الصراط المستقيم

السيرة النبوية (50) تأسيس النبي دولة الاسلام بالمدينة

اعلان

بقلم / الدكتور محمد النجار

رغم أن الوحي بدأ نزوله على النبي ﷺ في مكة ، وأنها تحتوي بيت الله الحرام ، ورغم أنها  أحب البلاد الى الله ، وهي موطن النبي ﷺ ونشأته وفيها وعائلته وقبيلته و ذكرياته ، ورغم ان الوحي أول ما نزل على النبي ﷺ نزل في مكة واستمر الوحي ثلاثة عشر سنة يتنزل من السماء على النبي في مكة  إلا أنها لم تستجب لهذا الوحي الآلهي ولم تحقق الحرية والعدالة والسلام لأهلها والمقيمين فيها ، بل كان العنت والقسوة والتعذيب والقتل والجبروت ، فلم تصلح أن تكون داراَ للسلام والاسلام ، مما اضطر النبي ﷺ ان  يهاجر من  البلد الحرام الى ديار أخرى تتحقق فيها رسالة الله للبشرية ، وتُحقق الحرية للانسان ليختار بكامل حريته ما يريد ، “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. عندئذ يتحقق المجتمع المسلم  الذي تَتَوَازَنُ فيه جميع القيم الإسلامية التي تجمع بين  القيم  الأخلاقية والسلوكية  وبين القيم السياسية والعملية ، وتجمع بين تهذيب الروح وبين تقويم وترشيد السلوك العملي بما يضمن السلام الاجتماعي لكافة افراد المجتمع ومشاركة الجميع في بناء الأمة.

بناء مجتمع جديد

     لم تكن الأمة الاسلامية هي الأمة  التي تعيش بلا منهج أو هدف ، أو مجرد أن تعيش من أجل الدنيا فحسب ، ولم تكن هي الأمة  التي تعيش بأي اسلوب أو أي حياة  ، إنما هي امة عقيدة ربانية تحدد لها  الهدف من وجودها الذي تعيش من أجله والمنهج الذي تسير عليه  في علاقتها بخالقها ، وينظم شئون حياة ابناءها “أفراد وجماعات” وعلاقتهم ببعضهم البعض على اختلاف ألوانهم ودياناتهم ، كما يحدد أيضا علاقتهم  بالأمم الأخرى في حالات السلم والحرب  وفق المنهج الإلهي الذي لا يحقق سعادة الامة الاسلامية  فحسب ، وانما يحقق السعادة للبشرية اجمع .

      وتأسيساً لرسالة الاسلام ودولته ومجتمعه ، اهتم النبيﷺ منذ وصوله الى المدينة المنورة بتلك القضايا الهامة بأبعادها الثلاثة :

1-   بناء المسجد ليلتقي فيه المسلمون لعبادة الله ، ويتلقون فيه التربية على المنهج الرباني.

2-   تحقيق المؤخاة بين  المسلمين في المجتمع الجديد.

3-   انشاء الدستور الذي يحكم علاقة المسلمين ، ويحدد علاقتهم بغيرهم في المجتمع الجديد.

وسنتناول بالتفصيل تلك الأبعاد الثلاثة  فيما يلي :

     

أولا : بناء المسجد النبوي

    أدت عناية النبي ﷺ ببناء المسجد الى ان جعلته مُقَدَمَاً على كل الأعمال التأسيسية في مستقره الجديد في المدينة “دار هجرته” ، وعاصمة دولته وأمته ومأرز رسالته ، وقاعدة جهاده ، فلم يكن بناء المسجد لمجرد الصلاة والعبادة – لأن الله اختص نبيه محمد وأمته بأن جعل لهم الارض مسجدا وطهورا حسب الحديث النبوي ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” أُعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قبلي ؛ نُصِرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ ، وجُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا ، فأيما رجلٍ من أمتي أدركَتْه الصلاةُ فلْيُصلِّ ، وأُحِلَّت لي الغنائمُ ، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلي ، وأُعطيتُ الشفاعةَ ، وكان النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قومِه خاصَّةً ، وبُعِثتُ إلى الناسِ عامَّةً   ” ، وإنما كان بناء المسجد لأهداف كثيرة أوسع من مجرد الصلاة فيه :

