أصحاب القرار ..حين تتكلم العزة يصمت الجبروت

بقلم / مدحت سالم
التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث بل هو تدوين لصراع الإرادات وتوثيق للحظات فارقة تتجلى فيها قوة القرار وتأثيره على مصائر الأمم وكما قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي(( التاريخ إنما هو سجل لصعود الحضارات وسقوطها تحدده إرادة الشعوب وقياداتها في لحظات الاختبار ))
واليوم نشهد فصلًا جديدًا من هذا السجل حيث أثبت التحالف العربي بقيادة مصر والمملكة العربية السعودية أن الإرادة العربية قادرة على كسر الهيمنة السياسية وفرض واقع جديد حين أجبرت أقوى دولة على وجه الأرض على التراجع عن مخطط كان سيغير ملامح القضية الفلسطينية إلى الأبد
**المشروع الأمريكي محاولة لنسف الهوية
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة برزت فكرة أمريكية تسعى إلى نزع قطاع غزة سياسيًا وجغرافيًا من محيطه العربي وتحويله إلى مجرد منتجع سياحي يشبه الريفيرا الفرنسية تعلوه ناطحات السحاب وتقُام فيه الفنادق الفاخرة والكازينوهات والصالات والمطاعم في محاولة لتحويل غزة من أرض مقاومة إلى مركز استثماري بعيد عن هويته التاريخية والثقافية
غير أن هذا المخطط اصطدم بجدار الإرادة العربية الصلبة إذ تحرك التحالف العربي بقوة ودبلوماسية حازمة بقيادة مصر والمملكة العربية السعودية لنسف المشروع من جذوره مما دفع الرئيس الأمريكي إلى التراجع والتصريح ( بأن الأمر كان مجرد اقتراح خاضع للتغيير حسب ظروف المنطقة )
**الإرادة العربية
ما جرى لم يكن مجرد موقف عابر بل كان لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي مع القوى العظمى إذ سجل التاريخ للمرة الأولى أن مصر والسعودية أجبرتا الولايات المتحدة الأمريكية على التراجع عن قرارها بعد أن كان يظن أن قراراتها لا تُرد ولا تُناقش
لقد أثبتت القاهرة والرياض أن الأمة العربية حين تملك الإرادة تستطيع أن تُعيد تشكيل الأحداث وفقًا لما يخدم مصالحها لا وفقًا لما يُراد لها وكما قال ابن خلدون في مقدمته (( الظلم مؤذن بخراب العمران وحين تقف الأمم في وجه الظلم فهي تعيد للعالم توازنه))
**القرار الأول يوم انصاعت أمريكا في حرب 1973
ليس هذا هو الموقف الأول الذي تُجبر فيه مصر والسعودية الولايات المتحدة على الرضوخ لإرادة عربية صارمة بل سبق أن حدث ذلك في حرب أكتوبر ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين حين اتخذت القيادة العربية قرارًا تاريخيًا بقطع إمدادات البترول عن العالم مما دفع القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا إلى البحث عن حلول سياسية تحفظ ماء وجهها بعد أن بات الاقتصاد العالمي على شفا الانهيار
لقد كان الملك فيصل بن عبد العزيز والرئيس أنور السادات صاحبي هذا القرار المصيري وهو ما وصفه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك بقوله (( لم أشعر بالعجز أمام أزمة سياسية كما شعرت بها حين قرر العرب استخدام سلاح النفط))
وكان هذا القرار بمثابة درس قاس للقوى العظمى أن العرب حين يتحدون يستطيعون أن يُغيروا المعادلات الدولية
**القرار الثاني إرادة الحاضر تصوغ المستقبل
واليوم يعيد التاريخ نفسه ولكن بأسماء جديدة إذ يسجل الزمن أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد كتبوا سطور القرار العربي الجديد الذي أجبر أقوى دولة على الأرض على التراجع لأول مرة منذ عقود طويلة عن قرار استراتيجي يمس القضية الفلسطينية
وكما قال ونستون تشرشل (( التاريخ يكتبه الأقوياء لكنه يُحترم حين يُكتبه أصحاب المبادئ ))
**الدرس المستفاد حين يملك العرب قرارهم
إن ما جرى يحمل في طياته دروسًا بالغة الأهمية أهمها أن الإرادة السياسية العربية حين تكون صلبة فإنها قادرة على تغيير المشهد الدولي وأن المصالح الاقتصادية للقوى الكبرى ليست ثابتة ويمكن استثمارها لإعادة رسم الواقع وفقًا لرؤية عربية وأن القضية الفلسطينية لا تزال في قلب الاستراتيجية العربية وأنه لا يمكن السماح بتشويه هويتها بأي شكل كان
**نداء إلى الأمة :الوحدة هي مفتاح القوة
إن هذا الانتصار السياسي يؤكد أن مصير الأمة ليس بيد القوى الخارجية بل بيد أبنائها إن هم قرروا أن يكونوا أصحاب سيادة وقرار
فيا أمة العرب وحدتكم هي سلاحكم وقراركم المستقل هو عزتكم لا تجعلوا خلافاتكم الداخلية سيفًا يُسلط على رقابكم ولا تتركوا الأعداء يستغلون تفرقكم فالوحدة ليست مجرد حلم بل هي الخيار الوحيد للكرامة والقوة
وكما قال الله تعالى (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلِّكُمْ تَهْتَدُونَ
(أل عمران : ١٠٣) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلِّكُمْ تَهْتَدُونَ ))
(أل عمران : ١٠٣) فبالاتحاد تُصاغ العزة وبالتفرق تُمحى الأمم
**ختاماً العرب يصنعون مستقبلهم بأيديهم
اليوم أثبت العرب أن الإرادة القوية قادرةٌ على رسم التاريخ وأن القرارات المصيرية ليست حكرًا على القوى العظمى بل يمكن للعرب أن يكونوا رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية إذا قرروا أن يكونوا كذلك
وكما قال الشاعر العظيم المتنبي
إذا غامرتَ في شرفٍ مرُومِ فلا تقنعْ بما دونَ النّجومِ
التاريخ يُكتب اليوم بمداد العزة وأصحاب القرار هم من يفرضون كلمتهم على العالم.
مدحت سالم
كاتب وباحث