة.
إن التطور الهائل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا يجب النظر إليه كتهديد، بل كفرصة ذهبية لإعادة بناء اقتصاد قوي قائم على المعرفة والكفاءة. ومع تطوير مهارات الشباب وتعزيز التعليم الفني وربطهما باحتياجات الصناعة الحديثة، يمكن للمجتمع أن يمتلك جيلًا قادرًا على المنافسة، وفاعلاً في سوق العمل، ومساهمًا في نهضة وطنه بدلًا من أن يكون مُتأثرًا بالبطالة أو التغيرات المفاجئة.
وحدَه الاستثمار في مهارات الشباب كفيلٌ بأن يجعل أي دولة قادرة على مواجهة المستقبل بثقة.
*د. ماجي دميان
سفير دبلوماسي بالمنظمه الحكوميه بالأمم المتحدة و مستشار العلاقات الدولية بمجلس الاقتصاد العالمي