  1. المسجد شعار لإسلامية الدولة والمجتمع ، فاعتلاء المآذن فوق المساجد انما هو رمز لِإسْلاميةِ الدولة واستقرار الدين الاسلامي فيها.
  2. المسجد أعظم مكان تجتمع فيه الأمة لإعلان الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله ، وفيه يُعلن الجهاد وتنطلق منه كتائب الله وجنوده ، ويأوى إليه الجرحى حتى يكونوا أقرب الى ابناء الامة لزيارتهم وتلبية احتياجاتهم.

وقد ضرب النبي ﷺ مثلا حقيقيا ، فأقام  فُسطاطا  لسعد بن معاذ سيد الأوس الذي رماه ابن العرقة بسهم أصاب أكحله في غزوة الخندق قبيل قريظة،وكان يعوده كل يوم حتى توفى سنة خمس من الهجرة بعد الخندق بشهر ، وبعد قريظة بليال ، بعد أن حكَّمه رسول الله ﷺ فيهم، فحكم فيهم بحكم الله من فوق سبعة سماوات  .

  1. يتم بناء المسجد لتظهر فيه شعيرة الاسلام ، التي طالما حُوربت ، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء بربِّه ، وتُنُقي القلب من أدران الأرض، وأدناس الحياة الدُنيا .
  1. المسجد مكان عام يتسع للنبي وأصحابه لعقد مشاورات الأمة ، فالشورى ركيزة هامة في هذا الدين العظيم ، تحمي الأمة من كوارث الاستبداد الفردي والظلم والبغي الذي يقع عليها من حماقة حاكم أو جهل متغطرس أوخيانة منافق .
  1. المسجد ضرورة لتدريس الدين الاسلامي كعقيدة تعبديه لله ، وكنظام حياة في المعاملات بين الناس ، وكسياسة تشمل علاقات المجتمع افرادا وجماعات ، وتعاملات مع الأمم الأخرى حكومات وشعوب، حتى تساير الامة العصر الذي تعيش فيه ولا تتخلف قافلة المسلمين عن قوافل كل المجتمعات.
  1. والمسجد خير مكان لتدريس الدين الاسلامي كعقيدة ومعاملات وسياسة لكافة افراد المجتمع ، وتدريس نظام الاسلام في علاقاته مع الامم والشعوب الأخرى حتى ترسخ في نفوس افراد الامة منهج الله والمساواة بينهم وعدم اعطاء الفرصة لمن يقفز فوق رؤسهم وينقلب على منهجهم إما بدافع الانانية الشخصية أو الخيانة لصالح اعداء الأمة.
  1. المسجد بيت الله ، لايملكه شخص أو جماعة أو حكومة ، وانما ملكيته لله وحده ،  وما كانت ملكيته لله لا يتحكم فيه أفراد أو حكومات وإنما يجب أن يستفيد منه جميع افراد المجتمع ، يأوي إليه الفقير والغريب الذي ليس له مأوى ، ويأوي إليه عابر السبيل ومن انقطعت به السبل ، كما يأوى إليه طلاب العلم والمنقطعين لله في العبادة ((يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)) الكهف28.
  1. المسجد مكان للإحسان النفسي والإطعام  وملجأ لمن يتعرضون للكوارث الطبيعية ،  والهموم النفسية ،  فيجدون في المسجد من يُحسن اليهم ابتغاء مرضات الله . وقد روى البخاري عن ابي هريرة قال : لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار  ، وإما كساء ، قد ربطوا الأكسية في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نص الساق ، ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته. وروى ابن حجر في الفتح : جملة من أَوَى إلى الصفة مع تفرقهم قيل: أربعمائة ، وقيل اكثر. وكان سعد بن عبادة يذهب بثمانين منهم كل ليلة يطعمهم ويكرمهم  .

((ملحوظة هامة )) :

وتدبروا لو كانت المساجد مفتوحة بالشكل الانساني ، هل كانت ستعاني الدول الاسلامية من مشكلة اطفال الشوارع الذين لا يجدون ملجأ ينامون فيه أو أيادي حانية عليهم تقدم لهم طعاما وشرابا ، وتعليما وتهذيبا ، هل كان هؤلاء الاطفال يحتاجون المنظمات الدولية غير الاسلامية ترعاهم بالقليل ثم يستخدمونهم ضد بلادهم ؟؟ إن هؤلاء الاطفال ضحايا إهمال بلادهم وخيانة اوطانهم ، فلا نحاسبهم على أفعالهم لكن يجب محاسبة المسئولين في بلادهم !!!

وظلت المساجد مفتوحة قرونا طويلة لصالح ابناء الأمة في الإيواء والتعليم والمشورة والتربية والإطعام ، وما أغلقت المساجد إلا لتجفيف ينابيع الخير وفتح ابواب الشر من اعداء الامة حتى لا يجد الطفل المُشرد مكانا يأويه ، ولايجد الطالب مكانا لتحصيله العلمي ولا يجد المسكين ما يسد به جوعه ، ولا يجد المضطر  من يأخذ بيده و يساعده فتغلق امامهم كل أبواب الخير ، وتتلقفهم الايادي السوداء التي تضمر السوء للعالم الاسلامي ، فيستغلون ظروف هؤلاء الضعفاء ، ويسحبونهم الى الهاوية في عالم المخدرات والدعارة واللصوصية وقطاع الطرق وما يتبع ذلك من الاثار الاجتماعية الخطيرة ، وقد ظهرت في بلاد المسلمين أثارا مدمرة في التعليم والصحة والحياة العامة نتيجة لإغلاق المساجد واستبعادها من حياة الشعوب ، وأصبحت غالبية الشباب ليس لديهم انتماء لأوطانهم التي اصبحت طاردة لهم ،  وهذه من الاثار الخطيرة التي لو تعرضت لها الاأوطان ربما لن تجد من يدافع عنها حين يدق ناقوس الخطر.

مسجد أسعد بن زرارة

     قبل مَقْدَمِ النبي ﷺ الى المدينة ، كان أسعد بن زرارة “أبوامامة” قد اتخذ  مكانا بجوار مربد  الغلامين اليتيمين “سهل وسهيل” من أنصار بني النجار الذين كان يرعاهما ، واحاط المكان بسياج وليس عليه سقف ، واتخذه “مُصلى”  يصلي بأصحابه فيه ويجمع بهم فيه الجمعة ، وجعل قبلته إلى بيت المقدس .  

 

مرحلة بناء المسجد النبوي

    عندما قَدِم  النبي ﷺ ، وقبل أن يبني مسجده ، كان يصلي في المسجد أو “المُصلى” الذي بناه أسعد بن زرارة.

     وحينما أراد النبي ﷺ ان يتخذ مسجدا ، وعلم أن الأرض التي يود بناء مسجده عليها كانت ليتيمين من بني النجار حسب ما ذكرناه ، فقال لهم :

يا بني النجار ثامنوني بحائطكم

    أي  :((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم أي قولوا : ماذا يكون ثمنه؟)) ؟

   وسأل النبي أسعدَ ابن زرارة أن يبيعه هذه الأرض  المتصلة  بذلك المسجد ((أرض اليتيمين من بني النجار)) يٌقال لهما سهل وسُهيل  ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ ان غنم (كما نسبهما البلاذري)، فعرض أسعد بن زرارة على النبي ﷺ أن يأخذها ويدفع هو ((أي أسعد بن زرارة)) عنه لليتيمين ثمنها ، فأبى رسول الله ﷺ ذلك ، وابتاعها منهما بعشرة دنانير  ودفع ثمنها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه  .

وقد رُوي أن النبي ﷺ أبى أن يأخذه إلا بثمن  .

 ((مسألة فقهية)) :

 “يا بني النجار ثامنوني بحائطكم  ” :

لقد ترجم الامام البخاري هذه الكلمات لرسول الله ﷺ الى مسألة فقهية :

“وهو أن البائع أولى بتسمية الثمن الذي يطلبه”.

قال الخطابي : وفيه أن صاحب السلعة أحق بالسوم.

 

بداية العمل في بناء المسجد النبوي

    شرع النبي صلى الله عليه وسلم بعد شراء أرض المربد في تنظيفها من قبور المشركين ، وتسويتها وتسريب النخيل الذي كان فيها ، واعدادها للبناء ونصب الأعمدة من جذوع النخيل من أول يوم حل فيه صلى الله ليه وسلم  .      ثم بدأ رسول صلى الله عليه وسلم البناء في مسجده ، وطفق ينقل مع أصحابه الطوب اللبن (أي الطوب النيئ المعمول من الطين الذي لم يُحرق)، واستكمل بناءه وسقفه.

     وفي حديث عائشة عند البخاري : أن النبي ﷺ كان ينقل اللبن معهم في بنائه لِيُرَغِبَ المسلمين في هذا العمل الصالح ، ويشجعهم ، وينشطهم ، فنهض في العمل المهاجرون والانصار بهمة وعزيمة وإخلاص ودأب  .

 

وارتجز المسلمون  وهم يبنون المسجد  :

“اللهم إن الأجرَ أجرُ الآخرة  فارحم الانصار والمهاجرة”

     

وفي الدرة الثمينة في اخبار المدينة لابن النجار   :

كانوا يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم  :

“اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة ……فاغفر للأنصار والمهاجرة”

 

وعند الشيخين من حديث أنس جاء  :

“اللهم لا خير إلا خير الآخرة …. فانصر الانصار والمهاجرة”

 

قِبلة المسجد النبوي تجاه بيت المقدس

    بنى النبي ﷺ مسجده مربعا وجعل قبلته الى بيت المقدس ، وطوله سبعون ذراعا أو يزيد ، وجعل له ثلاثة أبواب : باباً في مُؤخره ، وباب عاتكة – وهو باب الرحمة – والباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ وهو باب عثمان. ولما صُرفت القبلة الى الكعبة سد النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه ، وفتح الباب  الآخر حذاءه ، فكان المسجد له ابواب : باب خلفه وباب عن يمين المصلى ، وباب عن يساره ، وجعلوا اساس المسجد من الحجارة وبنوا باقيه من اللبن  .

 

مبدأ البساطة المادية

     أراد النبي ﷺ ترسيخ مبدأ البساطة المادية بعيدا عن تعقيدات الترف وخداع زينة الحياة ، وألا  تقوم حياة المسلمين على الزينة والزخرفة الجوفاء ، وانما يركزون على وظيفتهم العظمى في تلك الحياة ، وهي الدعوة الى الله ونشر رسالة الاسلام ، وهداية الأمة ، وانقاذ البشرية من الرذائل والظلم والفساد.

قال ابن بطال : وهذا يدل على أن السنة في بناء المسجد هي القصد ، وترك الغلو في تحسينه ، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامة وسعة بيت المال عنده لم يغيره عما كان عليه.

 وفي دلائل النبوة للبيهقي عن شداد بن أوس:

أن الانصار جمعوا مالا ، فأتوا به النبي ﷺ فقالوا: يارسول الله ابن لنا هذا المسجد ،  وزينه أي حدد لنا بناءه وزخرفه نصلي تحت هذا الجريد؟ ((فقال النبي : مالي رغبة عن أخي موسى ، عريش كعريش موسى)). وفي مرسل شَهْر بن حوشب: لما أراد النبي ﷺ أن يبني المسجد قال: ابنوا لي عريشا كعريش أخي موسى،ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك ” قيل: وماظلة موسى؟ قال: ((كان إذا قام أصاب رأسه السقف))  فلم يزل المسجد كذلك حتى قُبض رسول الله ﷺ.

   فالعبرة في بناء المساجد الالتزام بالبساطة  وعدم التأنق والزخرفة في بنائه  .

 

بكاء الناس عند هدم بيوت أمهات المؤمنين

     لما أمر الوليد بن عبدالملك بهدم بيوت أمهات المؤمنين ، وادخالها في المسجد وكتب بذلك إلى واليه على المدينة المنورة عمر بن عبدالعزيز فَهُدِمت بكى الناس وحزنوا ، وقال سعيد بن المسيب : ليتها تُركت ليراها الناس فيزهدوا في التكاثر والتفاخر .

وقال أبو أمامة سهل بن حنيف : ليتها تُركت ليرى الناس ما رضي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده  !!

     فمن هذا المسجد على بساطته وبعيدا عن خداع الحياة ، توحدت الأمة العربية بشكل لم يشهد له تاريخ بعد أن كانت  متحاربة ومشتتة وخاضعة لغيرها من الأمم ، وأصبحت أمة مسلمة متآخية لها كلمة واحدة تجتمع عليها ، وقد رفعت لواء الدعوة والهداية ، ففتحت القلوب والعقول ، وانقذت الشعوب من عبودية  الملوك والأمراء والاباطرة ، ونشرت العدالة الاجتماعية والقيم الاخلاقية التي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بين الافراد والجماعات.

    لقد تحول الانسان في هذا المسجد من رعاء الشاة الى رجال وابطال ، دعاة وعلماء ملأوا الدنيا علما وعملا وخُلقا وسلوكا فصاروا أساتذة الدنيا بحق .

     وعندما تزخرفت المساجد وابتعدت عن البساطة التي قام عليها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  واصبحت تماثل الكنائس  والصوامع في البنيان ، وأُغلقت أبوابها و اصبحت خاوية من المصلين ، وخالية  من عُمَّارها من حملة العلم وطلابه ، ونعت مآذنها العُمَار والعلماء وحلقات القرآن والعلم والدين ، فقد تبع ذلك انحسار الدعوة الى الله ، ووقف المد الاسلامي ، وتخلف المسلمون عن مقاصد دينهم الذي ارتضاه الله لهم ، وهجروا كتابهم وتركوا الأُسْوَةَ بنبيهم ﷺ ، واصبحوا كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ((قال أنَّى يحيى الله هذه بعد موتها ، فأماته الله مائة عام ثم بعثه)).

فهل سُتَبعث الامة من جديد؟

وهل ستقوم من مرقدها الذي طالت سنينه ؟

وهل ستأخذ الأمة زمام امرها  لتنقذ ابناءها والبشرية من طغيان الحضارة المادية ، وتستعيد دورها الحضاري الانساني الذي اختاره الله لها ؟

معجزات النبي اثناء بناء المسجد

1-   التنبؤ بمقتل عمار بن ياسر

     كان اصحاب النبي ﷺ يتنافسون في بذل جهودهم لبناء المسجد النبوي ، ودخل عمار بن ياسر، وقد أثقلوه باللبن ، فقال: يارسول الله ؟ قتلوني،يَحْمِلون عليَّ مالا يَحْمِلون،قالت أم سلمة رضي الله عنها : فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده – وكان رجلا جعداً – وهو يقول :”ويح ابن سمية؟؟ ليسوا بالذين يقتلونك ، إنما تقتلك الفئة الباغية”

ياسعد  عمار بن ياسر عندما تمسح يد النبي ﷺ وفرته ، انه وسام يتشرف به عمار . 

اخرج مسلم في صحيحه عن سعيد والحسن ابني أبي الحسن البصري عن أمهما خَيْرة، مولاة أم سلمة  عن أم سلمة ، قالت :

قال رسول الله ﷺ ((تقتل عمارأً الفئةُ الباغية)). وفي رواية عن مسلم، قالت ام سلمة : ان رسول الله صلى ﷺ قال لعمار وهو ينقل الحجارة : ((ويحٌ لك ياابن سمية؟ تقتلك الفئة الباغية)) ، وفي رواية اخرى لأم سلمة قالت : لما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد جعل أصحاب النبي ﷺ يحمل كل واحد منهم لبنة..لبنة، وعمار يحمل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله عليهوسلم، فمسح النبي ﷺ ظهره وقال :

((ابن سمية !!.. للناس أجر ولك أجران ، وآخِرُ زادك شربة من لبن ، وتقتلك الفئة الباغية )) 

وفي رواية البخاري : فرآه النبي ﷺ ، فينفض التراب عنه ، ويقول : ويح عمار، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار. قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن  .

2-   اشارة النبي للخلفاء عند بناء المسجد

     عندما بدأ النبي ﷺ بناء مسجده أعانه أصحابه، وهو معهم يتناول اللبن حتى أغْبَرَّ صدره فوضع حجرا ، وحسب حديث السيدة عائشة عند أبي يعلى برجال الصحيح ثم قال :

” ليضع أبو بكر حجره الى حجري،ثم ليضع عمر حجره الى جنب حجر أبي بكر ، ثم ليضع عثمان حجرة الى جنب حجر عمر “، ثم ليضع علي”.

فسُئِل ﷺ عن ترتيبه في وضع حجارة هؤلاء الصحابة الأربعة،فقال :

 “هؤلاء  الخلفاء من بعدي” هكذا رواه الزرقاني في شرح المواهب وافيا .

وهذا الترتيب من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ، حيث تحققت تلك النبوءة ، وجاء الخلفاء من بعده بهذا الترتيب ولم يتغيب عنه أحد .

فضل الصلاة في المسجد النبوي

تحدث النبي ﷺ عن فضل الصلاة في المساجد الثلاث ، فقال ﷺ:

لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجِدِ الحرامِ والمسجِدِ الأقصى ومسجدي هذا .

فشد الرحال للصلاة في هذه الثلاثة مساجد هي طاعة وقربى لله وهي سُنة ، لكون بناء هذه المساجد كانت للعبادة ، فالمسجد الحرام قبلة المسلمين ، والمسجد الاقصى كان أولى القبلتين ، ومسجد الرسول لأنه مسجد النبي وشعار دولته ﷺ.

وقد ذكر ﷺ أجر الصلاة في البيت الحرام فقال:

“صَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ ”  .

وقد ذكر ﷺ أجر الصلاة في مسجده بالمدينة فقال :

  ” صَلَاةٌ فيه أَفْضَلُ مِن أَلْفِ صَلَاةٍ فِيما سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِدِ، إِلَّا مَسْجِدَ الكَعْبَةِ “.

أما المسجد الاقصى ، توجد عدة روايات عن أجر الصلاة فيه، ورواية أجرخمسمائة صلاة، هي الرواية الأشهر.

   وشد الرحال لمسجد رسول الله يكون بنية الصلاة فيه  والسلام على النبي ﷺ ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، ويدعو له، يقول: جزاك الله عن أمتك خيراً، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.. ثم يتقدم قليلاً ناحية ابي بكر رضي الله عنه فيسلم عليه،ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد خيراً.. رضي الله عنك.  ثم يتقدم قليلاً ويسلم على  عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا عمر بن الخطاب ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد خيراً ورضي الله عنك، ويدعو لهما ثم ينصرف. 

    ويشرع لزائر المدينة الصلاة في مسجد قباء وزيارة البقيع وشهداء احد والدعاء لهم ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. هكذا يسلم على أهل القبور ويستغفر لهم ويدعو لهم: اللهم اغفر لهم وارحمهم، مثلما دعا النبي ﷺ لأهل البقيع وشهداء احد .، هذا هو المشروع في زيارة المدينة المنورة ، وغير ذلك غير مشروع ، نسأل الله ان يرزقنا زيارتها وبكتب لنا الدفن في البقيع .

وفاة اسعد بن زرارة اثناء بناء المسجد

  أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، من الخزرج.

     كان شابا يافعا ، قد شهد العقبات الثلاث وكان أول من بايع رسول الله ﷺ ليلة العقبة الثانية ، وهو أول من جمع الصلاة بالمسلمين بالمدينة.   

     وأسعد بن زرارة أول من قَدِمَ المدينة بالإسلام مع الخمسة نفر الذين قابلوا النبي صلى الله عليه وسلم المرة الأولى قبل العقبة بسنة  ..

وهو أول من بنى مسجدا أو مُصلى في المدينة كلها ، وكان مصعب بن عمير يصلي بهم في ذلك المسجد  ويجمع بهم الجمعات بأمر رسول الله ﷺ فلما خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليهاجر معه صلى بهم أسعد بن زرارة   .

     وعندما أراد النبي ﷺ بناء  مسجده ، قام بضم  مسجد “مُصلى” أسعد بن زرارة الى مسجده صلى الله عليه وسلم ، فأصبح مسجد أسعد بن زرارة جزءا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

     توفى أسعدُ بن زُرارة شهيدا بالذُبحة “الشهقة – وهي وجع في الحلق” ، أو دم  يخنق فيقتل  ، فَوُجِدَ عليه رسول الله ﷺ وجْدا شديدا أي حزن عليه حزنا شديدا ، وكان قد كواه من ذبحةٍ نزلت به .

     وقد حضر رسول الله ﷺ غسله وكفنه في ثلاثة أثواب منها بُرد وصلى عليه ورُئِيَ رسول الله ﷺ يمشي أمام الجنازة ودفنه بالبقيع .

روى الواقدي: أوّل من دُفن بالبقيع أسعد بن زُرارة، هذا قول الأنصار، والمهاجرون يقولون: أوّل من دُفن بالبقيع عثمان بن مظعون  .

قال بن جرير في (التاريخ): كان أول من توفي بعد مقدمه ﷺ المدينة من المسلمين “كلثوم بن الهدم” الذي نزل عليه النبي ﷺ في قباء عند وصوله المدينة  ، ولم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات، ثم توفي بعده أسعد بن زرارة وكانت وفاته في سنة ﷺ وقبل أن يفرغ بناء المسجد .

    وكان اسعدُ بن زُرارة نقيبَ بني النجار فلم يجعل عليهم رسولُ ﷺ نقيبا بعدَه ، وقال لهم : أنا نقيبُكم. فكانت من مفاخرهم  .

وعن ابن أبي الرجال ، قال : جاءت بنو النجار ، فقالوا : مات نقيبنا أسعد ، فَنَقِبْ علينا يا رسول الله . قال : أنا نقيبكم  . 

    وذكر محمد بن إسحاق: أن بني النجار سألوا رسول الله ﷺ أن يقيم لهم نقيبا بعد أبي أمامة أسعد بن زرارة فقال: «أنتم أخوالي وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم». فكان من فضل بني النجار الذي يعتدون به على قومهم أن كان رسول الله ﷺ نقيبهم.

وعن عمر : عن عائشة ، قالت : نَقَبَ النبي – صلى الله عليه وسلم – أسعد على النقباء.

وأوصى أسعد بن زرارة  ببناته إلى رسول اللهﷺ ، وكن ثلاثا . فكن في عيال رسول الله  يدرن معه في بيوت نسائه ، وهن : فريعة ، وكبشة ، وحبيبة . فَقَدِمَ عليه حُلِيُّ فيه ذهب ولؤلؤ ، فحلاهن منه .

من الاحاديث التي رواها أسعد بن زرارة انه قال ، قال ﷺ:

 “من سَرَّهُ أن يُظِلَّهُ الله يومَ لا ظلَّ إلا ظِلُّهُ فَلْيُيسِّرْ على مُعسرٍ أو لِيضعْ عنْهُ   “

و بهذا أختم  الحلقة (50) ونلتقي الاسبوع القادم بإذن الله في الحلقة (51) مع فقه السيرة وظلال النبوة مع مع ملاحظة  احتفاظي بالمراجع لعدم امكانية نشرها في الجريدة في الوقت الحاضر..

اسأل الله ان يكتب لنا ولكم الاجر ” صدقة جارية” عن نشر سيرة حياة وسلوك وفقه أعظم نبي أرسله الله لانقاذ البشرية الى يوم الدين وان يجمعنا به صحبة في الفردوس الاعلى من الجنة .

     د. محمد  احمد النجار 

الوسوم
اعلان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق